الملاحقة اليومية

مصباح قطب –

طرح وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، في سنغافورة منذ أسابيع «استراتيجية الولايات المتحدة الجديدة، في منطقة المحيط الهندي والهادي»، حيث ابرزت الصين بمثابة العدو الأوحد لأمريكا في المنطقة من منطلق أنها تمارس الترهيب والعسكرة كما قال ماتيس.
والحل من وجهة نظر ماتيس لمواجهة ذلك هو تقوية الحلفاء بحريا وعسكريا ودعم قيم المساءلة والشفافية وحقوق الإنسان والتركيز على الجهود التنموية والوقوف ضد الهيمنة. منذ أشهر أطلق ترامب حربه التجارية ضد الصين ولا تزال رحاها دائرة رغم مرونات هنا أو هناك. ومنذ أيام شن جون بولتون مستشار ترامب أعنف هجوم سياسي ضد الصين على الإطلاق معلنا استراتيجية جديدة لمواجهة تزايد نفوذ الصين في أفريقيا مع سيل من الاتهامات الأمريكية للصين بأنها تكذب على دول افريقيا وتغشهم وتورطهم في الديون وتنزح مواردهم وتستدرج رؤساءهم وتتعامل بلا أي شفافية مع الدول الأفريقية الخ. ومنذ نهاية الأسبوع الأول من ديسمبر الحالي اعتقلت كندا بطلب أمريكي ابنة مؤسس شركة هواوي الصينية بتهمة مطاطة اسمها اختراق العقوبات ضد إيران. ومنذ أيام انطلقت حملة أمريكية منسقة تسعى لنسف مخطط طريق الحرير وتشكك الدول المنخرطة فيه بنوايا الصين. في المجمل نبيت ونصحو كل يوم على قذيفة أمريكية ليزرية ضد الصين وعلينا أن نتوقع استمرار هذا السيناريو لسنين وليس أسابيع أو أشهرا فهذا صدام عودنا التاريخ أن مثله لا يتم حسمه سريعا أبدا. فيما يتعلق بهذا المقال أود التركيز على الصراع الأمريكي الصيني في أفريقيا والإطار الذي يمضي فيه معتمدا على مصادر مفتوحة للكافة. ما الذي يقلق أمريكا من الحضور القوي للصين بأفريقيا. ألا تعقد أوروبا منتدى للعلاقات مع افريقيا وكذا الهند كما أن لفرنسا تجمع الفرانكوفونية ولبريطانيا الكومونولث وهما موجهان أصلا الى افريقيا فلماذا الصين وحدها ؟ ألم تترك أمريكا القارة في العقدين الماضيين وبعد انتهاء الحرب الباردة فلماذا تعود الآن والقارة تعج بالمشاكل؟
أولا يقال إن مما يعقّد الأمور بالنسبة للولايات المتحدة حرص الصين على الحفاظ على وجود بحري في غرب المحيط الهندي بدعوى حماية سفنها التجارية من القرصنة، كذلك تنظر الولايات المتحدة إلى القاعدة العسكرية الصينية في ميناء بجيبوتي، والتي افتتحت في أغسطس عام 2017، على أنها تهديد للأنشطة العسكرية الأمريكية، وأن إمكانية إدارة الصين لهذا الميناء مقابل ديون مستحقة لها لدى الحكومة الجيبوتية بقيمة 1.5 مليار دولار قد تحد من قدرة الأمريكيين على استخدام الميناء، خاصة أن جيبوتي هي الدولة الوحيدة في أفريقيا التي تستضيف قوات دائمة من الجيش الأمريكي منذ عام 2003.
وبعد الفشل الأمريكي لوقف تمدد الصين وترسيخ تواجدها في أفريقيا، وبعد التداعيات السلبية لما بدا أنه عدم احترام من ترامب للأفارقة وعنصرية، تم إيفاد أحد كبار مسؤوليها لتهدئة خواطر الأفارقة. ومن هنا، جاءت جولة تيلرسون، وزير الخارجية السابق، في القارة في مارس الماضي، والتي كان مقررا لها أن تشمل كلا من جيبوتي وكينيا وتشاد ونيجيريا وإثيوبيا، وهي كلها دول حليفة للولايات المتحدة في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب. جولة تيلرسون التي لم تكتمل لم تُقنع أيا من الأفارقة، ولذا تم لاحقا وبعد أن غادر تيلرسون الخارجية إيفاد ايفانكا ترامب في جولة أفريقية لتصويب ما يمكن تصويبه بيد أن أحدا لم يدع أنها حققت نجاحا.
