الثورة الصناعية الرابعة وفرصة الاقتصاد العربي

هلال بن عبدالله الغافري –

لا شك أن التطور في مختلف مجالات الحياة سنةٌ نشأت منذ بدء الخلق وإنما خُلقنا لنعمر هذه الأرض بما أوتينا من علم ومعرفة، لاسيما وأن التطور هو سبيل بقاء الأمم ومصدر قوتها في سباق التنافس العالمي، بيد أن الفترة الأخيرة شهدت طفرة غير مسبوقة من التطور بما تسمى «الثورة الصناعية الرابعة».
تعتبر الثورة الصناعية الرابعة نموذجا مختلفا عن سابقاتها من الثورات التي غيرت أوجه الحياة في المجتمعات ومختلف سبل المعيشة، حيث إنها تتعدى مفهوم التكنولوجيا الناشئة والسائدة حاليا إلى دمج مختلف التقنيات الرقمية والمادية في مفاهيم صارت تتردد كثيرا في الآونة الأخيرة كتقنية سلسلة الكتل أو البلوك تشين (Block Chain) التي ستعمل طفرة غير مسبوقة في مجال التواصل وتخليص المعاملات بسلاسة لا تُضاهى مما يوفر الكثير من الجهد ويقلص الوقت. كما ظهرت تكنولوجيا النانو التي تعمل على تغيير المادة مما يبشر بثورة هائلة في مختلف المجالات وإعادة صياغة التقنيات على مستوى ذري أو جزيئي متناهي الصغر سيغير قوانين الفيزياء والهندسة الميكانيكية والحيوية والكيميائية والمجالات الصحية والطبية مما سيحدث تأثيرا كبيرا على جميع مظاهر الحياة حتى الاقتصاد العالمي الذي سوف يتأثر بقطاع صناعة جديد وفريد على غير العادة.
وبالتزامن مع تطور هندسة النانو ظهرت اهتمامات كبيرة من قبل العلماء والباحثين في مجال التكنولوجيا الحيوية التي تربط علم الأحياء بمختلف الحقول الطبية والزراعية والمناخية والاقتصادية والتي بدورها ستوجد ثورة صناعية متقدمة تخدم مختلف المجالات إذا ما تم تبنيها واحتضانها وإشراكها مع التقنيات المتطورة في إيجاد بيئة حديثة تتحدى معظم الآفات والمعضلات الحالية في مختلف المجالات.
إضافة إلى ما تقدم، يظهر جلياً شيوع استخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات الذكية في مجالات الإنتاج والصناعة التي تنجز العمل بدقة عالية من دون الحاجة إلى التوجيه المستمر مما يسهم في رفع الإنتاجية وجودة العمل في آن واحد وإدخال مفهوم إنترنت الأشياء في مختلف وسائل الخدمة والتصنيع والإنتاج والتحول إلى تقنية القيادة الذاتية للسيارات أو ما يسمى بمصطلح المركبات المستقلة التي ستغزو الشوارع في القريب العاجل بديلا للسيارات التقليدية الحالية في حال تمت تهيئة البنية التحتية المناسبة لذلك. كما ينظم لهذه الثورة الصناعية الضخمة دخول الطابعات الثلاثية الأبعاد والتي بدأت منذ فترة قصيرة في منافسة البناء والتشييد في منطقة الخليج العربي كمنافس قوي يستخدم مواد بمواصفات ميكانيكية وفيزيائية مختلفة بطريقة سريعة وسهلة وقليلة التكلفة مما يسهم في تطوير البنية التحتية بطريقة سريعة وإثراء سوق التصنيع بمنتجات ذات جودة عالية وبأسعار قد تؤدي لكساد طرق البناء والإنتاج التقليدية، مما سيؤثر على قطاع البناء والإنشاء ومجال صناعة وسائل النقل والإكسسوارات والتصميم والمجال الطبي بشكل ملحوظ، بالإضافة إلى إنهاء عدد من مسميات المهن الحالية التي سيتم الاستغناء عنها لاحقا عند استحواذ هذه الصناعة على متطلبات السوق العالمية والمحلية من مختلف المنتجات.
كل عناصر الثورة الصناعية الجديدة ستخلق عالماً آخر قادرا على التعامل مع مختلف المشكلات والقضايا الحالية لبناء مجتمعات تتعدى حدود المدنية الحديثة لمستقبل قريب كنّا نتصوره في أفلام الخيال العلمي، ولكنه في الوقت نفسه سيشكل تهديدا اقتصاديا حقيقيا على دول المنطقة العربية لتأثيره المباشر على اقتصاد الدول الناشئة التي تعتمد بشكل كامل على الصناعة التقليدية مما سيجعلنا نعود للسوق العالمية المتقدمة لنلحق بركب الجيل الجديد من التنمية هربا من العالم الحالي. كل هذه الأحلام تتطلب جهودا حقيقية تتبناها كبرى مؤسسات الدول العربية على جميع الأصعدة لاستضافة أكبر عدد ممكن من المؤتمرات المعنية باستثمار عناصر الثورة الصناعية الرابعة للانضمام للاقتصاد العالمي الجديد، لا سيما أن دول مجلس التعاون الخليجي ربما تمتلك الإمكانيات المالية الأكبر لتمويل المشاريع الجديدة وتأهيل الكوادر الوطنية لتبني إدارة المشاريع الحديثة ولجذب الاستثمار وفي الوقت نفسه تمتلك الدول العربية الأخرى إمكانيات وثروات بشرية قادرة على العمل في هذه القطاعات وتطويرها إلى الأفضل كمعهد النانوتكنولوجي في الأردن، والذي يعكف على دراسة تقنية النانو وتأهيل الطلاب لريادة هذه الصناعة وأمثلة عديدة في مصر للباحثين والمختصين في هذا المجال في وقت مبكر منذ نشوء هذه التقنية وإطلاق دبي لاستراتيجية دبي للطباعة ثلاثية الأبعاد ونادي البلوكتشين في السلطنة المعني بدراسة تقنية سلسلة الكتل والذي سبقته ندوة سلسلة الكتل التي استضافت خبراء دوليين ومهتمين في هذا المجال لاتخاذ خطوة جادة في المضي قدما لتبني هذا المجال أسوة بالدول العربية الأخرى.
عموما، التحدي الكبير ليس في استثمار وجذب عناصر هذه الثورة الصناعية فحسب، أنما هو التأهيل الحقيقي للكوادر الوطنية التي تحتاج لدورات مكثفة ومتعمقة فيما يخص ومعرفة المخاطر والثغرات التي قد تهدد أمن استخدام هذه التقنيات بصفتها تكنولوجيا تكاملية ومرتبطة ببعضها البعض مما يشكل خطراً في حال ما تم اختراقها.
استثمار مثل هذه التقنيات قد يجعل لنا دورا رائدا جديدا للدخول في عجلة الاقتصاد العالمي كاقتصادات مؤثرة وفرصة لا تعوض للاستفادة من هذه التكنولوجيا على الصعيد المحلي والدولي وتملكها في وقت مبكر قد يجعل لنا نصيبا أوفر في ابتكار الحلول بمختلف الحقول العلمية والتقنية لنكون في مصاف الدول الرائدة في مجال الاقتصاد المعرفي والذي يعتمد أساساً على استثمار الطاقات الفكرية ومراكز البحوث والابتكار والفكر مع تحفيز المنخرطين في هذه الفئة من أجل الخروج بإنتاجية منافسة للاقتصاد الفكري العالمي.