ماذا نريد من المؤسسات الصغيرة؟

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –

تبدي السلطنة وسائر دول المنطقة اهتماما كبيرا للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة نتيجة لقلة فرص العمل في المؤسسات الحكومية من جهة، وتوجه المواطنين الخليجيين نحو العمل الحر وتأسيس وإدارة المؤسسات الخاصة بهم من جهة أخرى. وكما هو معروف في المنطقة الخليجية، فإن معظم الأعمال التجارية ما زالت تدار عبر التجارة المستترة من قبل الوافدين الذين ينافسون هذه المؤسسات الصغيرة عند بدء وتأسيس المشاريع الخاصة بهم. ومن هذا المنطلق أوصى المنتدى الأخير حول المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي عقد هنا بضرورة تعزيز تنافسية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتمكين الكفاءات الوطنية استعدادًا للمرحلة القادمة، والتي ستتطلب الخروج للسوق العالمية، مؤكدا أن هذا لن يتأتى إلا من خلال تجويد الخدمات أو المنتجات النهائية والتنمية المستدامة وتحصيل شهادات الجودة العالمية.
ويلاحظ الجميع بأن عدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة يسجل زيادة سنوية نظرا لأهميتها في المنظومة الاقتصادية. فقد بلغ أعدادها في السلطنة في نهاية شهر يونيو من العام الحالي 34894 مؤسسة مقابل 31835 مؤسسة مسجلة في نهاية عام 2017. ومعظم هذه المؤسسات مسجلة بمحافظة مسقط تليها المحافظات الأخرى وفق بيانات الهيئة العامة لتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (ريادة). وهذه المؤسسات تلعب دورا كبيرا في تحريك الاقتصادات وتنمية المجتمعات، وفي توفير فرص العمل المجدية للشباب الباحث عن عمل بعيدا عن العمل الحكومي، الأمر الذي يؤدي بالحكومات الاهتمام بها وزيادة عددها وتعزيز أعمالها وأنشطتها، بالإضافة إلى تنميتها بالأسس الكفيلة لزيادة إنتاجها السنوي وتفعيل دورها في تنويع المشاريع التي تحتاج إليها المجتمعات المحلية. فهذه المؤسسات تساهم بصورة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاديات الأكبر على مستوى العالم حيث يبلغ إسهامها في الصين على سبيل المثال 60%، وفي ألمانيا 54%، وفي اليابان 52%‘ وفي الولايات المتحدة 50%. ونظرا لدورها المهم، فإن ذلك يتطلب الاستمرار في تحديث منظومتها القانونية والتشريعية، وتهيئة بيئة الأعمال لتشجيعها على الاستمرار، وتمكينها للدخول في شراكات ذات قيمة مضافة عالية للاقتصادات الوطنية.
ولتحقيق المزيد من الفاعلية لهذه المؤسسات فلا بد من تمكين واستهداف الكفاءات الوطنية العاملة بها، والعمل على تأهيلها، وتدريب الشباب من رواد الأعمال بما يضمن استدامة النمو في هذه المؤسسات وتطورها. ويرى الدكتور أحمد بن محسن الغساني الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة «ريادة» بأن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ليست بحاجة إلى دعم بقدر ما هي بحاجة إلى التمكين للاستمرار والاستدامة، كونها في العديد من بلدان العالم تساهم بنحو 60% من الناتج المحلي، بينما لا تتجاوز هذه النسبة في السلطنة – وربما في الدول الخليجية الأخرى- عن 20%، وهذه فجوة يجب العمل على تقليلها والوصول إلى النسبة العالمية كمستهدف. كما أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تساهم في إيجاد ما يتراوح بين 50 و60% من فرص العمل في العالم، بينما لا تتجاوز هذه النسبة 15% في السلطنة، مؤكدا أن سوق العمل بالسلطنة قادر على استيعاب العديد من الباحثين عن عمل سواء من خلال إقامة المشروعات أو التوظيف في هذه المشروعات. ومن هذا المنطلق فلا بد أن تعمل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وباستمرار على رفع مستوى الخدمات التي تقدمها وتفي بالمتطلبات والاشتراطات الخليجية والعالمية التي تمكن لها سوق العمل، وبالتالي تحصل على عقود من الشركات الكبرى مثل شركات النفط والغاز، موضحا أن المؤسسة الصغيرة أو المتوسطة أصبحت اليوم متمكنة في السوق وتعمل وفق الاشتراطات العالمية.