ومن الجانب الاقتصادي تشير التقارير إلى أنه في عام 2017 وفرت 1000 شركة صينية نحو 300 ألف فرصة عمل للعمال الأفارقة، كما استثمرت الصين في تدريب العمالة وتبادل برامج الطلبة. ولم تعد الولايات المتحدة مكانا مرحبا به من الشباب الأفارقة على نحو متزايد، حيث أصبح معهد كونفوشيوس مقصداً مهماً للعديد من الشباب الأفارقة لتعلم اللغة الصينية، على أمل أن يحظوا بوظيفة في الصين أو لدى الشركات الصينية المنتشرة في أرجاء القارة، وذلك إزاء العوائق الكثيرة التي وضعتها أوروبا والولايات المتحدة أمام دخول هؤلاء الشباب. ويرى معلقون كثيرون أن الولايات المتحدة لن تستطيع أن تجاري الصين في مجال التمويل والاستثمار بأفريقيا فيصبح البديل هو إعاقة الصين بأكثر من تمتين الوجود الأمريكي بالقارة، وفيما يتعلق بمشكلة الديون الأفريقية للصين، والتي انتقدها تيلرسون كثيرا فإن نقده جاء مجافيا لحقيقة أن الدول الأفريقية لا تزال تنفق أكثر في خدمة ديونها المستحقة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي مما تنفقه في قطاعي الصحة والتعليم. رغم ذلك يبدو أن الولايات المتحدة ستظل تستخدم نغمة الإغراق في الديون في حربها ضد الصين من منطلق أن الطلقة التي لا تصيب «تدوش» أي تحدث ضجيجا كما يقول المثل.
وتشير دراسة أجرتها «وكالة ماكنزي الأمريكية» أن أكثر من 1000 شركة صينية تعمل حاليا في أفريقيا. بعض المصادر تتحدث عن 2500 شركة، 90 بالمائة منها شركات خاصة. فيما توقعت أن تصل قيمة الأرباح المالية التي تجنيها الصين من أفريقيا بحلول 2025 إلى 440 مليار دولار، أي بزيادة قدرها 144 بالمائة. وتعد جنوب أفريقيا وأثيوبيا من بين الدول التي تتصدر الطليعة فيما يتعلق بالاستثمارات الصينية إن أرقاما كتلك تثير ثائرة ترامب بالتأكيد وهو الباحث عن أي صفقة تعيد أمريكا غنية مرة أخرى حسب قوله، صحيح أن ما يهم بكين هو الحصول على الموارد النفطية والمعدنية التي تملكها بعض الدول الأفريقية، كنيجيريا والجزائر والكونغو…

لكن الولايات المتحدة في المقابل باتت تدرك أن لديها فرصة لإضعاف زخم الصعود الصيني بالوقوف في وجه حصول الصين على الأقل على تلك الموارد. وبالإضافة إلى نزح ثروات أفريقيا الباطنية، ارتفعت مؤخرا أصوات كثيرة للتنديد بالاستراتيجية الجديدة التي تسلكها الصين، والتي تكمن في شراء أراض زراعية شاسعة في دول أفريقية بهدف استثمارها لإطعام سكانها الذين سيتجاوزون 1,5 مليار شخص في 2020 هنا أيضا فإن أمريكا اكتشفت خلال اختبار ما يمكن تسميته بمنهج فول الصويا الذي أصبح طعاما أساسيا للطبقة الوسطى الصينية وفتح بابا للتفاوض بين بينج وترامب في قمة الأرجنتين، ان من المهم ان يرتفع اعتماد الصين زراعيا على الولايات المتحدة .
وإلى جانب الملف الاقتصادي، فإن ما يعمق المخاوف الأمريكية أيضا ان «القوة الناعمة» الصينية دخلت الى الخط في مجالات مثل الإعلام والثقافة حيث شرعت في بناء مراكز ثقافية عديدة لتعليم اللغة والثقافة الصينيتين في حين بدأ الكثير من الصينيين في الإقدام على الزواج من نساء أفريقيات. والمثل الأكثر تداولا هو الزواج بين جزائريات وصينيات إذ أصبحت أحياء عديدة في الجزائر مكتظة بالصينيين الذين يمارسون طقوسهم الثقافية والدينية، ومن المنطقي ان ذلك يتم على حساب الأسلوب الأمريكي في الحياة والسينما الأمريكية وثقافة الكولا والماكدونالز والجينز. وليست أمريكا وحدها هي التي تعاني حيث ينظر الغرب إلى العلاقة الصينية الأفريقية الناشئة بنوع من الخوف والحذر. ففرنسا مثلا ترى تأثيرها الاقتصادي يتراجع بشكل كبير في الجزائر بعدما كانت الشريك التجاري الأول في منطقة شمال أفريقيا. ولقد توقع بحث سوداني منشور في 2014 ومن واقع تطور علاقات السودان بالصين خاصة في مجال استخراج النفط حتمية صدام الصين وأمريكا افريقيا وخلص إلى أن دخول الصين في الفضاء الإفريقي مؤخراً، قد حرك الرغبة الأمريكية التنافسية وزاد من إيقاع روح التنافس الشرس نحو مواجهة القطب الصيني، لأن دخول الصين في إفريقيا يضاعف من قوتها الاقتصادية واستحواذها على أميز وأرخص الموارد، وأن ذلك سيؤثر سلبا على الموقف الأمريكي.
