الأزمة الإنسانية تعيد اليمنيين إلى الحل السلمي

د. عبدالعاطي محمد –
على الجانب الآخر كان من الواضح أن كلا من المبعوث الأممي وكذلك الأمين العام للأمم المتحدة قد حصلا على الضوء الأخضر، بل والدعم السياسي من كل من السعودية وإيران من ناحية ودول مجلس الأمن الكبرى من ناحية أخرى. وليس ذلك سرا لأن الأمين العام للأمم المتحدة أشار إلى ذلك صراحة في المؤتمر الصحفي الذي عقد في ختام مفاوضات استوكهولم.

كتب اتفاق استوكهولم صفحة جديدة في حل الأزمة اليمنية من شأنه أن ينقلها من الحرب إلى السلام شريطة أن يتم تطبيقه بالفعل على الأرض. فقد توافرت فيه لأول مرة الإرادة الدولية والمحلية وكفاءة الوسيط وتحديد آليات التطبيق وكذلك الظرف القاهر(الضاغط) المتمثل في الأزمة الإنسانية الحادة التي فرضت على الجميع التحرك لإنقاذ الشعب اليمنى من الجوع والمرض.
ومع أن الاتفاق قوبل بترحيب واسع النطاق سواء من الأمم المتحدة أو الدول الكبرى في مجلس الأمن أو الدول الخليجية والعربية، لشعور هؤلاء جميعا أن الاتفاق بحكم دقته وتوافر الإرادات المؤثرة يشكل خطوة مهمة في طريق الانتقال من الحل العسكري إلى الحل السياسي، بما ينهى المأساة الممتدة منذ 4 سنوات، إلا أن تعثر المحاولات السياسية السابقة واستمرار العمليات المسلحة ألقى بظلال من الشك حول ما إذا كان ممكنا هذه المرة إحراز انفراج ملموس في الأزمة وعودة السلام إلى اليمن.
ولا شك أن هذا الشك مقدر ومفهوم ليس فقط لأن خبرة السنوات الماضية لم تبشر بالأمل وإنما لأن الأزمة معقدة إلى حد كبير وتداعياتها العسكرية والسياسية مؤلمة على الجميع وليس من السهل بين ليلة وضحاها تجاوز الماضي المرير. والمبعوث الأممي مارتن جريفث ذاته أكد أن المهمة شاقة جدا وهناك عمل كبير يتعين القيام به لوضع الاتفاق موضع التنفيذ، إدراكا منه بأن حاجز عدم الثقة بين الطرفين المتخاصمين في اليمن من العقبات التي تعترض التنفيذ.
ولكن برغم كل ما يثار من تحفظات وشكوك حول فرص نجاح الاتفاق لابد من الأخذ في الاعتبار أن هناك لغة وروحا ومناخا سياسيا تؤشر إلى أن هناك بارقة أمل في المستقبل لإغلاق ملف الحرب والوصول إلى حل سياسي مقبول من الحكومة الشرعية وجماعة أنصار الله. رأينا مصافحة أو مصافحات بين الوفدين ربما لم تحدث من قبل وتابعنا وجود أنطونيو جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة في اليوم الأخير لمفاوضات أستوكهولم وفي المؤتمر الصحفي الذي زف للعالم نجاح المفاوضات، وكم كان متفائلا بواقعية ملفتة وإيجابية عندما رد على أحد التساؤلات بأن ما تم لا يصدق عليه القول الشهير بنصف الكوب الملآن، وإنما بأننا سكبنا بعضا من الماء في الكوب الفارغ، أي أن ما حدث هو بداية إيجابية ويتعين الاستمرار لزيادة الماء المتعين سكبه في الكوب. وعبارة كهذه هي أفضل تقييم لما جرى في أول مفوضات مباشرة بين الخصمين اليمنيين في عهد المبعوث الأممي الجديد جريفنس، ومن شأنها أن تضع حدا لردود الفعل السلبية التي صدرت على بعض وسائل الإعلام العربية من جانب بعض الشخصيات اليمنية.
