الضفّة ليست هادئة أيضا عن احتمالات انتفاضة ثالثة

ماجد كيالي – majedkayali@gmail.com –

إن وجود السلطة الفلسطينية والتنسيق الأمني بينها وبين إسرائيل لا يمكن أن يحول دون تلك المواجهات حتى لو قّللت إسرائيل من احتكاكها المباشر بالفلسطينيين.

تشهد الضفة الغربية، هذه الأيام، موجة انتفاضية جديدة، تتمثّل في المواجهات الحامية بين الفلسطينيين من جهة، والجيش الإسرائيلي ومعه المستوطنين الإسرائيليين، من الجهة المقابلة، إذ بات الفلسطينيون يعبّرون، من خلال هكذا موجات، التي تحصل بين فترة وأخرى، عن رفضهم للاحتلال وتوقهم للتخلص منه.
ولعل الفلسطينيين يتوخّون، من خلال تلك الموجات الانتفاضية، أو الهبّات الشعبية، التأكيد على عدة مسائل أهمها:
أولاً، وهم الهدوء في الضفة، بالقياس إلى غزة، إذ ثبت أن ذلك غير صحيح على الإطلاق، إذ أن الضفة الغربية، وضمنها مدينة القدس، ظلت تشهد، بين حين وآخر، موجات انتفاضية متعاقبة، شهدنا مثلها، على سبيل المثال، موجة انتفاضية ضد محاولة إسرائيل نصب بوابات إلكترونية في القدس (يوليو 2017)، وتبعتها موجة أخرى أواخر ذات العام، في أعقاب قرار الرئيس الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
أيضا يمكن أن نذكّر، في ذات السياق، بالانتفاضات الغاضبة التي اندلعت في صيف (2014) في أعقاب قتل الطفل الفلسطيني محمد أبو الخير حرقا، وفي أكتوبر 2015 (وهي هبة شعبية ذهب ضحيتها أكثر من 60 فلسطينيا من الضفة والقدس وحوالي 18 فلسطينيا من قطاع غزة، ومصرع 12 إسرائيليا بواسطة الدهس والطعن وإطلاق النار)، ثم الهبة الشعبية في مارس 2016، وهي اندلعت إثر عملية إطلاق نار في باب العمود في القدس، هذا مع التذكير بهبة النفق (1996)، التي سجلت أولى الاحتكاكات بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، بعد اتفاق أوسلو (1993) وذلك في العهد الأول لنتانياهو (01996ـ1999).
ثانياً، إن وجود السلطة الفلسطينية، والتنسيق الأمني بينها وبين إسرائيل، لا يمكن أن يحول دون تلك المواجهات، حتى لو قّللت إسرائيل من احتكاكها المباشر بالفلسطينيين، لأنها هي المسؤول عن تردّي أحوالهم، وعن مصادرة أراضيهم، وعن تعزيز الاستيطان في مناطقهم، وعن وضعهم في مناطق محاصرة ومعزولة، إذ إنها عبر كل ذلك مازالت تتصرف كسلطة احتلال بكل معنى الكلمة.
ثالثاً، أن الأمر لا يتعلق بانتفاضة ثالثة، ظلّ البعض، بخاصة من الفصائل يستدعيها، بطريقة مزاجية ووصائية، ولكنها لم تأت، لأن الانتفاضة الشعبية لا تأت بأوامر من احد، ولا بكبسة زرّ، ولأن الفلسطينيين يعبّرون عن أشكال كفاحهم بحسب إمكانياتهم وتبعاً لظروفهم الخاصة، مع ضرورة إدراك اختلاف ظروف الفلسطينيين اليوم عنها سابقا، أي إبان الانتفاضتين الأولى (1987) والثانية (2000)، إذ أن إسرائيل (عسكر ومستوطنين) قلّلت إلى حد كبير من احتكاكها بالفلسطينيين، ببنائها الجدار الفاصل، وإنشائها الطرق والأنفاق والجسور الالتفافية، منذ الانتفاضة الثانية، في حين بقيت بعض نقاط احتكاك، عند المعابر فقط، مثل معبر قلنديا بين رام الله والقدس، وجامع بلال أو قبر راحيل، والنقطة الاستيطانية في الخليل، وبعض نقاط أخرى عند مداخل المدن، وهي نقاط أو معابر عسكرية ومحصنة، هذا إضافة إلى منطقة الاحتكاك الأساسية وهي مدينة القدس.
