قطاع السياحة مرة أخرى

لؤي بديع بطاينة –
Lbb_65@yahoo.com –

مع زيادة المخاطر المتعلقة بتذبذبات أسعار النفط الذي تعتمد عليه بشدة اقتصادات دول المنطقة والذي يشكل في المتوسط أكثر من 70% من إيراداتها إضافة إلى أنه مصدر غير مستدام وسينضب مع الوقت، كان لا بد من التوجه سريعا نحو التنويع الاقتصادي والسعي نحو الاستفادة من المكونات الفريدة لكل دولة، ومن أهم هذه المكونات، الطبيعة والجغرافيا والبنية الأساسية والخدمات والتي جميعها تشجع قطاعا واعدا ولا يتسم بالتذبذب بشكل عام، ألا وهو قطاع السياحة.
إن الاستثمار في السياحة كان ولا يزال يُعتبر من أفضل أنواع الاستثمار ربحية في العالم وهناك عدد لا يحصى من المشروعات التي يُمكن إنشاؤها والاستثمار فيها متى ما توفرت البيئة والقوانين الجاذبة للاستثمار ولاستقطاب رأس المال المُستثمر والمُستثمرين على اختلاف أنواعهم وجنسياتهم.
ولقد جاء الاهتمام في هذا القطاع من قبل دول المنطقة متأخرا (حتى وإن كان خلال عدة عقود مضت). تجسد هذا الاهتمام في تأسيس هيئات وسلطات سياحية عُليا من أجل أن تقوم بالمُساهمة في تعزيز وتطوير عملية الاستثمار في المجال السياحي والرقابة عليها من وجهة وزارية مُستقلة للتأكد من نوعية المنتجات والخدمات المُقدمة والتي هي أصلا تتصف بمستويات مُختلفة وتُمثل سمعة الدولة السياحية والجغرافية والاقتصادية.
فلماذا القول بأن الاهتمام جاء متأخرا؟
لعل الإجابة تكمن في ضعف مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي لدول المنطقة مقارنة مع مساهمة تتجاوز في بعض الأحيان نصف الناتج المحلي الإجمالي كما في عدة دول أوروبية وعالمية.
ففي السلطنة على سبيل المثال، وصلت نسبة مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2017 فقط 2.6% بما يعادل 1.8 مليار دولار مقارنة مع – متوسط المساهمة الإجمالية لقطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي في دول منطقة الشرق الأوسط 6.5% طبقا لإحصاءات تقرير المجلس العالمي للسفر والسياحة والمركز الوطني للإحصاء والمعلومات.
وأما الإمارات والتي تعتبر من الأفضل خليجيا، فقد بلغت نسبة المساهمة الإجمالية لقطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي للإمارات بلغ 11.3% لعام 2017 أي ما يعادل 41.9 مليار دولار.
لا شك أن طفرة أسعار النفط خلال الأعوام التي تلت الأزمة المالية العالمية قد أسهمت في التركيز على القطاعات ذات الصلة وأيضا زيادة مساهمة هذه القطاعات في الناتج المحلي الإجمالي إلا أن ذلك لا يعني غض الطرف عن أهمية قطاع السياحة خاصة في السلطنة ولعل مرتكزات مشروع البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي «تنفيذ» والتي تهدف (مما تهدف) إلى:
1) زيادة عدد السياح الزائرين سنويا بحلول 2020م ليصل إلى 2.7 مليون زائر.
2) زيادة القيمة المضافة لقطاع السياحة من 0.749 مليار ر.ع في عام 2016 إلى 1.050 مليار ر.ع على الأقل بحلول 2020م.
3) ضخ استثمارات من القطاع الخاص بما لا يقل عن 1.8 مليار ر.ع بحلول 2020م.
4) زيادة عدد الشاغلين الجدد للوظائف التي يوفرها قطاع السياحة إلى 45.9 ألف وظيفة، هي أهم دليل على أهمية هذا القطاع الحيوي.
كذلك لا بد وأن لا ننسى أن أبرز الفــرص والإمكانيات في قطاع السياحة والتي أشار إليها «تنفيذ» وهي الثقــافة والـتــراث والثروات الطبيعية الفريدة والفعاليات الإقليمية والعالمية إضافة إلى الوضع الجغرافي السياسي، هي فرص متوفرة في الأصل ويسهل الاستفادة منها والحصول على مردود بشكل سريع.