لكي نجد تفسيرا مقنعا للنجاح الذي تحقق، مع العلم أن الاتفاق لم يقدم حلا لعدد من المشكلات القائمة وركز أساسا على تقديم حلول للوضع في الحديدة وبدرجة أقل على الوضع في تعز، علينا أن نتأمل بدقة العوامل الأساسية التي حكمت مسار استوكهولم فهي وحدها التي تشكل في نفس الوقت فرص النجاح من عدمه.
العامل الأول في تقديرنا هو وطأة الأزمة الإنسانية، فعلى مدى العام توالت الصيحات الدولية سواء من المنظمات المعنية أو السياسيين البارزين سواء في المنطقة أو في العواصم الغربية وخصوصا من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، كلها تحذر بشدة من تفاقم الأوضاع الصحية السيئة للملايين من أبناء اليمن لا فرق بين من ينتمى لهذا الفريق أو ذاك بخصوص تفشى الأمراض القاتلة كالكوليرا بسبب تلوث المياه وانعدام الخدمات الصحية الضرورية ومصرع أعداد غفيرة من الأطفال لسوء التغذية والمرض بسبب عدم التمكن من توصيل المساعدات الغذائية والصحية وتدمير المستشفيات وانعدام خدمات القائم منها، ناهيك عن آلاف القتلى من المدنيين والمسلحين ووجود أعداد غفيرة أيضا من المصابين الذين لا يتمكنون من العلاج بسبب استمرار الحرب وحالات الحصار المتبادلة بين خصمي الأزمة. ومع أنه جرت محاولات جادة سواء من المنظمات الدولية أو من دول التحالف لتوصيل مواد الإغاثة سواء عبر البحر أو المطارات إلا أنها لم تكتمل ولم تتمكن من إنقاذ الملايين من الشعب اليمنى. يضاف إلى ذلك أن مستويات المعيشة عموما وصلت إلى مستوى حد الفقر وتحته بسبب عدم انتظام العمل في مؤسسات الدولة وعدم دفع الرواتب وكذلك بسبب تدنى قيمة الريال اليمنى إلى حد مخيف.
العامل الثاني هو اختيار الوساطة التي على درجة عالية من الكفاءة. وقد تم اختيارها بناء على الظرف القاهر الضاغط على الجميع وهو المأساة الإنسانية. فمارتن جريفث المبعوث الأممي الذي تولى المهمة أوائل العام خلفا لإسماعيل ولد الشيخ له خبرة طويلة ناجحة ليس فقط في التفاوض السياسي بل أيضا في حل الأزمات الإنسانية. هو أحد الدبلوماسيين الأوروبيين (بريطانى) مدير المعهد الأوروبي للسلام في بروكسل وكان مديرا للشؤون الإنسانية للأمم المتحدة بجنيف 1994 وعمل في منظمة الطفولة وكان المدير المؤسس لمركز الحوار الإنساني بجنيف ومتخصص في الحوار السياسي ويعد من الخبراء الدوليين في الشؤون العربية، وفي سجله تحقيق تطوير نماذج للحوار السياسي بين الأطراف المتنازعة في عديد البلدان الآسيوية والإفريقية والأوروبية. وكان لافتا أن جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة بدا على علاقة قديمة طيبة مع هذا الرجل وقت أن كان الأمين العام مسؤولا في الأمم المتحدة عن اللاجئين. كما كان ملفتا أن جريفث ذاته أشار إلى دراية جوتيريش بالوضع الإنساني في اليمن بحكم منصبه القديم. ولأن الوسيط الناجح لابد دائما أن يحظى بحيادية بين الخصوم وقدرة على كسب ثقتهم استنادا إلى اقتناعهم مسبقا بأنه قادر على أن ينفذ ما يتعهد به من وعود أي أنه فعال في كل الأحوال، أصبح الطريق سهلا لجريفث لإدارة تفاوض ناجح هذه المرة. وربما كان اختيار الأمين العام لشخصية أوروبية كمبعوث له في اليمن من باب توفير الثقة في الوسيط بدرجة أكبر، خصوصا أنه يجمع بين الدراية بحل المشكلات الإنسانية والحوار السياسي وله علاقات مؤثرة بالأطراف الدولية التي تساعده على إنجاح مهمته. ولا يفوتنا بصدد أهمية العامل الإنساني في تحقيق انفراجة في الأزمة حرص المبعوث الأممي على أن يوجه الشكر لدول بعينها بادرت عمليا في تسهيل مهمته اقتناعا منها بخطورة الوضع الإنساني وضرورة إنقاذ الشعب اليمنى من كوارث الصراع المسلح، حيث وجه الشكر إلى سلطنة عمان والكويت والسويد، ومعلوم أن سلطنة عمان استقبلت عددا من المصابين من جماعة أنصار الله لعلاجهم في مستشفياتها ووفرت تأمين وصولهم إليها، كما أن الكويت تولت نقل وفد أنصار الله بإحدى طائراتها إلى السويد ووفرت السويد دعما لإجراء المفاوضات على أراضيها، وكل ذلك صب في اتجاه توفير الثقة عند أنصار الله للإقدام على خوض المفاوضات.
