«ثلاثية الأبعاد «3d» .. انقلاب في موازين القوى

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

ربما أكثر ما يثير الخوف في هذه التقنية، هو محاولة العلماء الذهاب بها إلى الإنجاز في الجانب العضوي للأنسجة الإنسانية، وهو ذات الخوف الذي انتاب مجموعة العلماء في موضوع الزراعة النسيجية لأجهزة الإنسان.

تفرض المفاهيم الحديثة المنبثقة عن الإنجاز العلمي أجندتها على المتلقي بصورة قد تكون مربكة في بعض الأحيان، وفي بعضها الآخر تثير الدهشة، وقد تقوض المفاهيم العالقة وتغير الصور النمطية ثالثا، وفي كل هذه الصور فإنها تجري تغييرات جذرية في الأبعاد: الاقتصادية، والفكرية، والثقافية، والاجتماعية، ولا تزال تسجلا خطوات تقدمية سريعة، استوعبها المتلقي، أو لم يستوعبها فهي ماضية إلى حيث لا نهايات، فالغايات في المفاهيم الحديثة؛ هي مشاريع تسجل خطواتها الأولى، وبالتالي فعلى المتلقي إما أن يكون في إحدى حالتيه؛ الأولى: أن يتسامى مع مختلف التطورات التي تفرضها العلوم الحديثة بمفاهيمها أو تصنيفاتها المختلفة من خلال الغوص أكثر في بحور العلوم التطبيقية منها؛ بشكل خاص؛ وفي هذه الحال مطالب بالمساهمة فيها بقدر المعرفة التي يكون عليها، ولو باستيعاب تأثيراتها على أقل تقدير، وأما الحالة الثانية: فهي أن يتموضع على ما هو عليه، من مفاهيم الصور النمطية التي عايشها زمنا، وفي هذه الحالة أن يعيش على تخلفه وتأخره في المساهمة، وهو التأخر الذي يزيد من عزلته عن العالم الحي، حتى ينتهي به إلى الزوال من دنيا الحياة المتفاعلة الصاخبة بالحيوية والنشاط.
من هنا يأتي مفهوم الطباعة بـ «تقنية ثلاثية الأبعاد (3d)» ليوجد ثورة علمية غير عادية، ليس فقط في كونها منجزا علميا يشهد بقدرة الإنسان على إيجاد الحلول لمشاكله التي تتفاقم كل يوم، ولكن في الوقت نفسه استحداث طرق بديلة المشاكل والقضايا وبأقل تكلفة، وأسرع فترة زمنية متوقعة، وهذا ما تنجزه اليوم «تقنية ثلاثية الأبعاد (3d)» في مختلف أنشطة الحياة اليومية بدءا من الصناعات الخفيفة، مرورا بالصناعات المتوسطة، وصولا إلى الصناعات المعقدة التي تتداخل مع التخصصات الطبية الدقيقة، وتذكر المصادر أن إنجاز هذه التقنية يفوق نظيرتها التقليدية بـ(83%) والمسألة مرشحة للزيادة؛ ليس فقط الزيادة الكمية؛ ولكن الزيادة النوعية نظرا لتداخلها في التخصصات الدقيقة في الطب والهندسة الحيوية والعضوية.
نشر المترجم (سعد بن طفلة) في مقال له عنونه بـ «بأي عالم نعيش» – قال إنه من ترجمته – النص التالي؛ بتصرف؛ «خلال عشر سنوات تراجع سعر الطابعة الثلاثية الأبعاد (3d printing) من 18 ألف دولار إلى 400 دولار فقط، وازدادت سرعتها بنسبة 100%، ولقد بدأت شركات الأحذية الكبرى بالعالم باستخدام هذه التكنولوجيا فعليا، كما تصنع قطع غيار الطائرات بالطابعة الثلاثية الأبعاد بمطارات بعيدة، وتغني هذه الطابعة سفن الفضاء عن حمل قطع الغيار الكبيرة والثقيلة التي كانت تحملها بالماضي على ظهر السفينة حيث يمكن تصنيعها بالفضاء وبسرعة هائلة بالطابعة الثلاثية» وأضاف: «وبنهاية العام الحالي، سيكون بهاتفك الجوال القدرة على الطباعة الثلاثية هذه بحيث يمكن تصوير القدم بها وطباعة الحذاء الذي تلبسه بدقة متناهية داخل منزلك. وفي الصين، بنوا بناية من ستة طوابق بتكنولوجيا الطباعة الثلاثية، وفي العام 2027 سيكون 10% من منتجات العالم مصنعة بهذه التكنولوجيا».
يعرف موقع (ويكيبيديا الحرة) هذه التقنية بالنص التالي: «طّباعة ثلاثيّة الأبعاد هي التقنية التي يتم من خلالها بناء مجسم ملموس من نموذج رقمي ثلاثي الأبعاد، حيث يمكن الحصول على هذا المجسم من خلال ماسح ضوئي ثلاثي الأبعاد(D3Scanner) أو من خلال تصميمه باستخدام أحد برامج الحاسوب (Computer Aided Design “CAD”) الخاصة بالتصميم ثلاثي الأبعاد مثل (3D MAX , Google Sketchup ). ويتم تشكيل هذا النموذج عن طريق طباعة مجموعة من الطبقات المتتالية بعضها فوق الآخر حتى يتم الحصول على الشكل النهائي وهو ما يعرف بنظام التصنيع المضاف (Additive Manufacturing)، ويختلف هذا النظام عن نظامي القولبة والنّحت اللذين يبددان أكثر من 90% من المادة المستخدمة في التصنيع»- https:/‏‏/‏‏www.arageek.com – تاريخ زيارة الموقع الثلاثاء 18/‏‏ 12/‏‏ 2018م، الساعة (11.55 صباحا).
