«المريض H.M.»، كتاب عن الشاب الذي استأصل له جراح جزءا من المخ

ميونخ «د.ب.أ»: ربما لم يكن الحادث الذي أخرج حياة هنري موليسون عن مسارها للأبد غير مثير للانتباه، فلقد صدمته دراجة في طفولته. وسرعان ما التأم الجرح الذي أصاب رأسه، ولكنه أصيب بعد وقت غير طويل بنوبات صرع، كانت نوبات خفيفة ونادرة في البداية، ولكنها بدأت تتكرر وتصبح شديدة فيما بعد.
أصبح من الواضح شيئا فشيئا أنه من المستحيل أن يمارس الفتى حياة طبيعية من الآن فصاعدا. في سن السابعة والعشرين بدأ هنري يتردد على جراح أعصاب للتداوي من هذه النوبات. وعلى أمل أن تتوقف هذه النوبات استأصل له الجراح جزءا من المخ، وبالتحديد منطقة الحصين.
هناك عدة أسباب جعلت الصحفي الأمريكي لاك ديتريش يؤلف كتاب «المريض H.M.»، منها أن الجراح الذي أزال جزءا من مخ الفتى هو جد ديتريش نفسه، ألا وهو ويليام سكوفيل. كما أن الجراحة التي أجراها الجراح للفتى هنري موليسون، جعلت هنري أحد أشهر المرضى في تاريخ الطب، حيث اشتهر هنري باسم المريض H.M، وهما أول حرفين من اسمه.
لأن هنري عاش بعد الجراحة، ولكنه فقد جزءا كبيرا من قدرته على التذكر. أصبح هنري من الآن فصاعدا غير قادر على تكوين ذكريات جديدة، أصبح كل حدث يعيشه فريدا من نوعه، أي وكأنه هو الأول والآخر بالنسبة في نفس الوقت بالنسبة له.
أصبح على «المريض H.M.» أن يكتشف كل شيء من جديد في كل مرة يحتك فيها بهذا الشيء، وكأنه لم يره من قبل. وعلى ذلك أصبح من المستحيل أن يكون صداقة مع أي شخص، حيث كان ينساه بمجرد مفارقته، وأصبح من المستحيل أن يعيش حياة طبيعية. كما لم يعد هنري قادرا على تذكر الكثير من الأشياء التي كان يعرفها قبل الجراحة، وربما تذكر بعضها بشكل غير دقيق.
«لقد تسببت الثقوب التي نشرها جدي في مخ هنري، في فصل هنري عن الحياة الخارجية وجرفته إلى ساحل جزيرة موحشة، أصبح فيها كل ما كان يمتلكه هنري، كل ما رآه، قطعة ضئيلة الحجم من الحاضر، جزيرة أصبح فيها الماضي والمستقبل لا يتجاوزان كونهما بقعا مبهمة تُرى من بعيد» حسبما كتب المؤلف ديتريش عن الجراحة التي أجراها جده.
كانت الجراحة بداية لمصير مأساوي بعد تحول حياة الفتى هنري عن مسارها الطبيعي، حيث تحول هنري بقية حياته إلى مشروع للبحث العلمي لعلماء الطب، وبالتحديد، لعلماء الأعصاب.
أصبح الباحثون يقطعون مسافات طويلة من كل البقاع لمقابلة هنري وإلقاء نظرة على ذلك المريض الاستثنائي وإخضاعه لاختباراتهم.
من بين الأسباب التي جعلت هنري فريدا من نوعه هو أن منطقة المخ التي طالتها الجراحة قد تم استئصالها من جهتي المخ اليسرى واليمنى، مما يعني أن جميع القدرات الإدراكية التي فقدها هنري كانت في هذه المنطقة من المخ.
أقام الباحثون بناء على نتائج أبحاثهم نظريات عن وظيفة الذاكرة، ونشروا مقالات بهذا الشأن في مجلات علمية، وحصلوا بها أيضا على ترقيات علمية. يوضح صاحب الكتاب آخر ما توصل إليه العلم عن المخ ووظائفه في الفترة التي عاشها هنري، وكذلك ما لم يكن معروفا لدى العلماء في هذه الفترة، وما هي القيمة العلمية التي كانت تتمتع بها جراحة المخ آنذاك.
ركز مؤلف الكتاب على الطريقة التي فتح بها جده ودأب على استخدامها الجراحون آنذاك أيضا، وكيف استأصل أجزاء المخ، وهي الطريقة التي تعتبر من وجهة نظر اليوم غير مألوفة على الإطلاق. سجل المؤلف حياة الفتى هنري حتى وفاته عام 2008، وما بعد وفاته أيضا، حيث إنه ظل حتى بعد وفاته أسيرا للبحث العلمي، حيث خضع مخه للمسح بالأشعة، وقطع إلى طبقات، وأصبح معروضا للعامة ليتعرفوا عليه. ولا يزال هذا المخ خاضعا للبحث العلمي حتى اليوم. يصلح هذا الكتاب للقراءة خاصة من قبل القراء المعنيين بتاريخ البحث الطبي بشكل عام أو مهتمين بطور علوم الأعصاب بشكل خاص. إنه كتاب مثير في أكثر أجزائه، وإن أصبح التدليل العلمي للمؤلف ضعيفا في آخر أجزاء الكتاب.