تسارع نمو «التطورات السكانية» .. ماذا عن استحقاقات التنمية؟

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

تنجز برامج التنمية كما كان مقدرا من البرامج المختلفة في مختلف المجالات، وفق اختصاصات كل مؤسسة على حدة، وهذا الجهد يستنزف الكثير من الوقت، والمال، والتخطيط، وهذه كلها أمور غير منكورة تسعى إلى تحقيقها الجهات المعنية بلا استثناء، ولكن على الرغم من ذلك تظهر على مسارات التنفيذ الكثير من التحديات، وهي تحديات تفرضها مجموعة من العوامل، يأتي في مقدمتها النمو المطرد لعدد السكان، فحسب المصادر نشرت وكالة الأنباء العمانية في شهر أغسطس الماضي المعلومة التالية: «فيما يتعلق بالسكان يستعرض الإصدار إجمالي عدد سكان السلطنة في عام 2017م والبالغ نحو 4.559 مليون نسمة يمثل العمانيون منهم حوالي 55 بالمائة والوافدون حوالي 45 بالمائة مقارنة بنحو 901 ألف نسمة في عام 1977م مع استعراض التطورات السكانية المختلفة التي تغيرت خلالها الخصائص الديموغرافية للسكان ومنحنى ارتفاع معدل النمو السنوي لإجمالي السكان».

