«العربية».. لغة العلوم والحضارة .. ووعاء الموروث الفكري للإنسانية.. أين موقعها اليوم؟

لغة الضاد هوية أمة –

يحيى بن سالم الهاشلي – إمام وخطيب جامع السلطان قابوس بروي –

«مواجهة التحديات التي تحدق باللغة العربية واجب متحتم على الناطقين بها أفرادا ومجتمعات، إذ إن التحدي يمس هويتهم وكيانهم، وينبغي لهم العمل معا في سبيل ترسيخ وجود لسان الضاد علميا واقتصاديا واجتماعيا، فعلى مستوى الأفراد يجدر بالأسر أن تعنى بغرس حب اللغة العربية في الناشئة منذ الصغر، وليس من سبيل أفضل لذلك من مدارسة القرآن الكريم تلاوة وحفظا؛ إذ لسان القرآن عربي مبين».

تعد اللغة هي السمة الأولى التي تتمايز بها الأمم والشعوب عن بعضها، كما تعد اللغة هي رسول حضارة كل أمة تنطق بثقافتها ومعارفها، وإن اختلاف لغات بني الإنسان مع اتحاد أصلهم آية عظيمة من آيات الله (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ)، ومن هذه اللغات المتعددة تبرز اللغة العربية كواحدة من أقدم اللغات المنطوقة المكتوبة بل من أشرفها وأكملها، وذلك لاصطفائها الإلهي لتكون اللسان الناطق لرسالة الله الخاتمة للبشرية القرآن الكريم، ولقد احتفى القرآن العظيم في غير ما موضع بهذا الاصطفاء، فقال سبحانه وتعالى: (وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا)، وقال جل وعلا: (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)، وما هذا الاصطفاء الإلهي إلا شاهد على عبقرية هذه اللغة وقدرتها البيانية والبلاغية على استيعاب التطور الحضاري البشري على مدى الزمان، كما كتب لها الخلود والحفظ ببقاء وحفظ آي الكتاب العزيز: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
وترتبط اللغة العربية بالدين الإسلامي ارتباطا وثيقا؛ فبكونها لغة كتابه الكريم المخاطب به كافة الناس ولسان نبيه الأكرم -صلى الله عليه وسلم- المبعوث للعالمين نقل الإسلام العربية من لغة قومية تخص سكان الجزيرة العربية وقبائل العرب لتكون لسان كل من يؤمن به في مشارق الأرض ومغاربها فأصبحت لغة عالمية، فالمسلم يعلن دخوله الإسلام بنطقه شهادتيه بالعربية، وأداء الصلاة بتلاوة القرآن فيها وقراءة أذكارها بالعربية، كما أنه يلبي للحج بالعربية، ويتعبد الله بتلاوة القرآن بنطق حروفه العربية ولو كان أعجمي اللسان، ولذلك نجد أن للإسلام الفضل في حفظ اللغة العربية بل وهو الذي أطلق نهضتها العلمية وبعث علومها ليتمكن الداخلون في الإسلام من النطق بها وفهم كلماتها، فكانت علوم التجويد والنحو والصرف والبلاغة، كما ألفت كتب المعاجم والتفسير وجمعت الدواوين لأشعار العرب وغيرها من المؤلفات التي خدمت اللغة العربية ونقلتها من مرحلة اللغة البدائية التي ترجع لسليقة المتحدث بها إلى لغة ذات قواعد وأسس يتعلمها حتى غير الناطق بها، ونجد أن الكثير ممن اشتغل بعلوم اللغة العربية كانوا من المسلمين غير العرب كصاحب كتاب «الكتاب» في النحو سيبويه تلميذ الخليل بن أحمد الفراهيدي العماني، ومنهم كذلك ابن جني الذي عني بفقه اللغة صاحب كتاب «الخصائص»، والجرجاني الذي يعد مؤسس علم البلاغة، وله كتابا «أسس البلاغة» و«دلائل الإعجاز»، وممن برز في علوم العربية المفسر واللغوي العبقري الزمخشري صاحب تفسير الكشاف الذي يعتمد على التفسير اللغوي للقرآن، كما ألف معجم «أساس البلاغة»، وقد قال الزمخشري مفتخرا في مقام حمد الله على نعمة كونه من علماء العربية منتصرا لها في مقدمة كتابه «المفصل» فقال: «الله أحمد على أن جعلني من علماء العربية، وجبلني على الغضب للعرب والعصبية، وأبى لي أن أنفرد عن صميم أنصارهم وأمتاز، وأنضوي إلى لفيف الشعوبية وأنحاز، وعصمني من مذهبهم الذي لم يجد عليهم إلا الرشق بألسنة اللاعنين والمشق بأسنة الطاعنين -حتى قال- ولعل الذين يغضون من العربية، ويضعون من مقدارها، ويريدون أن يخفضوا ما رفع الله من منارها -حيث لم يجعل خيرة رسله وخيرة كتبه في عجم خلقه، ولكن في عربه- لا يبعدون عن الشعوبية منابذة للحق الأبلج، وزيغا عن سواء المنهج» وغيرهم الكثير ممن اختصوا باللغة العربية إيمانا بكونها لغة مصطفاة وأن القيام على خدمتها قربة لله.
