عطر: العمر في حقيبة سفر

رندة صادق –

الوطن حياة في ذاكرة حياة، وحكايات عمرية لا تنتهي تفاصيلها، الوطن يحتاجنا ليبقى وطنا قويا وله كينونته بين الأوطان. نكتب للحب، للهجر، لخسائرنا العشقية، لأصوات جف ماءها، ونتغزل بوجوه قد لا نذكر يوما أسماءها، ومع ذلك يسكننا حنين للحب قبل الحبيب، للحالة قبل التفاصيل، الوطن هو الحب الذي لا ينتهي، لأنه أكبر من الحبيب، هو فطرة وجدانية تكبر معنا وتتحرك مع مشاعرنا، العلاقة بالوطن علاقة غريبة، هي قدر فلا يد لنا باختياراتنا الوجودية من اسم وأهل وديانة ووطن، ولعل الوطن من أجمل ما يحدث لنا.
الأم رحم الحياة والوطن رحم العمر، نحن نتعلم حبه مع أول وعي للمكان وجغرافيته، فحين يبدأ الطفل بالتعريف عن جنسيته، يبدأ في الإدرك ان له وطنا يعيش فيه ويحمل بطاقته التاريخية والحضارية، هي عملية حسية فطرية، ترسخ صفات وعادات وموروثات تعود ربما الى جينات هذا الشعب أوذاك، ولكي تكون مواطنا، عليك أن تملك ارضا يعيش عليها شعب ولها حدودها حيث تقوم الدولة بادارتها، الأمر بسيط، ولكنها بساطة لها هيكليتها المعقدة أحيانا كما في وطني لبنان.
نحن في لبنان نعاني ما نعانيه ونتعثر وننهض ونتصارع لنتوزع ونتخبط بحثا عن قبلة سلام تُهدأ قلقنا، نحن النموذج الأكثر تشتتا في هذه الأمة، التركيبات الداخلية أخذت من الشباب أحلامهم وصمت الكُهلان، فماذا يفعلون وقد تصادمت الإرادات واعتلت الأنا كراسي الصورة السياسية، انها خلطة متنافرة لا يمكن ان تمتزج في صحن واحد، دون ان تتحول الى تفاعل كيميائي يسبب الضرر للمواطنين، الوطن ليس فكرة في خيال، بل واقع معاش نتقاسم همومه ونحلم له بغد أجمل تسوده العدالة وينعم بالأمان .
في الحقيقة أنا لا أكتب بالسياسة ولن أكتب ولكن الروح تأن وفاضت بهذه الفضفضة، انها فضفضة مواطنة لبنانية تطل على العالم العربي من هذا المنبر الراقي لتقول: نحن اليوم نقبع في اللاحالة، لا صورة فعلية لكينونة هذا الوطن المسمى “لبنان” وهذا الحزن ليس لأننا مهددون بإفلاس أو ركود أو انهيار “لا”، نحن الأمهات لا نفهم كثيرا بكل الأرقام التي يذكرها الإعلام، ولا بكل التحليلات، بل نرى الأزمة في وجوه أزواجنا وذاك القلق في عيون أبنائنا، تصعقنا جملة “بدي هاجر يا ماما”، الابن الوحيد الذي كبر في حضن أمه، وحلم أبيه، لا يرى في وطنه أملا في عمل أو حب أو زواج، الهجرة حلمه واليأس حاله، هذا أكبر من كل الحوارات التي تكتظ بها شاشاتنا اللبنانية والتي تحلل وتناقش وتتوقع وتهدد وتتوعد.
الوطن والأبناء خسائر الأمهات، هذا ما يهددنا اليوم وليس كما يشاع عدم تشكيل الحكومة أو تلك الخلافات الطائفية وزواريب الوصايات، ما يهددنا اليوم ان ابناءنا لا يريدون لبنان وطنا لهم، ما خسرناه هو انتماء هذا الجيل الى ذاك الحنين الذي ما زال جيلنا يعيشه، وما جعلني في كل مرة أغادر لبنان أعود اكثر حنينا وشوقا لرائحة مدينتي ووجوه الباعة، وكورنيش البحر، وتلك الأكلات الشعبية التي تذكرني بأمي، أولادنا اليوم يأكلون الوجبات السريعة ويتمتعون بالمطبخ الطلياني والصيني، أما الأكل اللبناني فان أردت معاقبتهم أفرضه على وجباتهم.
كل أم لبنانية خائفة ان يضيع عمرها الذي عاشته في حقيبة سفر يمسكها ابنها في يده، لتتحول أمومتها الى نزف دائم، لأن ولدها سيصبح زائرا قد يأتي ليودعها في ساعة رحيلها أو تخذله مطارات الخيبات، لا أجد تفسيرا لما نعانيه اليوم هل هو تحد وعناد أم علينا الاعتراف أننا معتقلون في هذا الوطن؟ كم أم ستبكي، لأن ابنها سيوضب أحلامه ويجمع عمره في حقيبة ويغادر خلف حدود الوطن بحثا عن وطن بديل؟