شركات الأدوية الكبرى تضرُّ بالابتكار

ماريانا ماتزوكاتو – واشنطن بوست –
ترجمة قاسم مكي –

كَفَّت الصناعةُ الدوائية العالمية عن الابتكار. فالأبحاث توضِّح أن 75% من براءات الاختراع التي أجازتها إدارة الأغذية والدواء الأمريكية تتطابق مع أدوية موجودة سلفا في السوق. هذا في حين أن العقاقير التي تعالج أمراضا لا تُعتَبَر «سوقَ نموٍّ» في الإيرادات يتم تجاهلها. ففي الفترة من 2000 إلى 2011 كانت 4% فقط من الأدوية المجازة حديثا في العالم هي التي صممت للعلاج من أمراض مهملة يقتصر تأثيرها على بلدان الدخول المنخفضة والمتوسطة الدخل.
يتعلق جزء من المشكلة بكيفية استخدام الشركات الدوائية لنظام براءات الاختراع. فبدلا من إيجادها أدوية جديدة تمدد هذه الشركات فترة سريان براءات الاختراع القائمة لأكثر من الـ 20 عاما المبدئية التي قررتها الولايات المتحدة باستخدام حِيَلٍ من شاكلة براءات الاختراع الفضفاضة جدا وذلك لقطع الطريق أمام إبداع المعرفة وإصدار براءات لما يطابق في الواقع نفس الدواء. فمثلا عقار لوسيك الذي انتجته شركة أسترا زينيكا لعلاج الحموضة وقرحة المعدة تم تشذيبه لاحقا ومنح اسما جديدا. لقد مَكَّنَ ذلك الشركة من إصدار براءة جديدة لدواء بالكاد جري تعديله. وهو ما يعني عمليا تمديد احتكار الشركة لصناعة هذا النوع من الدواء بعد انقضاء الفترة التي منحت لبراءة اختراعه الأصلية. وما هو أكثر من ذلك أن شركات الأدوية هي التي تجني كل المكاسب في حين أن دافعي الضرائب هم من يدفعون معظم فاتورة الأبحاث الدوائية. فعقار سوفوسبوفير الذي يعالج التهاب الكبد الوبائي (سي) نتج عن أبحاث دامت لمدة تزيد 10 سنوات بتمويل من دافعي الضرائب الأمريكيين(عبر وزارة شئون قدامي المحاربين والمعهد القومي للصحة). لكن عندما استحوذت شركة التكنولوجيا الحيوية الخاصة «جلعاد للعلوم» على الدواء لاحقا وضعت تسعيرة على «وصفة حبوب» لمدة 12 أسبوعا بقيمة 84 ألف دولار في السوق الأمريكية. وبنهاية عام 2017 حقق عقار سوفوسبوفير مبيعات زادت قيمتها عن 50 مليون دولار.
إن دواء سوفوسبوفير ليس استثناءا. فدافع الضرائب الأمريكي موَّلَ أبحاثا لكل عقار من العقاقير الجديدة ال120 التي أجازتها إدارة الأغذية والدواء بين 2010 و2016. رغما عن ذلك تنظر الشركات التي يمكنها الاستفادة من هذه الأبحاث إلى المستحضرات الصيدلانية بنفس الطريقة التي تتعامل بها البنوك مع المنتجات المالية. أي تعتبرها فرصا لتحقيق عائدات في الأجل القصير.
تنفق شركات الأدوية الكبيرة على إعادة شراء أسهمها بهدف تعزيز أسعارها أكثر من انفاقها على البحث والتطوير. كما تستهدف بهذا الإنفاق أيضا دعم خيارات الأسهم التي هي الطريقة الوحيدة التي يتم من خلالها دفع مستحقات الرؤساء التنفيذيين لهذه الشركات. فشركة فايزر مثلا أنفقت 139 بليون دولار على إعادة شراء الأسهم وتوزيع الأرباح في العقد الماضي و82 بليون دولار فقط على البحث والتطوير في نفس الفترة. وذُكِر أيضا أن راتب رئيسها التنفيذي بلغ 27.9 بليون دولار في عام 2017. إذن ما الحل؟