من الجانب الغربي توضح كتابات متنوعة ان المفاهيم الغربية الشعبية للسياسة الخارجية الصينية تأتي في نسختين. الأولى تقول أنها تغمر الأنظمة الفاسدة بأموال صينية ذات أهداف محدودة، كما هو الحال في تصوير القروض الصينية لفنزويلا.
وثانيا: تصور الصين كقوة تقدمية تسعى إلى تحدي الهيمنة الأمريكية، والتركيز بشكل كبير على بناء الجيش الصيني بما انعكس في المقابل في دعوة الرئيس ترامب إلى ميزانية «القوة الصلبة». ويفترض هذا أن الصدام بين الصين والولايات المتحدة يكاد يكون حتمياً، إلا أن كلا الرأيين يتجاهل المقاربات الأخرى التي تستخدمها الصين لتحقيق أهدافها في الخارج. فقد أصبحت الصين وجهة دراسية شائعة للطلاب من البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية، على سبيل المثال، البلدان التي تجد أيضا جاذبية في ما يسمى توافق بكين، أو النموذج الصيني للتنمية الاقتصادية. وتستخدم بكين خبرات مشتركة لتعزيز علاقاتها مع العالم النامي، مثل استدعاء نضالات التحرر الوطني إلى المستعمرات السابقة. ويسارع قادة الصين إلى استغلال أخطاء رئاسة ترامب. على سبيل المثال، ستحصل الصين على موطئ قدم أكبر في صناعة النفط الإيرانية، حيث ان التهديد بفرض عقوبات أمريكية يخيف الشركات الأوروبية.
الصين أيضا موجودة بقوة في الفناء الخلفي لأمريكا، وإن اعتراف بنما بجمهورية الصين الشعبية في عام 2017 هو مؤشر على نفوذ بكين المتنامي في المنطقة، فيما يتعلق بالذين يشعرون بالقلق إزاء تآكل قبضة واشنطن على أمريكا اللاتينية.
صحيح ان هناك جهودا أمريكية لتصعيد قيادات موالية في أمريكا اللاتينية كما حدث في البرازيل أخيراً لكن الطريق لقطع الطريق على الصين هناك لا يزال طويلا ومعقدا وتستطيع الصين أيضا أن تحصل على نفوذ في أمريكا اللاتينية بسبب عدم وجود الخلفية التاريخية الاستعمارية مقارنة للتاريخ الطويل والمثير للجدل للتدخل الأمريكي في شؤونهم جيرانها.
ولقد كتبت بوني جيراراد في 25/‏‏10/‏‏2018 تقول ان الحجج في جميع جوانب المواجهة التجارية المستمرة بين الولايات المتحدة والصين معروفة الآن. لقد كان جميع النقاد والمفكرين الأمريكيين والأوروبيين والآسيويين على يقين بالغ، وتنبأت التوقعات بالنتيجة النهائية لمناورة إدارة ترامب لإعادة هيكلة العلاقة التجارية بين الولايات المتحدة والصين. وهي أن الصين ستواصل الصعود ولا مناص عن نمط جديد من العلاقة يعترف بالواقع.
بقي سلاح أمريكا مفيدا فوفقا للمركز الدولي للتجارة والتنمية المستدامة (ICTSD )، فإن قانون أغوا وهو «مخطط أحادي الجانب للأفضليات يعود إلى عام 2000، وكان بمثابة حجر الأساس للعلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وهو يمنح البلدان الأفريقية المؤهلة المعفاة من الرسوم الجمركية الوصول إلى الأسواق الأمريكية لآلاف المنتجات ويمتد القانون حاليًا إلى 2025.
أخيراً هناك من سيستفيد من حرب الصين وأمريكا من حلفاء البلدين وهناك من سيخسر أيضا وستزيد وتيرة بحث أمريكا أو الصين عن تعويض لأي خسائر في بلدان وأسواق وساحات أخرى لكن لن تتوازن العلاقة بين البلدين إلا في ظل نظام دولي جديد تتوافق عليه أغلبية واضحة في المجتمع الدولي ويستطيع ان يضبط قواعد العلاقات بين الدول ويعاقب على أي خروج عنها فمتى يأتي يا ترى؟.

mesbahkotb@gmail.com