وربما أكثر ما يثير الخوف في هذه التقنية، هو محاولة العلماء الذهاب بها إلى الإنجاز في الجانب العضوي للأنسجة الإنسانية، وهو ذات الخوف الذي انتاب مجموعة العلماء في موضوع الزراعة النسيجية لأجهزة الإنسان، وهي الحالة التي لا تزال موضع جدل لدى العلماء أنفسهم، حيث لم تنجح بالصورة المتوقعة، وقد تطرقت في مقال سابق نشر في يوم الإثنين الثالث من الشهر الجاري حمل عنوان: « التقدم العلمي .. حالة من الجدال وأخرى من التحدي» تطرق حول جوانب مختلفة الإنجاز العلمي في مفهوم الزراعة النسيجية وعمليات الاستنساخ، وضربت في ذلك مثل «النعجة دوللي» وذكرت أن هناك « تقارير طبية تشير إلى أن واقع الاستنساخ لا يعكس الارتياح لدى العلماء خاصة بعد تجربة النعجة دوللي، التي فسر نفوقها على أنها وصلت إلى مرحلة الشيخوخة قبل عمرها الافتراضي المقدر بـ (11 إلى 12) عاما، ويقول الدكتور باتريك ديكسون وهو كاتب في أخلاقيات الاستنساخ البشري: «إن طبيعة نفوق النعجة دوللي قد تكون لها ردود فعل كبيرة على إمكانية استنساخ طفل آدمي» – انتهى النص – وهذا ما تذهب إليه اليوم الطابعة الثلاثية الأبعاد (d3 printing) وهو السعي نحو الطباعة العضوية، حيث يسعى العلماء؛ ومن خلال هذه التقنية – وفق المصدر السابق -: «ففي هذه التقنية حاول العلماء والمطورون طباعة خلايا حيّة، حيث تطبع هذه الخلايا لتخرج في وسط هلامي أو وسط سكري طبقة تلو الأخرى حتى يكتمل الشكل النهائي، وقد يحتوي هذا العضو المطبوع على الأوعية الدموية، أول منتج لهذا النوع من الصناعات كان في عام 2009 مبنيا على طريقة» نوفو جنNovo Gen «للطباعة العضوية، وفي عام 2013 قام علماء وباحثون صينيون بطباعة أعضاء من جسم الإنسان مثل أصابع ، وآذان وجلد ، وحتى الكلى، ، وفي نفس العام قام باحثون في جامعة هاسلت في بلجيكا بطباعة عظام فك لسيدة كبيرة في العمر، ومن المتوقع خلال العشر أو العشرين سنة القادمة أن يقوم الباحثون بطباعة أعضاء قادرة على العمل وإنجاز الوظيفة المطلوبة منها، تسمى هذه التقنية بالعديد من الأسماء مثل الطّباعة العضوية، طباعة الأعضاء ، هندسة الأنسجة بمساعدة الحاسوب» ووفق ذات المصدر: «أظهرت دراسات الجراحين الذين يستخدمون نماذج مطبوعة ثلاثية الأبعاد للتدرب على إجراء العمليات، أنه يمكن أن تكتمل العملية الجراحية بشكل أسرع وبأقل خطر على المريض، كما وفرت الطباعة الكثير من التكاليف المحتملة».
فالثورة العلمية التي بدأت تحدثها تقنية طباعة الثلاثية الأبعاد (d3 printing) هي السرعة المتناهية والمقدر تفوقها بـ (83%) عن مثيلاتها التقليدية، بالإضافة إلى تكلفتها الرخيصة، ودقتها النوعية المتفوقة، بالإضافة إلى القدرة المعرفية التي يمتلكها الأفراد؛ دون الوقوع تحت ابتزاز الشركات «المحتكرة» ولعلنا بدأنا نلمس هذا الإنجاز لدى كثير من أبنائنا المتخصصين في هذه التقنية عبر إنتاجهم المتمثل في كثير من الأعمال سواء تلك المتعلقة بأرضيات المنازل، أو تلك المتعلقة بالمقاطع المصورة عن الأحداث، أو تلك التي تقع تحت الصناعات الخشبية أو الجبس «الديكورات» بأنواعها، حيث ينجز كل ذلك شباب طموحون، وعندهم القدرة على التغيير في مفهوم الصناعة، وهذا كله بدوره سيعيد النظر في كثير من الاشتغالات التي كانت حكرا على مجموعة متسلطة في الأسواق، والمهم هنا أيضا أن يلقى هؤلاء الشباب التشجيع والمساندة والتعزيز في استيعاب إنتاج مشروعاتهم؛ التي تبدو بسيطة اليوم؛ ولكن مع تقدم الخبرة، والتعمق في هذا التخصص سوف تصل إلى مستويات متقدمة من الإبداع والتميز.
ختاما؛ يقينا أن العلماء لن يقفوا عند حد معين سواء في تجارب الاستنساخ، أو تجارب تقنية الطابعة الثلاثية الأبعاد (d3 printing) وهذا دورهم، فهم الساعون أبدا نحو النور، وما أجمل المسير والعمل في النور، ولا تزال المجتمعات الإنسانية تراهن على علماء الأمة في تقويم مساراتها المختلفة نحو الحياة، فمجمل القضايا العالقة؛ على امتداد البشرية؛ ظلت على تموضعها لأنها غيبت عن اهتمام العلماء، أو أقصي العلماء عنها بصورة أو بأخرى، وما نسمع وما نقرأ عن اغتيالات العلماء في كل بقاء الدنيا، هو انعكاس لما تحمله العقول المريضة من ارتباك من الأثر الذي يحدثه العلماء في شتى مناحي الحياة.