2018.. عن حساب حصاد عام فائت

إميل أمين كاتب مصري – emileamen@gmail.com –

قد يصبح شكل الكرة الأرضية بعد 2030 أشبه بما كان عليه قبل خمسين مليون عام، أي في الزمن الذي بدأت فيه الثدييات تتطور بعيد انقراض الديناصورات قبل 65 مليون عام.

أيام قلائل وينصرم عام جديد من عمر الإنسانية، وتطل سنة جديدة برأسها من نافذة الأحداث، وفي الأمر فرصة لإلقاء نظرة ولو عابرة على حصاد العام الماضي وكيف وفي أي حال سلم العام الجديد أحوال البشرية.
بالقطع يضيق المسطح المتاح للكتابة عن الإحاطة بكافة ما جرت به المقادير من أحداث حول قارات الأرض الست طوال 365 يوما، وعلى هذا الأساس ربما يكون من الأجدر بنا التأمل في اهم القضايا التي خلفها العام الماضي من ورائه، والتي ستترك ولاشك انطباعات عريضة على العام الجديد.
قبل نحو أسبوعين كانت الأمم المتحدة تحتفل بالذكرى السبعين لتبنيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعلى هامش الاحتفالات أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرها السنوي الجديد والذي يسلط الضوء على حالة الإنسانية وما آلت إليه الأوضاع حتى الساعة.
بداية يبدو أن إشكالية الجندر والعرق لا تزال تمثل إشكالية كبرى بالنسبة لحقوق الإنسان وبخاصة فيما يتصل بالنساء حول العالم اللواتي يبلغ تعدادهن نحو 49.5 % من سكان العالم، ومع ذلك فان من بين زعماء الدول والحكومات فقط 17 % من النساء، ما يطرح السؤال متى تصل النساء إلى حالة من التساوي في الوظائف العامة مع الرجال، وهل بالفعل الطريق طويل لبلوغ مساواة حقيقية بين الجنسين؟ ينبغي هنا أيضا أن نضع في عين الاعتبار أن الأرقام المتقدمة تتصل غالبا بالدول المتقدمة، وعليه يبقى السؤال ترى ما هو حال العالم الثالث والدول النامية وكيف لها أن تقيم حالة من حالات التوازن بين الرجال والنساء في توزيع الوظائف العامة، وفرص العمل المتساوية، الأمر الذي يستدعي كذلك إلقاء نظرة معمقة على مسألة تعليم الإناث وكيف أنها باتت قضية جوهرية على عتبات القرن الثالث من القرن الحادي والعشرين.
قضية أخرى من بين اهم القضايا التي يخلفها 2018 من ورائه تلك التي تتصل بأوضاع اللاجئين حول العالم لا سيما أولئك الذين تركتهم وراءها الثورات والانتفاضات التي عرفتها مناطق عدة حول العالم، ناهيك عن الهاربين من جحيم التغيرات المناخية حول العالم لا سيما من ناحية قارة إفريقيا وفي الطريق إلى قارة أوروبا.
في التقرير المكون من 52 صفحة تحلل العفو الدولية الوضع المتردي للاجئين حول العالم، فحسب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، تم في العالم الماضي ترحيل 75.200 لاجئ، وهذا يساوي تراجعا بنسبة 54% مقارنة مع عام 2016، ولا تعتقد العفو الدولية بان ميثاق الأمم المتحدة للهجرة سيغير الكثير قي هذا الوضع.
ضمن الملفات المحتقنة إلى درجة بعيدة وفيما يخص إشكالية اللاجئين حول العالم تطفو قارة آسيا بدورها وتطل من نافذة الأحداث، ما يعني انه ليس إفريقيا وحدها هي التي تعاني من تلك الإشكالية، وفي مقدمة كوارث آسيا الإنسانية يأتي الحديث عن أزمة المسلمين الصينيين من الايغور حيث أشارت العفو الدولية إلى وجود مراكز اعتقال في محافظة شينجيانغ الصينية التي يتم فيها أدلجة اكثر من مليون من الايغور، وأبناء أقليات أخرى، والمعروف أن مسلمي الايغور يعانون معاناة صادمة في العقدين الأخيرين من جراء التعاطي الصيني معهم، وبخاصة أن الحكومة الصينية تنظر اليهم نظرة متدنية، وتتذرع بان هناك فريقا من الايغوريين انضم إلى داعش في سوريا والعراق، وان كان هذا لا يعني بصورة مطلقة أن كل الايغوريين من الإرهابيين.