إن الناظر في أحوال اللغة العربية في واقعنا المعاصر يجد أن هناك تراجعا كبيرا في صدارتها كلغة فاعلة على الصعيد العالمي، فبعد أن كانت لقرون عديدة هي لغة العلوم والحضارة، إذ بلسانها وحرفها دونت ومن خلال الترجمة منها وإليها حفظت الكتب العلمية والفلسفية والموروث الفكري للإنسانية، نرى اليوم أن هناك هوة شاسعة بين الماضي والحاضر في توظيفها في مجال العلوم، ومرجع ذلك إلى تراجع دور العرب والمسلمين في هذا الميدان، كما أن التراجع لم يقتصر على ذلك بل شمل الدور الاقتصادي في المجتمعات العربية والمسلمة، فكما هو مشاهد أن القطاعات الاقتصادية باتت التعاملات فيها بغير اللغة العربية، فمن أبسط إيصالات الشراء إلى العقود التجارية الضخمة تصاغ بلغات أجنبية، ولا تكاد تذكر العربية فيها إلا لماما على استحياء، وكان لهذا الغياب تأثير مباشر في غياب اللغة العربية الفصحى خصوصًا في الحياة الاجتماعية للناس، إذ صار الناس ينظرون إلى اللغات الأخرى كلغات تضمن مستقبلًا وظيفيًا أفضل لأبنائهم، وذلك متحقق في طلبات التوظيف التي تنشر، فتراجع الاهتمام باللغة العربية وإتقانها تحدثا وكتابة وأمسى تعلمها رفاهية لبعض الفئات أو يختص فيها من له علاقة بعلومها أو العلوم المرتبطة بها، فلا بأس أن يكون العربي الأصل يرفع ما حقه النصب وينصب ما حقه الرفع وأن يكون جمع المذكر السالم دائمًا منصوبًا ومجرورًا بالياء ولا يرفع بالواو في محل رفعه، وأن ينطق الكلمات شائعة الاستخدام بغير ضبطها الصحيح، بل قد وصل الأمر إلى أن يمس صميم العبادة فيتلوا العربي اللسان آي القرآن بلحن فاحش فيغير معاني الكلمات ويخطئ في نطق أذكار الصلاة وأدعيتها في حين يجاهد أخوه المسلم الأعجمي في تقويم لسانه بالنطق بالحرف العربي ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وإن غربة اللغة في أوطانها وبين أبنائها يشكل تهديدا لهوية الأمة وعاملا أول في تبعيتها للغير، إذ اللغة نتاج فكر الأمة وثقافتها فما بالكم أنها في الإسلام وعاء عقيدته وشريعته، ولا يمكن القول إن المجتمعات لا زالت تتكلم العربية من خلال اللهجات العامية؛ فاللغة ما زالت بخير، إذ العامية لا تغني الأمة فكريا وثقافيا عن اللغة الفصحى بل إن النتائج السلبية لركون الناس لها أضعف من قوة الترابط بين المجتمعات المسلمة إذ قد يلجأ البعض للغات أجنبية ليتواصل مع أخيه العربي لعدم فهمه لكلامه العامي، وكان الأولى أن تجمع لغة الضاد أبناءها، إضافة إلى عدم صفاء الكثير من اللهجات العامية وذلك بدخول العديد من الكلمات الأجنبية إليها بل قد يلجأ البعض لإدخال الكلام الأجنبي في كلامه إظهارا لتمكنه من لغة ما في حين أنه يتلعثم بلغة لسانه إن نطق بها أو قرأها.
إن مواجهة التحديات التي تحدق باللغة العربية واجب متحتم على الناطقين بها أفرادا ومجتمعات، إذ إن التحدي يمس هويتهم وكيانهم، وينبغي لهم العمل معا في سبيل ترسيخ وجود لسان الضاد علميا واقتصاديا واجتماعيا، فعلى مستوى الأفراد يجدر بالأسر أن تعنى بغرس حب اللغة العربية في الناشئة منذ الصغر، وليس من سبيل أفضل لذلك من مدارسة القرآن الكريم تلاوة وحفظا؛ إذ لسان القرآن عربي مبين، وقد جاء التوجيه النبوي بذلك ففي الحديث: (عَلِّمُوا أَوْلاَدَكُمُ الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَعَلَّمَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ هُوَ)، فتعليم القرآن للنشء يحقق مقاصد عديدة جليلة إيمانية وتربوية إضافة لترسيخ اللغة العربية من خلال الممارسة والتطبيق العملي، كما سيتولد لدى المتعلم للقرآن ربط بين اللغة العربية والقرآن وأنها وعاء حفظ فيه فيتنامى الشعور لديه بوجوب المحافظة على هذه اللغة، كما في ربط الناشئة بآداب العربية من شعر ونثر قديمه وحديثه سبيل لتمكينها، ففي اطلاعهم على ذلك إثراء لحصيلتهم اللغوية واطلاع على غنى لغتهم مما يعزز شعور الاعتزاز بها والانتماء إليها، وإن في إقامة المسابقات الشعرية وفي القراءة عموما على مستوى المدارس والمساجد وحتى داخل العائلة الواحدة ما يعزز مكانة اللغة العربية ويجعلها حاضرة في حياة الناس فلا تكون غريبة.

