مستقبل صناعة الإسمنت في السلطنة

هلال بن سيف الضامري –
hilalsr@me.com –

بالرغم من ارتفاع الطلب على الإسمنت في السلطنة وتسارع النمو في قطاع الإنشاءات، إلا أن مصانع الإسمنت المحلية غير قادرة على بيع الكميات المنتجة من الإسمنت. حيث يوجد في السلطنة مصنعا إسمنت بطاقة إنتاجية إجمالية تصل إلى 3 ملايين وستمائة ألف طن سنوي لكل مصنع، أي بطاقة إجمالية تتجاوز 7 ملايين طن إسمنت سنوي، إلا أن المصنعَين سجلا مبيعات أقل من 70% من الطاقة التصميمية في السنوات الثلاث الأخيرة على الأقل، مع أن السلطنة تستورد 50%، أي ما قيمته حوالي 100 مليون ريال عماني من الإسمنت، فقد بلغ متوسط الطلب على الإسمنت في الأعوام الثلاثة الماضية 8 ملايين طن، ومن المتوقع أن يصل الطلب في 2019م إلى 9 ملايين طن. ولو نظرنا إلى الاستهلاك المتوقع في السنوات الخمسة القادمة باعتبار المشاريع المعلنة، والاستثمارات في مختلف القطاعات، فإنه يتوقع ارتفاع الطلب على الإسمنت ليصل إلى حدود 13 مليون طن سنويا.
تمتلك السلطنة جميع العوامل التي تؤهلها لوضع مجموعة كبيرة من مصانع الإسمنت، وأولها: وجود مادة الحجر الجيري بنقاوة عالية جدا، يصلح كمواد خام لصناعة الإسمنت من النوع الرمادي والإسمنت الأبيض كذلك؛ إذ أن المخزون من هذا الحجر يتوزع في محافظات عمانية عديدة، منها: محافظة مسندم، والظاهرة، ومسقط، وصور في محافظة الشرقية، وفي الدقم من محافظة الوسطى وكذلك محافظة ظفار. وعلاوة إلى ذلك فإن سلطنة عمان تتمتع –أيضًا- بوجود الخامات الأخرى المهمة في صناعة الإسمنت، منها: حجر خام الحديد، والسليكا، والجبس. وكذلك توفر الغاز الطبيعي كوقود، والسماح لمصانع لإسمنت ومحطات الطاقة باستخدام الفحم الحجري في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم.
وبالرغم من هذه العوامل الأساسية المهمة إلا أن السلطنة ما زالت تستورد 50% من احتياجاتها من الإسمنت، لاسيما بعض مواد الخام المحلية تُصدّر إلى مصانع الإسمنت في دول مجاورة، ويُعاد استيراد الإسمنت منها.
وهذه إشارة جلية تؤكد على أن سوق الإسمنت خصب، وقابل في زيادة عدد مصانع الإسمنت، توازيًا مع ارتفاع طلب السوق المحلي المرتفع جدا للإسمنت، وهي تؤكد- أيضًا- إيجابيتها في تحمل مضاعفة الإنتاج بوجود جميع الخامات والمواد الأولية، ويقابل هذه المجموعة من المميزات المشجعة للاستثمار في إقامة مصانع إسمنت تردد كبير من المستثمرين، فلمَ هذا التردد؟
علينا أن ننبه ابتداءً أنه لا يمكن الاعتماد على مؤشر ارتفاع الطلب على الإسمنت ليكون مؤشرًا إيجابيًا قويا يجذب الاستثمار في إقامة مصنع للإسمنت، فالمصانع الحالية، بما فيها مصنع لطحن الإسمنت في صحار، يعانيان من تسويق الإسمنت محليا، ودوليا في تصديره- كذلك-؛ وذلك بسبب تشبع السوق بالإسمنت المستورد والمعروض بأسعار تنافسية منخفضة تصل إلى 20% من الإسمنت المحلي.