رابعاً، أن مقاومة الفلسطينيين للاحتلال هو الأمر الطبيعي، وأن ما يحصل في الضفة لا ينفصل عما يحصل في غزة، وان اختلفت الظروف والمعطيات وأشكال العمل، أي أن الشعب الفلسطيني، طالما أننا نتحدث عن النضال الشعبي، هو الذي يحدد شكل صراعه الأنسب والأجدى مع إسرائيل في كل مرة، وأنه لا يوجد شكل نمطي معين أو جاهز لذلك الأمر، طالما أن الفصائل باتت بعيدة عن تلك الموجات، بالمعنى المباشر، بعد أن انحسر دورها في إطار الصراع ضد إسرائيل، بحيث بات فعل “حماس” يتركز في غزة، وفعل “فتح” يتركز في الضفة، بحيث إن كل حركة باتت تحسب بشكل دقيق تبعات أي نوع من أنواع المواجهة مع إسرائيل، في ظل تحول كل واحدة منهما إلى سلطة (فتح في الضفة وحماس في غزة)، مع أفول الفصائل الأخرى.
خامساً، ما يميّز تلك الموجات أو الهبّات، أيضاً، بروز، أو شيوع، النزعة الفردية، وهي التي تجلت في حوادث الدهس والطعن بالسكاكين وإطلاق النار على الجنود والمستوطنين الإسرائيليين، كما حدث مرارا في القدس (حيث الاحتكاك اشد مع العسكريين والمستوطنين الإسرائيليين كما قدمنا) وفي مستوطنة عوفرا مؤخرا، وفي رام الله والقدس ونابلس والخليل في أوقات سابقة)، في حين تحاول الفصائل استثمار أو تجيير هذه العمليات الفردية لصالحها، كما لتغطية قصورها أو عجزها.
في المقابل، وعلى الجانب الإسرائيلي، فإن تلك الموجات الانتفاضية تفضح أو تعري الواقع القائم المتمثل بإصرار إسرائيل على طبيعتها كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية، وكدولة تنتهج القوة للهيمنة على شعب آخر وإخضاعه لاحتلالها وسيطرتها وإملاءاتها؛ هذا أولاً. ثانياً، إن إسرائيل تتصرف مع الفلسطينيين على أساس السماح لهم بتشكيل سلطة ذاتية، فقط، على أن تشتغل كوكيل عنها، لتحسين صورتها، والتخفيف من أعباء احتلالها الأمنية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية.
والمعنى أن إسرائيل ترى في بقاء السلطة مصلحة لها، ما يفسّر صدّ أية دعوات إسرائيلية لحلّها، وما يفسّر حرصها على تكريس الواقع القائم، سواء في الضفة أو في غزة، بحيث لا يكون ثمة سلطة قوية ولا سلطة موثوقة من شعبها، ولا سلطة موحدة وقادرة على التحول إلى دولة.
وباختصار، فإن الفلسطينيين اليوم، في الأرض المحتلة، إزاء جولة صراعية جديدة بين بينهم وبين إسرائيل، لذا من الصعب ومن المبكّر التكهن بأبعادها واحتمالاتها وتداعياتها، كما من الصعب، أيضاً، التكهن بإمكان تحولها إلى انتفاضة ثالثة، بل يجب عدم تطلّب ذلك منها، لأن ذلك يحملها فوق ما تحتمل، ولأن الظروف باتت مختلفة أو غير مواتية، وأيضا، لأن أشكال الكفاح، سيما في ظروف الفلسطينيين المعقدة، لا يمكن أن تأخذ نمطا معينا دون غيره.