«ماذا نفعل بدون كالفينو» السـردُ بلسـانٍ بصـريٍّ مـبـين

علي كاظم داود –

«لا توجدُ طواحينُ هواءٍ في البصرةِ» هكذا صرخت الأم في وجه ولدها عندما ألحّ عليها كثيراً لاصطحابه إلى طواحين الهواء، بعدما أكل رواية سرفانتس الشهيرة دون كيخوت. ومع هذه الصرخة الموجوعة التي تطلقها تلك الأرملة الحائرة في وجه يتيمها البائس، بطل قصة (بيكا) إحدى قصص مجموعة «ماذا نفعل بدون كالفينو» للكاتب العراقي ضياء جبيلي… تتردد في الأنحاء أصداءٌ عميقة لها دلالات كثيرة، أذكر من بينها: أن البصرة لم تكن يوماً مسرحاً لحروب الطواحين العبثية، لأن ما مرّ عليها حروب مدمرة، أورثتها الخراب واليتم والترمل والتشريد. ولم يأت إلى هذه المدينة فرسان نبلاء أو واهمين مغررين، بل محاربين قساة بنوا أمجادهم بدماء أبنائها وجماجمهم. ومن أجل ذلك أثخن جسد البصرة بوابل من القصص والحكايات المؤلمة التي تنتظر من يعيد أسطرتها، كضياء جبيلي وغيره.
وقد اختار الكاتب هذه الجملة لتكون عنواناً لمجموعته القصصية الأخيرة (لا طواحين هواء في البصرة) والتي فازت بجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية ومقرها الكويت. ربما يدرك كل من تابع نتاجات (ضياء جبيلي) أنه منشغل بتوظيف أسماء الأعلام الأجنبية في عناوينه، منذ روايته الأولى (لعنة ماركيز) ومروراً برواياته (وجه فنسنت القبيح) و(بوغيز العجيب) و(تذكار الجنرال مود) وليس انتهاءً بـ (ماذا نفعل بدون كالفينو)، وهذا الأمر قد يستحق دراسة خاصة به للكشف عن دوافعه وتأثيراته على مشروعه الأدبي.
كما يظهر أيضاً لمن قرأ له أنه مهموم باكتشاف العوالم الغرائبية والسحرية التي يمكن أن تنتجها البيئة العراقية، بعد مرورها بخياله الأخاذ. أي أنه ـ بعبارة أخرى ـ يعد واحداً من بين أهم كتاب السرد الذين حفروا في الواقع العراقي، لإنتاج عوالم ووقائع سحرية قد يندر العثور عليها.
الأمر الثالث الذي يبدو موتيفاً دائم الحضور في منظومة الجبيلي السردية هو المكان، البصرة، وهي البطل الأسطوري الذي لا يزال يؤثث فضاءات نصوصه. هذا الارتباط الوثيق بالبصرة سينفي أي تهمة قد توجه للجبيلي بسبب الأمر الأول، أي الأسماء الأجنبية في عناوينه. فما قد يقال بحسب النظرة المتعجلة للعناوين ستنفيه القراءة المتأنية للمتون، وبصوت بصراوي مبين.
في مجموعته (ماذا نفعل بدون كالفينو) الصادرة عن دار شهريار للنشر، لا يحيد الكاتب عن مساره المعهود. إذ يحضر اسم إيتالو كالفينو في عنوانها، كما أن قصصها تحتوي على الكثير من السحر والغرائبية والرمزية والخيال الجامح، إضافة إلى اتخاذها البصرة فضاءً أثيراً لأحداثها.
اتسمت المجموعة بعدة سمات فنية وموضوعية نرصد منها الآتي:
السمة الأولى: الانسجام الفني بين جميع قصص المجموعة، إذ لا نجد تفاوتاً في مستويات بنائها وإتقانها، حتى تكاد تكون جميعها أُنتجت في قالب جمالي واحد. لا أقصد هنا أنها نسخ مكررة، بل ما أعنيه أنها حافظت على اتزانها وثباتها الفني.
السمة الثانية: المفارقة كانت عنصراً حتمياً وركيزة أساسية قامت عليها أغلب القصص، إذ لم تكن تنكشف للقارئ إلا مع نهايتها، ليعثر على سرّها الذي خبأته طوال أحداثها. كانت النهايات مربكة لقناعات القارئ وتوقعاته.
السمة الثالثة: القصص في مجملها مشغولة بهواجس الموت والحياة، نهاية الإنسان وما يتركه خلفه، أياً كان ما يتركه. كما تثير، في غضون ذلك، قضايا الموت المعنوي وفقدان الإنسان إحساسه بالحياة، عندما يصبح وجوده بلا قيمة وحياته بلا جدوى. فنعثر في القصص على تمثيلات عديدة للموت المعنوي قبل الموت المادي. نصطدم بنهايات مجازية كثيرة لشخصيات القصص قبل نهاياتهم الحقيقية التي تختطها الأحداث.
من أوضح النماذج لذلك قصة بعنوان (الوقوف). نقرأ فيها عن تمثال ينتصب في أحد شوارع البصرة. تروي القصة أنه كان إنساناً طبيعياً قبل ذلك، ثم في لحظة ما جمد في مكانه وتحول إلى تمثال لا يمكنه الحراك. القصة تفترض أنه كان يمشي ويعيش حياة طبيعية وفجأة تحول إلى جماد، أي أنه ببساطة قد مات. لكنه بقي يفكر بأنه إنسان وأن ثمة شيء خاطئ في ما يجري له، إلا أن الناس من حوله لم يكونوا يعيرون لوجوده أي اهتمام، لقد كان مهملاً، وهذا هو التمثيل الرمزي للموت الحقيقي. الموت الرمزي الذي يحفر حفرته الإهمال للإنسان ويدفنه في أعماقه.
في قصة (بيكا) التي بدأنا بالحديث عنها نقرأ حكاية مسعود المصاب بمرض يدفعه لأكل الكتب. يُعدم والده وهو صغير، فتقع مسؤولية توفير طعامه الورقي على والدته، محاسن، وكلما كبر كلما ازداد طعامه، مما تعجز الأم عن توفيره، حتى من خلال سرقة الكتب أو تسوّلها من مكتبات البصرة.
مسعود الذي كان يحب العزلة والعتمة والسكون تتغير طبائعه أحيانا بحسب ما تمليه عليه متون الكتب التي يلتهمها، كأن يطلب من والدته أخذه لطواحين الهواء بعد قراءة دون كيشوت، رغم عدم وجود مثل هذه الطواحين في البصرة. تهرم الأم ولا تستطيع توفير غذاء مسعود، ثم تموت فلا يزورها في قبرها إلا فأر هزيل ربما كان ولدها الذي لم يعرف احد مصيره.
يمكن قراءة هذه القصة انطلاقاً من وصف شعبي للشخص الذي يكثر من قراءة الكتب، إذ يصفه بعضهم بأنه فأر كتب أو جرذ كتب، وهو من قبيل العنف اللفظي الذي يجعل منه شخصاً مختلفاً أو منبوذاً فهو ليس كالآخرين الذين لا يقرؤون! الأمر الذي سيدفعه للعيش مع الكتب والعزلة عن المجتمع، حتى يموت معنوياً وإن كان على قيد الحياة.