الحل هو تطبيق نفس المقاربة الموجَّهة التي يتم توظيفها في مجال الدفاع الوطني على الرعاية الصحية. فتاريخيا استخدمت المؤسسة العسكرية الأموال العامة لحل المشاكل بالتفاعل الدينامي مع القطاع الخاص، وإن يكن بتوجيه حكومي، وذلك من أجل منفعة دافع الضرائب. فالمقاربة الموجَّهة هي ما أوصلتنا إلى القمر. كما أوصلتنا أيضا إلى الإنترنت وابتكار الرقاقات الإلكترونية والقرص الصلب الصغير وبرنامج تمييز (التعرف على) الصوت. جاءتنا هذه الاختراعات الأخيرة عبر وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة بالولايات المتحدة والتي تسترشد بما تدعوه «رسالة فريدة ومستدامة « لضخ استثمارات محورية في اختراقات تكنولوجية لحمايةً الأمن القومي. فإذا اتجهت الحكومة لترقية الصحة بنفس السرعة والتفكير الاستراتيجي على نحو ما تفعل في الدفاع القومي قد نتمكن من إحداث تحول في الرعاية الصحية وتمكين الجيل الجديد من الاختراقات الطبية من الوصول إلى الذين هم أكثر حاجة لها.
وكما اتبعت وزارة الطاقة نموذجَ «وكالة المشاريع الدفاعية» في تأسيسها «لوكالة مشاريع أبحاث الطاقة المتقدمة» بهدف إعادة تشكيل شبكة الكهرباء يتعيَّن على وزارة الصحة والخدمات الإنسانية اتباع نفس هذا النموذج أيضا وإنشاء وكالة مماثلة لتعزيز الابتكار في مجال الرعاية الصحية. يتعين على الحكومة في هذه العملية وضع الأولويات وعلى وكالاتها إيجاد الحلول التفصيلية وضمان إيلاء اهتمام مشاكل الصحة مماثل لذلك القدر الذي تحظى به مشاكل الأمن القومي حتى يتمكن المستهلكون من الاستفادة من أحدث الابتكارات. وسيكون بمقدور وزارة الصحة والشئون الإنسانية «الأكثر تمكينا والأقوى تركيزا « إيجاد حلول لاحتياجات الصحة العامة وعقد صفقات أفضل أيضا. فمثلا يمكنها أن تضغط على الشركات بالنظر إلى استفادتها من المال العام لإعادة استثمار أرباحها في الابتكار بدلا عن استخدام مكاسبها لإعادة شراء أسهمها. ويمكنها الحث على إعادة هيكلة نظام براءات الاختراع لتعزيز الابتكار بدلا عن منعه. ويجب ألا تكون البراءات فضفاضة بحيث تشكل عائقا أمام كل الأبحاث التي تهدف إلى علاج مرض محدد.
كما على وزارة الصحة والخدمات الإنسانية أيضا الضغط لمزيد من الشفافية وسط مختلف الأطراف التي تتحمل تكلفة البحث والتطوير. فذلك سيجعل العملية الجماعية لإيجاد القيمة (المنفعة الدوائية للمرضى) أكثر وضوحا وبالتالي يشجع على إدارة حوار مُزَوَّد بمعلومات أفضل لتسعير الدواء وعلى تمويل جهود البحث والتطوير الدوائي. أخيرا، على الحكومة إيجاد الظروف التي تضمن توافر الدواء الجديد وسهولة الحصول عليه. وفي حين أن قانون «بيه- دول» الأمريكي الصادر في عام 1980 يسمح للحكومة بوضع سقف أعلى لأسعار الأدوية التي تعتمد على التمويل العام إلا أنها لم تمارس هذا الحق أبدا. من الواضح أن نموذج التجارة الدوائية يبحث عن الأرباح ولا يسعى إلى تحقيق أهداف الصحة العامة. بل وصلت الأمور إلى حد أن محللي «جولدمان ساكس»، في سياق توقعاتهم الخاصة بالتكنولوجيا الحيوية والقطاع الصيدلاني، طرحوا السؤال التالي: هل علاج المرضى نموذج تجاري قابل للاستدامة؟
لقد صار السعي وراء الربح راسخا في صناعة الدواء مما يستوجب تحولا جذريا يجبر هذه الصناعة على رفد المجتمع بقيمة مضافة وإطلاق ابتكار حقيقي يبعث الحيوية في أوصال السوق. يمكننا أن نفعل هذا فقط إذا بدأنا بالتركيز على ما هو مهمُّ حقا. أي على تغليب مصلحة المريض على هدف الأرباح. وكما كشفت أزمة العقاقير الأفيونية (في الولايات المتحدة) يمكن أن يتحول انهيار هذا النظام بسرعة إلى أزمة أمن قومي. دعونا نتعامل مع قضايا الصحة بنفس الطريقة.

كاتبة المقال ماريانا ماتزوكاتو مديرة معهد الابتكار والأغراض العامة بكلية لندن الجامعية ورئيسة فريق إعداد تقرير جديد عن ابتكارات الصحة