وفي اتجاه مواز ترصد العفو الدولية كارثة إنسانية أخرى طال الحديث عنها من دون حل إنساني جذري، أي أزمة الروهينجا من مسلمي ميانمار، فقد سلط التقرير الضوء على الوضع في ميانمار حيث نزح اكثر من 720 ألفا من أقلية الروهينغا إلى بنغلاديش حيث يعيشون في ظروف بائسة، والأسوأ أن الاضطهاد الذي يلقاه هؤلاء والتعذيب والقتل والتشريد غير مسبوق في العهود الحديثة، ولا يزال العالم يقف مكتوف الأيدي أمام تلك الإشكالية التي جرحت الإنسانية ولا تزال.
والشاهد انه إذا كانت إفريقيا وآسيا لهما نصيب من أزمات اللاجئين فان هناك حديثا طويلا ينبغي أن يوضع على مائدة النقاش بشأن اللاجئين من العراق وسوريا واليمن ومستقبل هؤلاء وبخاصة في ضوء انعدام الرؤية المستقبلية للملفات الخلافية القائمة على الأرض، وغياب السلم الأهلي الذي تسبب في الكثير جدا من تلك المآسي التي تشيع الاضطراب لسنوات قادمة ولاشك.
والمؤكد كذلك أن المهاجرين من الشرق الأوسط وكذلك من شمال إفريقيا يلقون بظلال كثيفة من القلق والاضطراب على أوروبا الجار الأكبر والأقرب للعالم العربي منذ زمان وزمانين، وقد تسببت حركة اللاجئين إلى أوروبا في حدوث اضطرابات وقلاقل سياسية سوف نأتي على ذكرها في جزئية لاحقة من هذه القراءة. يدخل العام الجديد 2019 والعالم يعيش صعوبات وأزمات جذرية ولا تبدو في الأفق حلول واضحة لها، فعلى سبيل المثال يحلم الجنوب الفقير بان يلحق بمستويات الشمال الغني، لكن ذلك إحصائيا غير وارد لأسباب حسابية، إذ يشير علماء الاقتصاد إلى انه لكي تبلغ شعوب الجنوب المقهورة والمسلوبة درجة الرفاهية الاجتماعية التي تعيشها شعوب العالم الأول المتقدم فان هناك حاجة لموارد تبلغ ثلاثين ضعفا ما هو متوافر الآن على الكرة الأرضية من مصادر غذاء وكساء وطاقة إلى آخر الحاجات الإنسانية، وهذا أمر في واقع الحال غير متوافر ولن يتوافر أبدا، ما يعني أن الصراع القادم على الموارد البشرية سوف يبقى قائما إلى اجل غير مسمى وقد يخلف وراءه صراعات غير متوقعة وانفجارات إنسانية لا يعلم احد حدها أو مدها، ولهذا ينادي الحكماء حول الكرة الأرضية بضرورة بلورة نوع من أنواع التعاضد الإنساني والاجتماعي لمواجهة الكوارث التي يصنعها الإنسان من جراء عدم عدالة التوزيع ما بين الأغنياء والفقراء.
والثابت أن اختلال توزيع خيرات الأرض سوق يؤدي ولاشك إلى مرحلة جديدة من مراحل الصراع وسوف تنشأ حروب في بقاع وأصقاع العالم، فالجميع يبحث عن فرصة للنجاة، في وقت تبدو فيه سفينة البشرية مليئة بالثقوب التي تكاد تخرقها إلى حد أن تغرقها، والكارثة في المشهد هي أن البحارة الذين على متنها يجدفون كل جماعة في اتجاه مغاير لتجديف الآخرين، الأمر الذي سيؤدي ولاشك إلى غرقها وكل من عليها دفعة واحدة.