والكل يدرك بأن بعض هذه المؤسسات تواجه معضلات يتطلب الوقوف عليها ومساعدتها في مواجهة التحديات والصعوبات التي تعاني منها. ومن خلال تسميتها بـ «المؤسسات الصغيرة والمتوسطة» فإنها تعني بأن يكون أصحابها من صغار المستثمرين ومن أصحاب الريادة ممن يبحثون عن فرص امتلاك مشروع تجاري صغير خاص بهم لتصبح لاحقا مؤسسة كبيرة. وهذا لا يتحقق إلا بأن تتوقف المؤسسات التجارية الكبيرة من منافسة المؤسسات الصغيرة الناشئة وعدم احتكار الأعمال التي تقوم بها.
فهذه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة تحتاج إلى حلول عاجلة في حالة التعثر لكي تتمكن من تجاوز التحديات والعقبات، الأمر الذي سوف يساعد على إنعاشها وتعزيز نشاطها وحركتها التجارية. أنها تحتاج إلى إيجاد آليات مبسطة وموحدة، يمكن من خلالها إزالة المعوقات والإجراءات والرسوم والمخالفات الكبيرة التي تعرقل عملها أحيانا، وضرورة إيجاد التنسيق مع المؤسسات المعنية لتسهيل ممارسة أعمالها اليومية، وتمكنها من المنافسة. وإن على الجهات المعنية في المنطقة ضرورة الالتزام ببنود برامج المشتريات الحكومية، والتفاعل مع رواد الأعمال المواطنين، وتحفيزهم على الاستمرار والتوسع في مشاريعهم المستقبلية. وهذه القضايا تم بحثها على مختلف المستويات من الجهات المعنية في المنطقة، وتم التعرف على التحديات والصعاب التي خرجت بها تلك المنتديات، والتي من الجازم أنها سوف تدعم من استمراريتها في العطاء، ومعرفة طرق الارتقاء بأدائها لتعزيز سوق العمل. فمن التحديات التي تواجه المؤسسات الصغيرة في المنطقة تتعلق بتخصيص عطاءات بنسب معينة لها من المشاريع التي يتم تنفيذها سواء من قبل المؤسسات الحكومية أو المؤسسات الأهلية الكبيرة. فوجود قانون خاص لهذه المؤسسات سوف يعمل على تفعيل وتطبيق المواد، وتسهيل الإجراءات والإعفاءات، أو التقليل من الضرائب والرسوم التي بدأت تفرضها بعض المؤسسات الحكومية على أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة دون مراعاة لأحوالها وظروف رواد الأعمال المبتدئين. ومن جملة تلك التحديات تتعلق بإجراءات التشغيل والمأذونيات بجلب العمالة الوافدة للبدء بمشاريعها، ناهيك عن بعض المخالفات التي تفرض عليها نتيجة لعدم الدراية الكافية لأصحابها تجاه التشريعات العمالية، والأعمال التجارية، الأمر الذي يتطلب تنظيم مزيد من الندوات لتسليط الضوء على هذه القضايا وتعزيز التوعية في المجالات التي تهم هذه الفئة.
إن عملية إدارة المؤسسات الصغيرة بالطرق العلمية من قبل أبناء المنطقة تتطلب اليوم ضرورة مراعاة التعلم المستمر، وعدم الاكتفاء أو التوقف عن الدراسة الجامعية، بل الاستمرار في التعلم ومتابعة كل جديد يتعلق بتعلم الأساليب الإدارية والترويجية والتسويقية والتفاوضية والبيعية من خلال التفرغ أحيانا للحصول على الدورات التدريبية اللازمة وصقل القدرات، وهذا ما يساعد الشباب الخليجي سواء في المرحلة الحالية أو القادمة بتوصيل منتجات مؤسساتهم الصغيرة والمتوسطة وخدماتها إلى العالمية، أي التوجه نحو التصدير للخارج وعدم الاكتفاء بالسوق المحلية، مع ضرورة العمل الوفاء بالاشتراطات والجودة التي تبحث عنها الأسواق العالمية. وهذه هي من صميم المسؤوليات التي تقوم بها غرف التجارية والصناعية في المنطقة بالإضافة إلى مؤسسات وصناديق التمويل والهيئات الحكومية التي ترعى شؤون المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة مثل «الريادة» لدينا في السلطنة.
إن دول المنطقة وفرت الكثير من وسائل التمويل لهذه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة منذ أمد طويل، إلا أن جميع هذه المؤسسات مطالبة بمتابعة أحوالها الإدارية والمالية بصورة يومية، وضرورة الإمساك بالحسابات المالية المنضبطة في حال إرادة النجاح والتقدم لاحقا، خاصة تلك التي قامت بالاقتراض من المؤسسات التمويلية مثل بنوك التنمية أو المؤسسات والصناديق التمويلية التي تم إنشاؤها لهذا الغرض. أما الجهات المعنية الأخرى سواء في مجال التمويل أو الإدارة فعليها القيام بدورها في توعية وتثقيف المقترضين في مجال ريادة الأعمال والأمور المتعلقة بهذه المؤسسات للحد من تعثرها أو تراجع أعمالها.

haiderdawood@hotmail.com