«السترات» الفرنسية.. والوجه المظلم للإنسانية!

مروى محمد إبراهيم –

في 2016، شهدت فرنسا موجة جديدة من المظاهرات الحاشدة ضد قانون العمل الذي اقترحه الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند، وبالرغم من الإضرابات التي امتدت إلى قطاعات مختلفة من الحياة الفرنسية، ولكنها أيضا لم تحل دون استمرار مسيرة الإصلاح.

فوضى وعنف وتخريب ودمار، كانت هذه ملامح الأسابيع الماضية التي عاشتها فرنسا في ظل موجة المظاهرات الغاضبة المشتعلة والمتجددة في الشارع الفرنسي والتي حملت اسم «السترات الصفراء». والغريب، أن هذه المظاهرات تمددت كما النار في الهشيم لتجتاح العديد من المدن الأوروبية والشرق الأوسطية، فالأمر لم يعد مجرد الضرائب الفرنسية أو أسعار الوقود في مدينة النور، ولكنها أخذت أبعادا محلية في كل مدينة وكل دولة. فكل يتظاهر من أجل أزماته بغض النظر عما يحدث في فرنسا. فهناك حالة من الغضب وعدم الرضا العالميين، ربما نجما عن سوء الأحوال الاقتصادية التي يعاني منها العالم منذ الأزمة المالية العالية في 2008، وفشل في التعافي منها بشكل كامل حتى يومنا هذا.
في البداية، لابد من الإشارة إلى أن لقب «السترات الصفراء» الذي حملته مظاهرات فرنسا، ونقلته إلى مختلف دول العالم، هو إشارة إلى سائقي السيارات الذين يحملون عادة سترات صفراء في سياراتهم ليرتدوها عندما يحدث أي عطل في السيارة، حتى يتسنى للسيارات الأخرى أن تراهم وتتجنبهم أثناء السير، تجنبا لوقوع أي حوادث. ومن هنا، كان القرار بارتداء هذه السترات خلال المظاهرات، للتأكيد أن هذه المظاهرات لا تعبر عن فئة بعينها أو أرباب مهنة معينة. كما أنها من المفترض أنها ليست مظاهرات فئوية. ولكنها تتعلق بالمجتمع ككل. فأسعار الوقود المرتفعة ستضر المجتمع بشكل عام وليس فئة دون الأخرى. ولكن يبدو أن هذا كان مجرد البداية.
فخلال الأسابيع التالية، استغلت العديد من الفئات موجة الغضب والمظاهرات لتأخذ المظاهرات أبعادا جديدة، وبدأت تتصاعد مع اقتراب موعد مناقشة البرلمان الفرنسي للميزانية الجديدة. وبدأت موجات الإضرابات تجتاح البلاد، وبلغت حد إعلان الشرطة أنها ستضرب عن العمل على مدار يومين، مهددة أمن واستقرار فرنسا، وضاربة بعرض الحائط واجبها الوطني لحماية الشعب.
ولكن الصورة في فرنسا ضبابية إلى حد كبير، فمن الصعب تحديد ماذا يريد الفرنسيون على وجه الدقة. فالرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون الذي تم انتخابه بأغلبية ساحقة العام الماضي، حاول التماسك والصمود في مواجهة حالة الفوران في الشارع الفرنسي. ولكن سرعان ما انهارت قوته، ليقدم سلسلة من التنازلات للمتظاهرين. ففي البداية، قرر تأجيل فرض الضرائب الجديدة وطرحها للنقاش المجتمعي. وهو ما لم يرض الشارع، فسارع إلى رفع الحد الأدنى للأجور بواقع 100 يورو وإلغاء الضرائب، بل والتعهد بمراجعة البرنامج الضريبي الفرنسي الباهظ – الذي يعد الأكبر من نوعه في أوروبا- ككل، متعهدا بالسعي للوصول إلى أفضل برنامج ضريبي يرضي الشارع.
والطريف، أنه كلما زادت التنازلات، كلما ارتفع سقف المطالب. والغريب، أن المظاهرات بدأت تطالب برحيل ماكرون، وهو مطلب غير منطقي ولا محل له داخل المجتمع الفرنسي. فانتخاب ماكرون تم وفق نظام ديمقراطي، ووصل إلى قصر الإليزيه بوعد بإصلاح النظام الاقتصادي للبلاد. ولكنه لم يكن ليستطيع الانفصال عن الاقتصاد العالمي الذي يعاني من صعوبات جمة، خاصة في ظل الحرب التجارية التي تشنها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أوروبا والعالم كله، رافعة شعار «أمريكا أولا»، وغير عابئة بتبعات هذه الوعود على حلفائها الأوروبيين. ناهيك عن ارتفاع أسعار البترول، ولا يخفى على أحد أن منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك» قررت خفض إنتاجها، لضمان ارتفاع أسعار البترول خلال الفترة المقبلة، كإجراء حمائي لاقتصاديات الدول الأعضاء في المنظمة. وهذا الإجراء بطبيعة الحال سيلقي بظلاله على الدول المستهلكة، ليمثل عبئا اقتصاديا جديدا، لا مفر منه، على هذه الدول. وهو ما يبرر القرارات المتلاحقة للكثير من الدول برفع أسعار الوقود، والذي يتأثر عادة – في الدول الكبرى ذات الاقتصاد الحر- بأسعار السوق العالمي.