وأما العامل الثالث فهو حدوث توافق بين طرفي النزاع ذاتيهما أي الحكومة الشرعية وأنصار الله، وحدوث توافق دولي وإقليمي أيضا، وتلاقي الإرادة من الجانبين على ضرورة فتح الطريق للحل السلمي. ومع أن كل محاولات التسوية السابقة شهدت توافقا من الجانبين (سواء اليمنيين أو الدوليين والإقليميين) وإلا ما كانت قد عقدت أصلا، إلا أنه هذه المرة تعامل كل من الطرفين اليمنيين بروح مختلفة هي الجدية في وضع نهاية للمأساة القائمة، ولم تكن المصافحة على الهواء مباشرة أمام الرأي العام اليمني والعالمي وحدها الدليل على تغير لغة وروح التعامل مع حل الأزمة وإنما حدثت تنازلات متبادلة بالفعل من الجانبين وتمت بإشراف ومتابعة وتأييد من قيادة كل من الفريقين. وقد أشار جريفث إلى أهمية هذا التوافق الذي أباه الطرفان وقال إنه ما كان ممكنا الوصول إلى اتفاق لولا حدوث ذلك التوافق.
وعلى الجانب الآخر كان من الواضح أن كلا من المبعوث الأممي وكذلك الأمين العام للأمم المتحدة قد حصلا على الضوء الأخضر، بل والدعم السياسي من كل من السعودية وإيران من ناحية ودول مجلس الأمن الكبار من ناحية أخرى. وليس ذلك سرا لأن الأمين العام للأمم المتحدة أشار إلى ذلك صراحة في المؤتمر الصحفي الذي عقد في ختام مفاوضات أستوكهولم .
بقى العامل الرابع الذي حظي بالتركيز في المشهد كله، وهو ما تعلق بما جاء به الاتفاق كبداية للحل. وفي ذلك تجمعت العوامل الثلاثة السابقة معا، أي الجوانب الإنسانية وتوافق الإرادات والوساطة ذات الكفاءة. فقد تم التركيز على الحديدة المدينة والميناء، بالاتفاق على وقف العمل العسكري من الجانبين وانسحاب قوات أنصار الله وإزالة الألغام وإشراف الأمم المتحدة على رقابة الميناء وفروعه، مع فتح ممرات آمنة بين تعز والمناطق الأخرى وكذلك تبادل الأسرى، وتم وضع جدول زمني قصير لتنفيذ ذلك بمتابعة من الأمم المتحدة، ولم يتم الاتفاق على حل مشكلة مطار صنعاء ووضع الموارد في البنك المركزي. وأهمية الحديدة هي أنها بوابة الحياة للشعب اليمنى كله لأهميتها التجارية والزراعية والصناعية ووجود الميناء الذي من خلاله تتم عمليات الاستيراد والتصدير. هي الرئة التي يتنفس منها الجميع سواء الحكومة الشرعية أو أنصار الله والشعب اليمني كله، علما بأن سكان الحديدة يمثلون نحو 11% من الشعب اليمني. وتليها بنفس الأهمية تعز سواء من حيث السكان أو المكانة الاقتصادية ومن ثم فإن توفير ممرات آمنة بإشراف الأمم المتحدة منها وإليها من شأنه أن يرفع قدرا كبيرا من المعاناة عن الشعب اليمنى. ويبقى وجود الأمم المتحدة سياسيا وعسكريا ضمانة مهمة لوضع الاتفاق موضع التنفيذ حتى تبدأ مجددا العملية السياسية الشاملة.