نوافذ :أمام عدالة المحكمة..

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

أسجل أول حضور لعقد محاكمة كانت منذ سنوات، وهي المحاكمة التي تمت فيها إدانة قتلة صاغة الذهب من ولاية نزوى- مندوبا من الجريدة لتغطية فعاليات المحاكمة -، حيث تمت الجريمة في إحدى المزارع في ولاية بركاء، واليوم أسجل حضوري الثاني لقضية أخرى ولكنها أقل أهمية من تلك، وهي من القضايا اليومية المتداولة والمتعلقة أكثر بالخدمات العامة المتعلقة بين جمهور عريض من الناس، وبين المؤسسات المعنية تقديم الخدمات المختلفة أيضا لهذا الجمهور.
ما يستوقف أي حاضر للمحاكمات في هذه المحاكم بدرجاتها الثلاث، هو هذه الهيبة التي يستشعرها كل من يكون حاضرا في أي صالة أو جلسة من جلسات المحاكم، وهو شعور يبعث الرهبة، ويجعل الكثيرين من هؤلاء الحضور يعيد حساباته التي يتعامل بها مع الآخر، وهي حسابات على درجة كبيرة من الأهمية، فالتبعات ثقيلة وعلى المرء أن يتخلص من تبعات الآخرين، وأجزم أن من يعي مفهوم الـ«تبعات» يقينا لن يوقع نفسه في أي مطب فيه تبعات للآخرين.
في الجلسة الواحدة في هذه المحاكم؛ بدرجات التقاضي الثلاث؛ هناك الكثير من القضايا المتنوعة، بدرجات أهميتها أيضا، ومع أي مستوى للأهمية لا بد أن ترتعد الفرائص، فالحكم الصادر بعدئذ، لا خيارات ممنوحة لمن وقع عليه الحكم أن يفاضل فيها، نعم هناك حق الاستئناف لمن صدر ضده الحكم، ولكن هذا الاستئناف إذا كان قد أخذ حقه من عدالة المحكمة من الدراسة والتمحيص، وجمع الأدلة، واستشارة الخبراء في ذات المجال، فإن الحكم الصادر لن يتغير كثيرا، وسيكون من وقع عليه الحكم «مدانا» أمام القانون، ولن تشفع له حالات الاستئناف المتعددة، ومتى كان الواقع عليه الحكم «مدانا» عد ذلك نقيصة في حق سلوكه وتعاطيه مع الآخر المتضرر، وهذه لوحدها كافية لتأكيد نظرة الناس الـ«مستهينة» تجاه من وقع عليه حكم الإدانة من قبل المحكمة.
ولذلك فحالات الانهيار التي تتم للمدانين الذين يصدر فيهم حكم ما؛ وعادة ما تكون في القضايا الكبيرة التي تقشعر منها الأبدان بحكم الجرم المرتكب، هي امتداد لشعور الرهبة من منصة القضاء، وهناك قضاة لهم «كاريزما» عجيبة تتوغل في نفوس مرتكبي الجرائم قبل صدور الأحكام؛ ولذلك لا يلبث هؤلاء المدانون كثيرا أمام أسئلتهم أن ينهاروا معترفين بما ارتكبوه من جرائم، ويحدث ذلك أمام هذا الجمع الكبير من الناس الذين يحضرون مثل هذه الجلسات.
لا أتصور أن أحدا ما يتخيل في يوم ما، وأنا واحد من هؤلاء، أن يقف في قفص الاتهام، فهو قفص رهيب على الرغم من أن الواقف بداخله محاط بسور حديدي مكين، وبجانب القفص منصة القضاء، ومن الجانب الآخر مجموعة من الناس، منهم المتعاطف، ومنهم المنتصر، ومنهم الحزين، ومنهم من يقف على الحياد، فكل هذه المشاعر تتضارب في هذه المساحة المحددة بالزمان والمكان، وإذا كان هذا حالنا في محاكم الدنيا، فكيف يكون الحال في محكمة الآخرة، أمام رب العزة والجلال.
حالة الخلاف التي نعيشها فيما بيننا كبشر، هي التي تفضي بنا لأن نكون أما مطالبين – بكسر اللام – بحقوق، وإما مطالبين – بفتح اللام – بحقوق، وليس هناك من خيار ثالث، وفي كلا الحالتين علينا أن نكون منصفين، وعادلين، ومتحرين الصدق والأمانة؛ لأنه من يفلت من أحكام المحاكم التي فيها إدانة، فإنه لن يفلت من أحكام محكمة رب السماوات والأرض، في يوم ليس فيه استئناف بدرجات متعددة، وليس فيه من محام يترفع عن قضايانا بالنيابة عنا.
وأختم هنا؛ مشيدا بالجهد الكبير الذي يبذله أصحاب الفضيلة القضاة، فيما يعرض عليهم من قضايا، لا أول لها ولا آخر، متشعبة ومتعددة ومتباينة، وبهذا القدر الكبير من تعدد القضايا فهم يجاهدون بقدر العلم والمعرفة والخبرة، وعلى أطراف التقاضي، أن يتعافوا الحدود فيما بينهم قبل أن تصل إلى منصات المحاكم، كما دل على ذلك نص الحديث الشريف الذي يروي عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الأحكام تكون موضوعية وحيادية، لا عواطف فيها ولا مشاعر، ومن هنا تتسلل الرهبة والقشعريرة في نفوس كل من يكون حاضرا لأية محاكمة.