في واقع الأمر، المظاهرات ليست بالشيء الغريب أو الجديد على المجتمع الفرنسي، فهو شعب احترف المظاهرات منذ عقود طويلة التظاهر، بل وتفنن في التظاهر بشكل احتفالي على مر التاريخ.
ففي 1968، شهدت فرنسا أكبر إضراب في تاريخ البلاد من قبل الطلاب الذين احتلوا الجامعات واشتبكوا مع الشرطة كجزء من المطالب بمزيد من الحريات. وتضامنوا مع عمال المصانع والمزارعين الذين سعوا لإصلاح قوانين العمل، ليطلقوا إضرابا شل البلاد لمدة أسبوعين وشاركت فيه أعداد ضخمة من العمال تراوح بين 7 إلى 10 ملايين عامل. وأصيبت كافة مظاهر الحياة في البلاد بالشلل التام، بدءا من الموانئ والسكك الحديدية والمطارات والمترو، في حين تراكمت أكوام القمامة في الشوارع وتركت الجثث ملقاة في شوارع العاصمة الفرنسية دون دفن، بشكل مقزز. وتوجت المحادثات بين الحكومة والنقابات والرؤساء باتفاقات جرينيل التي نتجت عنها زيادة بنسبة 35 % في الحد الأدنى للأجور وزيادة الأجور بنسبة 10% بشكل عام. أما في عام 1995، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك آلان جوبيه عن إجراءات تقشف كاسحة للوفاء بالتزاماته بخفض ديون القطاع العام. ولكن سرعان ما اشتعلت المظاهرات لتنطلق ثلاثة أسابيع من المظاهرات والإضرابات. وتضررت باريس بشكل خاص مع توقف وسائل المواصلات، مما أدى إلى اختناقات مرورية ضخمة ومشاهد طوابير من المواطنين يسيرون للعمل في برد الشتاء. وقادت نقابات السكك الحديدية الحركة، التي أثرت سلبا على خدمات خط قطار «يوروستار» الذي يربط بين العديد من المدن الأوروبية، وشارك عمال آخرون من القطاع العام في الإضرابات الجزئية. وبمجرد انطلاق المظاهرة التي حشدت نحو مليوني متظاهر، اضطر جوبيه للتخلي عن إصلاحاته لمعاشات التقاعد، لكنه التزم ببقية خطته، بما في ذلك زيادة مساهمات الضمان الاجتماعي.
وفي 2003، شهدت فرنسا موجة جديدة من الإضرابات احتجاجا على إجراءات إصلاح نظام المعاشات، بلغت سلسلة إضرابات القطاع العام ضد مشروع قانون إصلاح نظام التقاعد ذروتها في مظاهرة يوم 13 مايو، وهو أكبر عرض للنقابات النقابية منذ عام 1995. وأشارت السلطات آنذاك إلى أن نحو مليون شخص شاركوا في المظاهرات في جميع أنحاء فرنسا، في حين أن النقابات أشارت إلى أن مليوني متظاهر شاركوا في الاحتجاجات. ولكن في هذه المرة تجاهلت الحكومة مطالب المتظاهرين واستمرت الإصلاحات.
أما في عام 2010، عندما أعلن الرئيس نيكولا ساركوزي عن خططه لرفع سن التقاعد إلى 62 عاما بدلا من 60، شارك مئات الآلاف في مظاهرة ضخمة يمكن اعتبارها الأكبر منذ عام 1995. وقدرت الشرطة عدد المتظاهرين في جميع أنحاء فرنسا بأكثر من مليون شخص، بينما تشير النقابات إلى أن عدد المتظاهرين تجاوز الـ3 ملايين، وعلى الرغم من الإضرابات والاحتجاجات إلا أن البرلمان الفرنسي مضى قدما لاعتماد الإصلاح.
وفي 2016، شهدت فرنسا موجة جديدة من المظاهرات الحاشدة ضد قانون العمل الذي اقترحه الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند، وبالرغم من الإضرابات التي امتدت إلى قطاعات مختلفة من الحياة الفرنسية، ولكنها أيضا لم تحل دون استمرار مسيرة الإصلاح.
الخلاصة من وراء هذه النماذج من الاحتجاجات الفرنسية، أن احتجاجات الشارع لم تعق يوما طريق الإصلاح، ولكن ما يحدث الآن دليل على أن شكل المجتمع الفرنسي تغير إلى حد كبير. فلا يمكن أن نسلم بفكرة أن اليمين المتطرف هو من حرض على هذه المظاهرات، خاصة وأن المتظاهرين لم يستجيبوا لدعوة زعيمة اليمني جان مارين لوبان بإخلاء الميادين والأكيد أنهم لم ينتخبونها في الانتخابات الأخيرة. ولكن الأكيد أن نسبة المهاجرين في المجتمع الفرنسي تصاعدت إلى حد كبير خلال الأعوام الأخيرة، خاصة مع التزام فرنسا باستقبال حصتها من المهاجرين. وهو ما تسبب في زيادة الأعباء الاقتصادية وتراجع مستوى المعيشة وتصاعد الأزمات الاقتصادية. فرنسا في واقع الأمر تعاني من الجانب المظلم للإنسانية. فهل ستصمد فرنسا في مواجهة هذا المد الغاضب العنيف، الذي يحمل في جعبته الكثير من التطرف والعنف والغوغائية؟