العام الجديد.. هل يشهد التسويات السياسية؟

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي – 

ونحن نقترب من وداع هذا العام 2018 بكل ما شهده من امتداد للصراعات والخلافات في المنطقة العربية والعالم يتطلع الجميع إلى عام جديد يشهد حل تلك الحروب والصراعات بعد أن شهد بعضها انحسارا كبيرا كما هو الحال في الحرب السورية والخلافات بين دول القرن الإفريقي والهدوء النسبي في العراق والآمال الكبيرة، بانتهاء الحرب في اليمن على ضوء النتائج الأولية لمشاورات السويد بين الفرقاء اليمنيين وبرعاية الأمم المتحدة ودعم سياسي ولوجستي من السلطنة ودولة الكويت.
هناك الأزمات السياسية في لبنان من خلال وجود الفراغ السياسي حيث التعقيدات تتواصل بتشكيل الحكومة وهناك الأوضاع المتردية في ليبيا وأيضا الأزمة الخليجية التي تدخل عامها الثاني دون بوادر مصالحة بين دولة قطر وعدد من دول مجلس التعاون الخليجي.
علي الصعيد الإقليمي والإفريقي هناك الوضع الصعب في الصومال وهناك الخلافات العربية –العربية علاوة على الأوضاع في افريقيا وان كانت دول القرن الإفريقي كما تمت الإشارة شهدت انفراجا سياسيا بين أريتريا واثيوبيا وبين ارتيريا وجيبوتي وحتى بين الصومال وأثيوبيا من خلال الزيارات المتبادلة والتي اعتبرت نموذجا في حل الخلافات السياسية بين دول الإقليم.

الخيارات السياسية

من خلال التطورات التي شهدها هذا العام في ظل تواصل تلك الصراعات والخلافات التي تمت الإشارة إليها فان الضغوط الدولية ومن القوى الكبرى تحديدا ومن المنظمات الحقوقية والمدنية، وفي ظل التطورات الاقتصادية وقضايا الطاقة فإن هناك احتمالات ومؤشرات بأن تلك الصراعات سوف تنتهي أو على الأقل تنحسر إلى الدرجة التي تبقى صراعات منسية كما يحدث الآن في الحرب المنسية في أفغانستان التي تراوح مكانها بين الحكومة في كابول وحركة طالبان.
الحرب في اليمن هي نموذج على تعقد المشهد اليمني رغم ان اليمن ومنذ فترة الاستقلال لشطري اليمن سابقا في عقد الستينيات من القرن الماضي أو بعد الوحدة عام 1990 شهدت عدة حروب أهلية والمواجهة الحكومية مع أنصار الله تتكرر للمرة السابعة، ومن هنا فان الطبيعة الجغرافية المعقدة في اليمن والتركيبة القبلية والولاءات الداخلية والخارجية جعلت الصراع اليمني يدخل مرحلة حرجة، خاصة وان الحرب شنت من قبل التحالف مع قوات الحكومة الشرعية، ومن هنا فإن انحسار الحرب في اليمن بعد الإشارات الإيجابية خلال الجولة الأولى قد يكون مقدمة لانتهاء الحرب خلال العام الجديد ودخول اليمن مرحلة الاستقرار السياسي والأمني، وقد يحدث العكس.
التطورات الدولية وخاصة في الولايات المتحدة والإشكالات التي يتعرض لها الرئيس ترامب مع الكونجرس من ناحية ومع الصحافة والإعلام من ناحية أخرى جعلت المشهد الأمريكي اكثر جدلا في المجتمع الأمريكي فهناك مشاريع قرارات في الكونجرس سواء مجلس الشيوخ أو مجلس النواب الذي سوف تسيطر عليه الأغلبية الديموقراطية بداية العام الجديد.
وعلى ضوء التطورات السياسية داخل الولايات المتحدة والضغوط المتزايدة فان العام الجديد قد يشهد حركة انحسار لعدد من الصراعات الإقليمية وفي مقدمتها الحرب في اليمن والأزمة الخليجية وحتى انتهاء الحرب في سوريا والتوصل إلى حلول في الأزمة الليبية مع الدفع بجهود الأمم المتحدة للعب دور ديبلوماسي أكبر من خلال دور مجلس الأمن الدولي الذي يناقش هذه الأيام مشروع القرار البريطاني بوقف الحرب.

الأزمة الخليجية

الأزمة الخليجية التي اندلعت عام 2017 وصلت إلى مرحلة تستوجب الحل من خلال الحوار بين الأشقاء وقد شهدت قمتا دول المجلس في الكويت العام الماضي وفي السعودية هذا العام مؤشرات سلبية على أن مجلس التعاون الخليجي والذي يعد منظومة مهمة وله من الإنجازات السياسية والاقتصادية والأمنية والتكامل بين مجتمعات دول المنطقة يواجه الآن أخطر أزمة تمر عليه منذ قيامه في مايو من عام 1981 ومن هنا فان حل هذه الأزمة يعد مطلبا استراتيجيا وامنيا لإعادة اللحمة إلى كيان هذا المجلس علاوة على أن استمرار المجلس بوضعه الحالي سوف يجعله يتآكل ويتلاشى مع السنين، كما حدث مع مجالس عربية أخرى كمجلس التعاون العربي والى حد كبير الاتحاد المغاربي وهذا الأخير لا يزال باقيا شكليا.
كل الخلافات السياسية واردة في أي تجمع أو منظومة وهذا الأمر ينسحب علي دول الاتحاد الأوروبي ولعل السجال الكبير حول انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد هو أبرز مثال ولكن من خلال حوار سياسي صعب ومع ذلك فالعلاقات والمشاورات والزيارات مستمرة بين قادة دول الاتحاد وبريطانيا وآخرها قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل.
ومن هنا فان هناك أمل كبير في إنهاء الأزمة الخليجية قبل انعقاد القمه القادمة في ديسمبر من العام القادم خاصة وان المنطقة تواجه تحديات سيو-استراتيجية وهناك قضايا الطاقة والاقتصاد والتنمية الشاملة للمجتمعات الخليجية خاصة للأجيال الجديدة.

