وتر: إن للموت سحرا

شريفة بنت علي التوبية –

لست أدري لماذا لا نبارك الموت كما نبارك الحياة؟ ولماذا يرعبنا الموت ولا ترعبنا الحياة؟ ولماذا نشفق على الأموات ونخشى عليهم من الموت، ولا نشفق على أنفسنا من الحياة ولا نخشى منها علينا، رغم أن الموت هو قدرنا الأجمل والرحيم كما أظن، فلا أعتقد أن الموت أراد بالأموات سوءاً بقدر ما أساء لنا نحن الأحياء، حينما أخذ أحبتنا منا وحينما انتزع ذلك الأمان الذي يسكن القلب بوجودهم في حياتنا، لذلك نحن نرهبه رهبتنا من جحيم الفقد، وانكسار أجنحة الروح ومن ألم جرح يشق القلب ويدميه، يرعبنا ذلك البقاء المبعثر المرتبك بين موت أخذ من نحب وبين حياة أصبحت فارغة منهم، يرعبنا الفراغ الذي يخلّفه رحيلهم، وترعبنا تلك المساءات والصباحات الفارغة من حكاياتهم، يرعبنا ذلك الشعور المُر الذي نحياه ونحن ننتظر عودتهم على رصيف العمر وشُرفات الأيام، رغم علمنا أنهم لن يأتوا ولن يعودوا، يرعبنا أن يصبحوا مجرد ذكرى نستعين بها كقطعة سكر نحلّي بها فنجان قهوتنا الحياتي المر.
تذوقت مرارة الفقد وتجرّعته بفقد أحبة ما عوضني الزمان بهم أحد، ولا ماتت محبتهم بموتهم، خَبرت ذلك الشعور الصعب بالفاجعة وأنا أرى تلك الروح الصادقة النقية مجرد جسد جامد بارد لا تعبير فيه ولا حكايات ولا ضحكات مخبئة، وما زلت أعيش ذلك الألم الذي يمزق الروح شوقاً لهم وما تصالحت معه، فرغم مضي عشرة أعوام على موت سُعاد التي ربما عرفها البعض منكم من خلال رسائلي لها بكتاب معنون باسمها، ولكن الجرح عمره يوم وأمس، وكأن تلك السنوات لم تكن كافية لاندمال الجرح، فالجرح ما زال حياً في القلب أشعر بنزفه كلما تحسست موضعه، وكلما استعدتها أمامي روحاً لا تطالها يدي ولا تحتضنها عيني رغم شعوري بوجودها، فسُعاد لم تمت رغم موت غيرها من الذين يرتدون ثوب الحياة، سُعاد ما زالت هنا وكأني أراها تقرأ ما أكتب كما كانت عادتها، تجلس في المقعد المقابل لي في طاولة الكتابة، تشاركني فنجاني وقطعة حلواي وتُلقي على روحي حروف الكلمة، فكيف بي أنسى ومثل سعاد لا يُنسى؟ وكيف بها تموت ومثلها لا يموت؟ فأي موت هذا وهناك من يعجز الموت عن تغييبهم؟ أليس الموت إذن مجرد كذبة مقنّعة في مثل هذا الحال؟ أليس في الموت سحر غامض وحكاية لم تحكَ بعد؟ فلماذا إذن لا نبارك للأموات حكايتهم التي لم تكتب وقصيدة موتهم المستعصية على النظم؟