ومن جهة تكلفة صناعة الإسمنت، فإننا نجد أن تكلفة صناعة الإسمنت في السلطنة أعلى إذا ما تم مقارنتها من الدول التي يتم استيراد الإسمنت منها، وتتجلى أسباب هذا الارتفاع في عدة أسباب، منها: أولا تكلفة القوى العاملة العالية؛ إذ أن كلفة القوى العاملة في السلطنة حوالي ثلاثة أضعاف تكلفة القوى العاملة في الدول المجاورة في قطاع الإسمنت. ثانيا استخدام وقود الفحم الحجري أقل كلفة من الغاز الطبيعي، والذي رُفع سعره منذ عام 2015 إلى الضعف، وبزيادة سنوية تراكمية على مصانع الإسمنت. ثالثا عدم وجود مواصفات قياسية عمانية معتمدة لأنواع الإسمنت المختلفة، عدا الإسمنت العادي، مما يسمح باستيراد أنواع أخرى من الإسمنت قليل التكلفة دون الخضوع لرقابة الجودة، ومثال ذلك: إسمنت الحجر الجيري الذي اكتسح الأسواق العمانية في الآونة الأخيرة.
وبالنظر إلى الأسواق القريبة من السلطنة، فهناك مجموعة من الأسواق سريعة النمو، والطلب فيها عال للإسمنت، كاليمن، وبنجلاديش، وكينيا، وتنزانيا كذلك؛ إلا أن تكلفة تصدير الإسمنت من السلطنة إلى هذه الدول غير منافسة، فعلى سبيل المثال: تستورد بنجلاديش حوالي 12 مليون طن من «كلنكر الإسمنت» سنويا؛ أي ما قيمته حوالي (360 مليون دولار أمريكي)، وأكثر استيرادها من فيتنام والصين والهند؛ إذ يبلغ تكلفة استيراد كلنكر الإسمنت من فيتنام في حدود 55 دولارا أمريكيا للطن، بينما تبلغ تكلفة تصدير مادة كلنكر الإسمنت من سلطنة عمان إلى بنجلاديش في حدود 75 دولارا أمريكيا؛ ويعود سبب هذا الفارق الكبير إلى التبادل التجاري العالي بين فيتنام وبنجلاديش، مما يؤدي إلى انخفاض إيجار النقل البحري. بينما كينيا فإنها تسجل نموا عاليا في استهلاك الإسمنت، إلا أن توقيع اتفاقية تجارة حرة بين مصر وكينيا جعل استيراد الإسمنت من مصر أقل تكلفة، مع ما تفرضه كينيا من ضرائب عالية تصل إلى 30%.
وفي مقابل كل هذه التحديات الكبيرة، إلا أن هناك مجموعة من الحلول المقترحة، والمتوقع جرّاءها أن تؤدي جذب المستثمرين إلى إقامة مصانع إسمنت في السلطنة؛ فتوفر المقومات، وما يعد لهذه الصناعة من مردود اقتصادي عال، وما لها من قيمة مضافة عالية باستهلاكها الكثير من الموارد الداخلية، مما يؤهلها لتصبح صناعة وطنية تساهم مباشرة في رفع الناتج المحلي، ناهيك عن توظيف عدد كبير من الباحثين عن العمل؛ فإن أول هذه الحلول: هو تبني مواصفات قياسية تشمل جميع أنواع الإسمنت بما يتناسب مع بيئة البناء في السلطنة، بحيث تقنن دخول الإسمنت الغير مناسب للبناء ولا يستوفي الشروط في المواصفات المعتمدة. وثانيًا:فرض رقابة محكمة على الإسمنت المستورد، لاسيما الإسمنت السائب منه (غير المكيّس أو غير المغلف)-، ووضع حد أقصى لوزن الحمولة على الشاحنات القادمة إلى السلطنة، مع فرض رسوم للحمولات العالية يمكن استخدامها في صيانة الطرق، تتناسب مع الضرر الذي قد تسببه الحمولات العالية على البنى التحتية. ثالثًا: توسيع رسوم شهادة المنتج إلى جميع أنواع الإسمنت، والتي تقتصر حاليا على الإسمنت البوتلاندي العادي. رابعًا: تشديد الرقابة على المقاولين، وعلى العقود التي تُمنح من جهات حكومية، واتُّفِقَ فيها على استخدام الإسمنت المحلي؛ إذ يُلاحظ على كثير من المقاولين مخالفتهم للاتفاق باستخدام الإسمنت المستورد، لاسيما في عمليات الردي ميكس Concrete Readymix التي يصعب مراقبتها وتتبع مصدر الإسمنت فيها، ولما لهذه القضية من تأثير اقتصادي عال، كان لابد مني تسليط الضوء عليها في مقال قادم بإذن الله.