إن الدور الجوهري للحفاظ على اللغة العربية لتكون فاعلة ومؤثرة في المجتمعات يقع على الدول بمؤسساتها المختلفة خاصة التعليمية منها والإعلامية، إذ إن أخطر تحد تواجه اللغة العربية في مجتمعاتنا هي أنها ليست لغة التعلم الأولى وكذلك ليست أداة التفاهم الاقتصادية المقدمة، مما يجعلها في محل ثانوي في التعامل وأداة شكلية، كما أن هذا الوضع يشكل عبئا على الدول التي تعتمد على لسان الغير في بناء نهضتها العلمية والاقتصادية، فكما هو الواقع المشاهد لجوء المؤسسات التعليمية لتدريس العلوم بلغات أجنبية كون مصدرها القادمة منه ينطق بذلك اللسان، والغريب أن بلدان العالم لا تعلم طلابها إلا بلسانهم وأن الترجمة ما وجدت إلا لذلك، وما عقدت مؤتمرات تعريب العلوم إلا لأجل تلك الغاية التي لا زالت تبعد لعدم التحرك صوبها، ومن جانب آخر نجد أن من تأثيرات ذلك أن هذا التعليم يقصد به سوق العمل في مفارقة عجيبة هي أن تتعلم لسان غيرك لتعمل في وطنك، وما تراكم أعداد الباحثين عن العمل سنويا وفي المقابل استقدام عمالة وافدة متزايدة إلا بسبب اشتراط إتقان لغة معينة غير لسان البلد، وإن هذه الضريبة ترتفع مع الأيام ويتولد عنها تأثيرات اجتماعية عديدة تؤثر سلبا على المجتمعات والأفراد.
إن الاحتفال والاحتفاء باللغة العربية لا يكون فقط من خلال عقد الندوات والمؤتمرات وسبك القصائد والمقالات بل ينبغي للأمة أن تسعى بعمل وجهد لجعلها فاعلة في حياتهم العلمية والاقتصادية والاجتماعية فهي حرف قرآنهم وصوت آياتهم ووعاء شريعتهم وهوية أمتهم.