دول الأسيان نموذجا

ونحن نتحدث عن الصراعات والحروب في المنطقة العربية نرى دول جنوب شرق آسيا وهي تتجه إلى مزيد من التطور الاقتصادي وإلى حل خلافاتها بشكل هادئ ومن هنا فان النموذج الآسيوي يعد نموذجا ايجابيا، بل ان دول الأسيان تحاول الابتعاد عن الصراعات السياسية حيث التركيز على التقنية واقتصاد المعرفة والاهتمام بالقدرات البشرية والارتقاء بالإنسان، وقد حققت خلال نصف قرن طفرة تنموية كبيره لأنها أدركت أن الحروب والصراعات لا تأتي إلا بالدمار والخراب للمجتمعات خاصة وان دول جنوب شرق آسيا قد شهدت حروبا قاسية لعل اشهرها الحرب في فيتنام والحرب الكورية وفي الفلبين ولاوس وكمبوديا علاوة على اليابان والتي ألقيت عليها أول قنبلة ذرية في التاريخ من قبل الولايات المتحدة.
وخلال نصف قرن اختطت دول الأسيان نموذجا قوامه التنمية المستدامة والتطور الصناعي والتقني والمهارات البشرية رغم افتقارها للمصادر الطبيعية، ولعل ذالك التطور قد حفز العملاق الآسيوي الآخر الصين لتتبع نفس المسار بعيدا عن الأيديولوجيات وها هي الصين تحتل المركز الثاني اقتصاديا في العالم.
العالم العربي بحاجه إلى مراجعة متأنية وصادقه للخروج من الأزمات التي تمت الإشارة إلى بعضها حتى يتحقق التكامل المنشود ويتم استغلال الثروات لصالح تطوير وتقدم الشعوب بدلا من إهدارها في الصراعات والحروب والخلافات.

القضية المركزية

الحروب والصراعات في سوريا واليمن والصومال وليبيا والخلافات بين الدول الشقيقة سوف تنتهي سواء خلال العام الجديد أو خلال الأعوام القليلة القادمة ولكن تظل القضية الفلسطينية وهي قضية العرب المركزية وحتى العالم الإسلامي تواجه أخطارا حقيقية من خلال الخطط والصفقات التي قد يتم الإفصاح عنها خلال الشهور القليلة القادمة، كما أشار إلى ذلك كوشنر مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعلى ضوء ذلك فان الخطوة الأساسية التي لابد أن يشهدها الوضع الفلسطيني هو تحقيق المصالحة الوطنية والتوافق بين الفصائل والقيادات لأن ذلك سوف يكون المدخل الصحيح للإبقاء علي حلم المشروع الوطني الفلسطيني وإقامة الدولة وعاصمتها القدس الشرقية وبدون تحقيق ذلك الالتفاف الوطني سوف يكون ذلك المشروع الوطني مهددا بشكل مباشر.
إن الرهان على بقاء القضية الفلسطينية هو الشعب الفلسطيني الذي يناضل منذ أكثر من سبعة عقود ويحتاج هذا النضال والكفاح اليومي للشعب الفلسطيني إلى وقفة عربية حقيقية وإعادة الروح لهذه القضية والتي لا تزال في ضمير العالم خاصة في افريقيا واسيا وأمريكا اللاتينية وحتى في المجتمعات الغربية.
العام الجديد لابد ان يشهد حركة ديبلوماسية عربية لمحاربة كل مشاريع التسوية المشبوهة ولا شك أن نقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس المحتلة هي أولى الإشارات الأمريكية والإسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية علاوة على الخطوات السلبية الأخرى من واشنطن كقطع المساعدات عن الانروا وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وهي ضغوط لم تنجح على القيادة الفلسطينية. ومن هنا فإن العمل العربي المشترك لابد أن يتوحد لمجابهة الأخطار على الأمن القومي العربي وخاصة في فلسطين وهذا يحتاج إلى استراتيجية موحدة. الجامعة العربية عليها دور كبير كمرجعية عربية وهي من اقدم المنظمات الإقليمية في العالم بل هي اقدم من الأمم المتحدة وبالتالي فان تنشيط دور الجامعة وتطبيق الإصلاحات وإعادة هيكلة وحداتها وإعطائها حركية أكبر سوف يكون مساندا للقضايا العربية في فلسطين وحتى المساهمة في حل عدد من الخلافات العربية. العام الجديد علي الأبواب والمنطقة العربية مثقلة بالصراعات والخلافات وهذا يحتم على العقلاء مراجعة النفس والانتهاء من كل هذه الخلافات وتوحيد الكلمة، لان التحديات خطيرة على الأمن القومي العربي وعلى تلك الدول نفسها. وهذا يحتم النظر بحكمة وتغليب المصالح القومية على المصالح الضيقة وأن يكون الحوار هو سيد الموقف للوصول إلى حلول توفيقية نشهد من خلالها انتهاء آلام الناس في أكثر من دولة عربية. فهل يتحقق ذلك خلال عام 2019؟ الجميع يأمل ذلك.