لا يوجد مجال للشك بأنه هنالك العديد من المواقع السياحية والأثرية والتاريخية والدينية والتي يُمكن أن تُشكل مركزا وفرصة مهمة للاستثمار إذا ما كان هنالك توجه حقيقي وملموس لدى الحكومة بدعم هذا القطاع والاستثمار في بنيته الأساسية وتوفير كل السبل اللازمة لنجاحه من ناحية تسهيل الإجراءات وإصدار التأشيرات السياحية وتعديل بعض التشريعات والقوانين التي تتضارب من التوجهات والخطط والبرامج والاستثمارات السياحية.
لقد شهدت السلطنة خلال السنتين الأخيرتين تطورات كبيرة في القطاع منها افتتاح مطار مسقط الدولي الجديد والطرق اللوجستية المهمة مثل طريق الباطنة السريع وأيضا الاستثمارات الكبيرة في المناطق السياحية والزيادة المطردة في عدد الفنادق والمؤتمرات، كذلك تم تسهيل التأشيرات السياحية وبدء العمل في نظام التأشيرات الإلكترونية والذي تشير آخر الإحصاءات المتعلقة به إلى أن العدد وصل إلى مئات الآلاف من التأشيرات حتى نهاية نوفمبر 2018 المنصرم واستحداث تأشيرات جديدة وعمل اتفاقات تأشيرات مشتركة مثل التي بين السلطنة وقطر وذلك فيما يتعلق بالسياح الأجانب.
وفي هذا السياق، تظهر البيانات الصادرة عن المركز الإحصائي لدول الخليج إلى أن الاستثمارات السياحية في السلطنة قد حظت باهتمام كبير وبأن الحكومة تسعى لتطوير هذا القطاع. الأرقام تشير إلى أن القطاع السياحي حقق نموا بنسبة 1.6% في عام 2017 على أساس سنوي مقارنة وبلغ عدد الزائرين الوافدين 3.3 مليون زائر، وبلغ إجمالي إنفاق السياحة الوافدة 890 مليون دولار في عام 2017 مقارنة بـ839 مليون دولار في عام 2016 وبنسبة نمو قدرها 6.1%. كذلك تظهر الإحصاءات بأن أعداد الفنادق ووسائل الإيواء زادت لتبلغ 359 فندقا ووسيلة إيواء في عام 2017 مقارنة بـ340 فندقا ووسيلة إيواء في عام 2016.
ومن الأرقام المثيرة أيضا للاهتمام هو التوجهات السياحية للعمانيين في الإجازات حيث تشير عدة إحصاءات إلى أن حوالي 70% إلى 75% من العمانيين يقضون إجازاتهم في بلدهم والنسبة المتبقية في معظمها في الإمارات.
كذلك يتميز السائح العماني بكثرة عدد أفراد عائلته المصاحبة له في التحرك مما يعني المزيد من الإنفاق.
ومن ناحية أخرى، لدى قطاع السياحة قدرة كبيرة على توفير فرص العمل سواء كانت مُباشرة وغير مباشرة وعلى مختلف المستويات، علاوة على توفير فرص الاستثمار المباشر وغير المباشر (تكامل أفقي وعمودي) وبكل الأقيام والأحجام.
فما هي أهم التحديات والفرص التي من شأن حلها (الأولى) والاستفادة منها (الثانية) دعم قطاع السياحة:
■ الاستمرار في تطوير بنية الطرق وخدمات المواصلات مع تقديم أسعار تنافسية وأيضا تنويع وسائل النقل، وقد رأينا في هذا الصدد تطورا جيدا.
■ خدمات الإيواء والتخييم في المناطق الوعرة والتي لا تصل إليها وسائل النقل والتي من أكثر ما اشتهرت بها السلطنة لما حباها الله من طبيعة جبلية عذراء وخلابة لم تصلها قدم الإنسان من قبل ولم تصلها معاول النهضة الحديثة والتي أتت على كل شيء جميل.
■ بناء المزيد من الفنادق لطبقات الدخل الوسطى حيث إن تكلفة الإقامة في فنادق السلطنة بالإجمال أعلى من دول الجوار وهو الأمر الذي يصعب من جذب سياح هذه الدول خاصة ممن لديهم أفراد كثر في العائلة.