وهذا النمو الكبير يقابله اتساع غير محدود في العمران، والطرق، والزيادة ذاتها في كل الخدمات المقدمة للسكان، وهذا الأمر ليس يسيرا؛ عند النظر إليه، وتقييم متطلباته.
في الوقت نفسه تسعى الحكومة إلى «ترشيد الموازنات وزيادة الإنتاجية» فيكف يمكن التكيف وفق مرئيات الواقع مع زيادة وتعقد مسارات التنمية وترشيد الموازنات، هذه الصورة هي التي تجعل صانع القرار أمام تحد كبير، لا يفك شيفرته إلا التخطيط السليم، والرؤية الاستباقية، وتوظيف الطاقات الفاعلة من أبناء الوطن في المشروع التنموي الكبير والممتد، وأضلاع المثلث «الثلاثة» هذه لا يضعها في متناول الأيدي إلا المعرفة الحقيقية التي يشتعل أوارها اليوم أكثر من أي وقت مضى، وليس أمام صانع القرار من خيار متاح غير الركون إلى سبيل المعرفة لتجاوز كل التحديات الماثلة أمامه في هذه المشروع، حيث تصبح الآلة هي المعول عليها في تجاوز الكثير من تضخم هياكل المؤسسات التي ترزح بالأعداد الكثيرة دون توظيف لطاقاتها الكبيرة، فمشروع المدن الصناعية القادم هو ينتصر أكثر للمعرفة، وله القدرة الكبيرة على تجاوز أي إشكالات تعترض سبيل المشروع التنموي في أي بلد يكون، طبعا مع تحقق مكتسباته من المعرفة، وأما بغير ذلك فستظل المعاناة قائمة: أجهزة في منتهى الذكاء جاثمة في المؤسسات، وقدرات ذهنية متواضعة لا تعي توظيف هذه القدرات العملاقة التي تحتويها هذه الأجهزة.
وعودة إلى المصدر السابق؛ فقد أشار إلى: «وفيما يخص القوى العاملة يبين الإصدار ما شهدته السلطنة من إنجازات أدت إلى اتساع نطاق العمل وفرص التوظيف والتشغيل في القطاع الحكومي والخاص التي جعلت الاقتصاد العماني قادرا على توفير فرص العمل للقوى العاملة، حيث ارتفعت نسبة القوى العاملة من السكان من حوالي 37.7 بالمائة عام 1990 م إلى حوالي 66.7 بالمائة عام 2017 م» – انتهى النص –
فالزيادة في أقل من (30) سنة وصلت إلى (29%) هي نسبة غير طموحة إطلاقا مع ما نشهده من توالي دفعات الخريجين في مختلف التخصصات الفنية والإدارية، ومع وجود قوى عاملة وافدة منافسة تمثل ما نسبته (45%) من عدد السكان الإجمالي للسلطنة؛ وفق المصدر السابق.
تأخذ باهتمامي؛ كثيرا؛ المخططات السكنية الحديثة المنتشرة على امتداد الجغرافيا العمانية، ومن خلال تجوالي المستمر بين المدن العمانية وولاياتها ألحظ هذا الاكتساح العمراني الممتد بين الولايات، وأجزم أن هذا الامتداد المستمر سوف ينهي العزلة المكانية بين هذه الولايات، ويعمل على تداخلها لتكون امتدادا عمرانيا، وينهي الجزر المعزولة جغرافيا بين هذه الولايات، وهذه صورة يثمن من خلالها الجهود التنموية التي تقوم بها مختلف المؤسسات الخدمية، وإن كان ذلك يحمل برامج التنمية الكثير من الاستحقاقات من البرامج والخطط التي تفرض نفسها مواكبة لهذا الزحف العمراني بما يضمه من ذخيرة سكانية تشتعل بالطاقات الخلاقة في أبناء الوطن الحبيب، وبهذه المناسبة استوقفتني إحصائية الأراضي السكنية التي ينشرها المركز الوطني للإحصاء والمعلومات عبر موقعه الإلكتروني التي تشير إلى ارتفاع عدد الأراضي السكنية الممنوحة للمواطنين، حيث تقول المعلومة: إنه تم توزيع: «(20.083) أرض سكنية ممنوحة في مختلف المحافظات حتى نهاية أكتوبر 2018، بارتفاع (17.8%) مقارنة بنفس الفترة من العام 2017، وفق الإحصائيات الأولية الصادرة عن المركز»، فهذا الارتفاع (17.8%) لعام واحد فقط يعكس مدى نمو عدد السكان في السلطنة، وعلى وجه الخصوص في الفئة العاملة، ولعل الصورة تذهب هنا إلى مفهوم الـ«هدية الديموغرافية» التي تتميز بها الدول ذات الكثافة السكانية في فئة الشباب على وجه الخصوص، وهذه تعتبر من مقدرات الوطن الكبرى التي تستوجب الكثير من الاهتمام والرعاية من قبل جهات التخطيط السكانية خاصة؛ وهذا التطور في حد ذاته يذهب إلى الحاجة إلى «الاستثمار في تطوير البنى الأساسية للمدن من خلال التعزيز لتبني فكرة المدن الذكية القائمة على التقنيات المبتكرة التي تقلل من استهلاك الطاقة وتحسن الجودة»، كما أشار إلى ذلك (مؤتمر المدن الذكية والثورة الصناعية الرابعة الذي انطلقت فعالياته في الربع الأول من العام الجاري عبر معرض كومكس 2018م، وذلك في مركز عمان للمؤتمرات والمعارض).
ومن المهم أيضا في هذه المناقشة الحديث حول توازي التشريعات والنظم المصاحبة لهذه التطور الكمي والنوعي لاستحقاقات التنمية، وذلك بهدف تصويب مساراتها نحو الأهداف المأمول تحقيقها عند التوظيف على أرض الواقع، وحتى لا تكون هناك «ثغرات» في التوظيف والتنفيذ، فالتشريع هو الذي يصوب هذه المسارات نحو تحقيق غاياتها المأمولة في نهاية الأمر، وما يلملم مجموعة الثغرات المصاحبة عادة عند التنفيذ، فالإنسان بطبيعته الفطرية لا بد له من أن يخرج عن المسارات الصحيحة، فيحتاج إلى من يعيده إليها، ومن هناك تتعاظم يوميا أهمية الدور الذي يلعبه مجلس عمان المتمثل في مجلسي (الدولة والشورى).
وفي هذا الجانب بالذات يتحمل الناخب المسؤولية الكبرى في اختيار من يمثله من الفئة الواعية والقادرة على الإسهام الصادق في التشريع، وفقا لمتطلبات كل مرحلة من مراحل التنمية المتواصلة، والمتنامية على حد سواء، واليوم تتوفر فرصة مناسبة لتوظيف هذا الاختيار، حيث يستعد الجميع للمشاركة في انتخابات «الترشح والترشيح» للفترة التاسعة لمجلس الشورى في ظل اتساع رقعة التنمية بعد أربع سنوات من انطلاق الفترة الثامنة لمجلس الشورى التي سوف تنتهي مع اختيار أعضاء مجلس الشورى الجدد في على نهاية السنة القادمة 2019، ويحتاج الأمر إلى كثير من الدقة ومراعاة المصلحة العامة. اختم هنا بالحديث عن اتساع رقعة المناطق الصناعية، سواء تلك التي تتبناها الحكومة في مختلف المحافظات في السلطنة، أو تلك التي تنمو بحكم حاجة الناس اليومية في كل الولايات بلا استثناء، وهو نمو له استحقاقاته الكثيرة، ويعكس مؤشرات مهمة في الاتجاه الصناعي، وبحكم المنافسة الشديدة التي يجدها الشاب العماني في المناطق الصناعية فإن ذلك أيضا ما يستوجب التفكير في التشريع الذي يحمي الفئة الشابة من المنافسة غير المتكافئة التي يعيشها وهو يهم في بناء مشروعاته الصغيرة والمتوسطة، وهي التي تشير إليها إحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أنها بلغت حتى نهاية أكتوبر من العام الجاري (36.433) مؤسسة، مشيرا نفس المصدر إلى أن نسبة ارتفاع القيمة المضافة للأنشطة الصناعية بلغت (5.7%) بنهاية الربع الثاني من عام 2018 مقارنة بالفترة المماثلة من عام 2017، ويعزى هذا الارتفاع بشكل رئيسي إلى ارتفاع القيمة المضافة للصناعات التحويلية بنحو (13.7%)، فهذه المؤشرات كلها تعطي صانع القرار الكثير من الرؤى للعمل على تطوير هذه المناطق، والنظر بعين الاعتبار بصورة أكبر إلى الأجيال المتسابقة والمحملة بالمعرفة إلى أن يكون لها موطئ قدم أكبر في المساهمة في هذا الجانب.
وأضيف في هذه الخاتمة أيضا ضرورة إيلاء الأمن الاجتماعي أهمية أكبر عند الاشتغال في مجمل مشروعات التخطيط، لأن هدف التنمية في النهاية هو تحقيق الآمال والطموحات لمختلف الفئات المساهمة في التنمية من أبناء الوطن، وهذا يتحقق أكثر عند الأخذ بعين الاعتبار توظيف كل الطاقات الشابة، وهي الطاقات القادرة على الابتكار والإبداع في العطاء والتضحية للقناعة الموجودة أن الوطن مشروع كبير، والفئة الشابة هي المعنية أكثر بالعمل فيه، فغاياته ليست محدودة.