خامس هذه الحلول التي قد تساهم في جذب الاستثمار في هذا الجانب، هو إعادة النظر في قرار رفع سقف التكلفة الكهربائية في صناعات الإسمنت خلال فصل الصيف، لاسيما وأن صناعة الإسمنت هي صناعة ذات عمليات تشغيلية مستمرة؛ وما تضعه شركات الكهرباء من تسعيرة مختلفة لدفع المصانع بتخفيض التشغيل خلال ذروة الاستهلاك، لا تصلح لقطاع الإسمنت، ولا تساهم في خفض كميات الكهرباء المستهلكة خلال الذروة؛ وذلك لأن إيقاف المصنع وقت الظهيرة (سعر الكهرباء عال) لإعادة تشغيله بالليل (سعر الاستهلاك منخفض) غير مجدٍ ويسبب رفع تكاليف التشغيل.
ولو اتبعت مصانع الإسمنت العمانية استراتيجيات تسويق مبتكرة، لمكّنها من القيام بنجاح في الأوساط المحلية والإقليمية ؛ وذلك اعتمادا على الجودة العالية المتناسبة مع احتياجات قطاع الإنشاءات، وذلك من خلال تسهيل الجانب اللوجستي، ونقل الإسمنت إلى المستخدم بكفاءة عالية، وفي وقت قياسي ينافس الإسمنت المستورد من الناحية اللوجستية؛ كاستخدام الشاحنات ذات المقطورتين، واستغلال حركة الشحن بين المناطق الصناعية، وتحميل الشاحنات الفارغة العائدة بين هذه المناطق. سابعًا: إنشاء جمعية أو اتحاد بين مصانع الإسمنت العمانية، تعمل على مواجهة الإسمنت المستورد ببلورة خطوط عريضة تنظم عمليات البيع وحصص السوق. وأجمل مثال ناجح لهذه الجمعيات في قطاع الإسمنت رأيتها في الهند، ففي مقاطعة بالهند تسمى «أودوبير براجيستان»، أنشئ اتحاد ضم مجموعة من مصانع الإسمنت في قُطر لا يزيد عن 50 كيلومترا، يبلغ عددها 7 مصانع إسمنت، وتتجلى مهمة هذا الاتحاد في تنظيم حصص السوق وتوزيعها على هذه المصانع؛ على أن كل مصنع ملتزم بتشغيل وتسويق ما يعادل 70% من الطاقة التصميمية.
إن مستقبل صناعة الإسمنت في السلطنة واعد وكبير، وله تأثير إيجابي على الناتج المحلي، وكل ما يحتاجه هو وقفة موسعة لحماية المنتج المحلي، وفتح أسواق داخلية وخارجية لهذا المنتج الحيوي، وتوسيع المواصفات القياسية لتشمل جميع أنواع الإسمنت، وإلزام تبني مراقبة محكمة على المشاريع التي تلزم المقاولين على استخدام المنتجات المحلية كقيمة مضافة.