■ تنويع الخدمات عامة مثل محلات الحرف اليدوية ومحلات بيع الهدايا والتذكارات والرحلات والألعاب البحرية والجبلية وكذلك مشاغل ومصانع الأدوات التراثية والتي يقوم عليها جيل كامل من الحرفيين والصناعيين.
■ بذل المزيد من جهود الترويج السياحي، وإن كنا شهدنا مؤخرا تحركات محمودة على هذا الصدد ومنها الترويج للسلطنة في الدول الأوروبية والمشاركة في منتديات السياحة العالمية.
■ التجهيز للاستفادة من فعاليات أكسبو 2020. وكأس العالم 2022 وذلك عن طريق عدة إجراءات منها:
■ تسهيل الإجراءات للشركات الراغبة والقادرة على الدخول في المجالات المتاحة من خلال الفعاليتين
■ حث مؤسسات القطاع الخاصة العمانية على إقامة شراكات للدخول في بعض أعمال الفعاليات
■ الترويج للسلطنة كوجهة استثماريه واقتصادية وسياحية واعدة
■ إشراك الشركات العمانية لتقديم منتجاتها وخدماتها بالتنسيق مع منظمي الفعاليتين.
■ زيادة المرافق الفندقية والوحدات السياحية والرحلات عن طريق السفن
■ تنشيط اتفاقية تقاسم الرموز بين الطيران العُماني وطيران الإمارات مما يمنح المسافرين اتصالا أفضل ومجموعة موسعة من الخدمات بين دبي ومسقط.
■ تنشيط الخدمات الإرشادية والسياحية والتي تتمثل بتهيئة مرشدين ومرافقين سياحيين يتميزوا بالثقافة والدراية العالية بالمكان والزمان وبالإضافة إلى معرفتهم الوثيقة بالأماكن التي سيقومون بزيارتها وتاريخها وأهميتها من حيث المضمون والشكل والزمان، مع ضرورة إتقانهم أكثر من لغة حية وعلى رأسها اللغة الإنجليزية بالإضافة إلى لغات أخرى تُشكل غالبية اللغة التي يتحدث بها النسبة الكبرى من السياح.
إن السياحة نشاط تجاري كبير وقطاع مهم، فقد أصبحت صناعة رئيسية على النطاق العالمي، ومن المتوقع أن تنمو نموا متواصلا، فقد زاد عدد السياح على المستوى الدولي إلى أربعة أضعاف خلال العقدين الماضيين، وارتفع حاصل ناتج السياحة الدولية من 50 مليار دولار تقريبًا في سبعينات القرن الماضي إلى حوالي 1 تريليون دولار في العقد الثاني من هذا القرن.
كذلك نشهد تزايدا ملحوظا في الاستثمار الفندقي من قبل المُستثمرين العالميين حيث إن الاستثمار الفندقي في منطقة الخليج العربية يقوم على قواعد متينة، ما يعطي حافزًا هائلًا لقطاعي السياحة والعقارات للمطورين والمُستثمرين معًا، ولا بد هنا من الإشارة إلى أهمية تطوير القطاع السياحي بالاعتماد على المفهوم الاستثماري الربحي وليس مفهوم دعم القطاعات الأخرى فقط.
ولا ننسى أيضا بأن سياحة المعارض التجارية والمؤتمرات أصبحت تشكل أهمية كبرى مؤخرا ولعل مدينة المعرض والمؤتمرات الجديدة خير بداية لاستثمار هذا المفهوم.
إن الإنفاق السياحي يؤدي إلى زيادة الدخل كلما زادت فرص التوظيف والعمل في المجتمعات. وأن آثار الإنفاق على التوظيف والتشغيل سيكون مُتأثرًا بنوعية النشاط الفندقي والسياحي في كل دولة (وأن قدرًا كبيرًا من العمل في القطاع السياحي سيكون موسميًا) وأن الموسمية في القطاع السياحي تعكس آثارًا عديدة على النواحي الاقتصادية والاجتماعية، وخاصة موضوع طاقة العمل العاطلة في الفترات غير الموسمية.

■ تمت الاستعانة بالعديد من التقارير والدراسات والأبحاث بهذا الخصوص (بتصرف)