على مشارف نهاية العام طالعنا الباحثون والعلماء في مجال المناخ بأنباء صادمة قد تقضي على الجنس البشري مرة والى الأبد من وراء الأطماع الإنسانية المتعلقة بأوضاع السيادة والريادة الاقتصادية حتى وان هلك بقية سكان الأرض، فلا احد يريد أن يتخلى عن الأليات التي تعظم أرباح بلاده ماليا على حساب الانتهاكات المستمرة للطبيعة، وقد رأينا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكيف انسحب من اتفاقية باريس للمناخ، ومعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش حالة من حالات الصراع الاقتصادي غير المسبوق مع بقية دول العالم من جهة كما الحال على سبيل المثال مع أوروبا والتي يريد ترامب تطبيق عقوبات اقتصادية عليها بسبب قلة شراء الأوروبيين للمنتجات الأمريكية، ومع الصين من جهة ثانية وهو الصراع الأكثر هولا.. لماذا ؟
لأن الأمر يعود بنا إلى دائرة استخدام الفحم مرة أخرى كمولد للطاقة، ونحن ندرك أن هناك جماعة ضغط أمريكية كبرى في الداخل الامريكي تقف وراء عودة استخدام الفحم في المصانع الأمريكية، بسبب وفرته والأرباح التي يحققها لأصحاب الصناعات المختلفة، وهو مثار تتسابق فيه كل من الصين وأمريكا، فبكين أيضا تعتبر من كبريات العواصم العالمية التي تستخدم أنواعا من الفحم الكربوني والتي تؤدي إلى زيادة تلوث المناخ، وتهديد الكرة الأرضية..
ماذا قال العلماء عن واقع حال ومستقبل أمن الأرض في قادم الأيام؟
في تقرير أخير لوكالة فرانس 24 نقرأ أن باحثين توقعوا أن التغيرات المناخية التي تطرأ على كوكب الأرض سوف تدفع طقس الكرة الأرضية الى الجفاف، وترفع درجة الحرارة ما بين 1.8 و 3.6 درجة عام 2030، لتعود الأوضاع المناخية لما تشبه حالها قبل ثلاثة ملايين سنة، في منتصف العصر البيلوسيني، وقد كان مستوى البحر عندها أعلى مما هو عليه الآن بنحو 18 مترا، ولكنه لن يصل إلى الارتفاع الذي كان عام 2030 لأن ذوبان الجليد في القطبين يتطلب وقتا.
تقرير العلماء الذي نحن بصدده يخبرنا عن طقس جاف، وهذا أمر متوقع بالفعل ففي ظل ظاهرة الاحتباس الحراري، سوف يزداد التبخر ولن يتحول إلى مطر، ما يفيد بان الأراضي التي عرفت الزراعة لآلاف السنين سوف تضحى صحراء جافة، وهناك مناطق بعينها حول الكرة الأرضية سوف ترتفع فيها درجات الحرارة إلى ما بعد سبعين درجة مئوية، الأمر الذي لن تضحى معه قابلة للعيش الإنساني، ويصبح مصيرها مثل صحاري وسط إفريقيا الغير مأهولة بالبشر لاستحالة الحياة فيها. هل ستتوقف البشرية أمام الخطر الداهم والقادم والجميع يرقبه من بعيد لكن لا احد يود أن يبادر أو يسارع إلى إنقاذ الإنسانية من أكلاف المشهد المرعبة؟
لا يبدو أن هناك احدا بالفعل يمضي في هذا السياق، وهذا معناه زيادة انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون على ما هي عليه الآن، ما دفع البروفيسور “ جاك ويليامز “ استاذ علوم الأرض في جامعة ويسكونسن الأمريكية إلى القطع بان تغيرات مخيفة سوف تحل بالكرة الأرضية في وقت قصير، وقد يصبح شكل الكرة الأرضية بعد 2030 أشبه بما كان عليه قبل خمسين مليون عام، أي في الزمن الذي بدأت فيه الثدييات تتطور بعيد انقراض الديناصورات قبل 65 مليون عام.
ما ينتظر الكرة الأرضية يمكن أن يصل إلى اندثار أنواع عديدة من الكائنات الحية، والتي تنتهي بالإنسان، بعد أن تضحى الأرض غير صالحة للسكنى الأدمية من جراء الصراع والتكالب الإنساني غير المسبوق. على مشارف عام جديد تحتاج الإنسانية للحظات تأمل في حالها قبل القارعة، فما يجري هو اشد هولا من الطوفان الذي ضرب الأرض ذات مرة، وان أبقى سيدنا نوح ومن معه. ماذا عن بقية مشاهد الحصاد السياسي والاقتصادي التي خلفها العام الراحل ؟
إلى الحلقة الثانية المكملة لهذه الدراسة في الأسبوع المقبل بإذن الله.