حياة بلا معاناة

حمدة بنت سعيد الشامسية –
hamdahus@yahoo.com –

يعتقد الكثيرون بأن حياتي وأمثالي من المهتمين بالتنمية الذاتية، وبسبب حديثنا الدائم عن الإيجابية، أننا محصنون من المشاكل والمتاعب، وإن حياتنا خالية من المعاناة، فنحن نملك كل التقنيات التي تجعلنا سعداء، لكن هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، إذ لا يوجد إنسان على وجه الأرض بدون متاعب، فالمعاناة سنة كونية، وهي التي تعطي للسعادة قيمتها الحقيقية، فلولا الكوخ لما كان للقصر قيمة، لو كان الجميع يسكنون القصور ما أصبحت مميزة، ولا طمح لها أحد، فبضدها تتميز الأشياء، كذلك هي المعاناة تمنحنا حافزا للعمل، والتغيير.
إنها القانون الرباني الذي وضعه رب الكون، للبشرية من أجل النمو والتطور وبناء الحضارات، فالشعور بعدم الرضا وغياب الإحساس بالأمان يصبح دافعا لبني البشر من أجل السعي لتغيير أوضاعهم التي تسبب لهم عدم الرضا هذا، والألم أكبر الدوافع على التغيير بعد الحب.
الألم رسول كما ذكرنا سابقا، جاء يحذرنا من وجود خلل ما بحاجة إلى علاج، سواء كان الألم جسديا أو معنويا، فالخلافات الزوجية المتكررة مؤشر خطير عن وجود خلل في العلاقة الزوجية، تتطلب الإسراع في علاجه، والشعور بعدم الرضا الوظيفي مؤشر إلى أنك بحاجة إلى تغيير مسارك إما في الطريقة التي تؤدي بها عملك أو في ترك الوظيفة والبحث عن أخرى، أغلب الأزمات لا تأتي بدون مقدمات، وإنما تنشأ قبل فترة طويلة جدا، لكننا نفضل في كثير من الأحيان تجاهلها حتى تتفاقم.
الحياة سلسلة من الأفراح والأتراح، والإيجابية لا تعني إنكار الأتراح هذه، بقدر ما تعني تقبلها كحقيقة ثابتة، والضحك والدموع لم تخلق عبثا، لابد من استخدامها باعتدال للتعبير عن المشاعر عند ظهورها، عوضا عن إنكارها، لابد من التعبير عن الفرح في حينه، لكننا نعيش للأسف في مجتمع يعتبر التعبير عن الفرح نوعا من عدم الاحتشام، ومناف للوقار والرزانة، مجتمع علمنا إذا ضحكنا إن نقول (اللهم اكفنا شر هذه الضحكة) وكأن الضحك شر، مجتمع علمنا إلا نبكي موتانا لأن دموعنا تحرقهم في قبورهم، فتعلمنا كبتها.
تعلمنا التحايل على معاناتنا بالبقاء فيها أطول فترة ممكنة، من خلال الاحتفاظ بالمشاعر السلبية أطول فترة ممكنة، من خلال مشاعر الشفقة على الذات، اجترار المشاعر السلبية وتراكمها، أو إنكارها وكبتها بدافع الإيجابية المبالغ فيها، في حين أن كل ما هو مطلوب أن نتركها تؤدي الدور الذي خلقت له.