عمان المستقبل: محركات النمو (3/‏‏6)

يوسف بن حمد البلوشي –
yousufhamad@yahoo.com –

تمر السلطنة بمنعطف يتطلب تحقيق قفزة تنموية نوعية تتيح معالجة أوجه الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد العُماني. بيد أن تحقيق ذلك يحتاج إلى بذل جهود مضنية من قِبل الجهات المعنية بتنفيذ استراتيجية التنمية، والتي قد تواجه صعوبة بالغة بسبب سرعة تجدد الأولويات.
تمثل قضية -اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب- حجر الزاوية في نجاح المساعي للوصول إلى تنمية مستدامة في عُمان.
ولتحقيق التوازنات، والقضاء على الاختلالات الهيكلية المعروفة في القطاع الإنتاجي والقطاع المالي وسوق العمل، نجد أهمية إيجاد بيئة أعمال ملائمة وقادرة على تشغيل محركات النمو في المستقبل، وعلى رأسها الموارد البشرية الوطنية المزودة بالمهارات.
ومن محركات النمو في المستقبل: الشركات الحكومية وشبه الحكومية، والاستثمار الأجنبي المباشر المصحوب بالتقنية الحديثة والمعرفة الفنية والأسواق، والشركات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني، والجامعات، والمناطق الصناعية والاقتصادية، والموقع الجغرافي الفريد والموانئ البحرية والجوية والبرية، القطاعات الاستراتيجية، وأهمية تفعيل الشراكة بين القطاعين الخاص والعام، وغيرها من المحركات.
ومن المأخوذ على التجربة التنموية العمانية أن الغالبية العظمى من محركات النمو -باستثناء قطاع النفط- تعمل بأقل بكثير من إمكانياتها الحقيقية، حيث نجد أن الموارد الطبيعية في السلطنة تنقسم بشكل عام حسب الاستغلال إلى ثلاث مجموعات: «غير مستغلة»، أو «مستغلة بشكل جزئي»، أو «مستغلة بطرق خاطئة». إلا أن هذه المحركات وإن تعددت لا يمكن الاستفادة منها ما لم تتم معالجة الاختلالات الهيكلية الحالية وإعادة ترتيب الأوراق بشكل مناسب، وتمهيد الأرضية المناسبة للاستفادة من هذه المقومات وإطلاق محركات النمو المختلفة. وأيضا أهمية غرس ثقافات جديدة لتحقيق نتائج جديدة مثل ثقافة العمل والادخار والاستثمار وتعزيز كفاءة استهلاك الطاقة وريادة الأعمال، وغيرها. ونؤكد على أن التنمية الاقتصادية ذات أبعاد مترابطة، وإن كان يشوبها قدر من التعقيد والحساسية، وتتطلب مراعاة العديد من الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك خصوصية المجتمعات. والاقتصاد العماني يمتلك العديد من مقومات التنوع والتكامل بحكم الموارد الطبيعية التي تزخر بها السلطنة، وترافقها مع عناصر العمق الحضاري والأمن والاستقرار والخبرات المتراكمة من خلال خطط التنمية الخمسية عبر أكثر من أربعة عقود، وفوق كل ذلك قيادة ملهمة حكيمة تضع في أولويات مهامها إحداث تحول جذري في سياق تنمية مستدامة للجيل الحالي والأجيال القادمة.
ولا شك أن الاستمرار في الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي لتمويل خطط التنمية، يحمل في ثناياه مخاطر كبيرة قد تؤدي إلى تداعيات سلبية لا تحمد عقباها لخطط التنمية لعدة أسباب مترابطة يتمثل أحدها في ارتباط أسعار النفط بالتقلبات السياسية التي يشهدها العالم وما أكثرها، وسبب آخر ربما يغفل عنه الكثير من المهتمين بقضايا التنمية، ويتمثل في احتمال أن تصبح الأسعار أقل من تكاليف الاستخراج حتى لو كان لدى الدولة احتياطي كبير من النفط. وذلك بالإضافة إلى التقدم التقني في مجال الطاقة المتجددة وكذلك ظهور النفط الصخري/‏‏ الأحفوري بتكلفة مناسبة.
من هنا، تكون الضرورة قائمة للبحث في آليات التنويع الاقتصادي من أجل تحقيق تنمية مستدامة ومتوازنة.
هناك من يرى أن الأزمة الحالية المترتبة على انخفاض أسعار النفط تمثل فرصة مواتية لتصحيح الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني، مع التأكيد على ضرورة أن تتميز الرؤى والاستراتيجيات والخطط المناسبة بالمرونة والديناميكية، وأن يكون هناك اعتقاد راسخ بأن اندماج الاقتصاد الوطني في الاقتصاد العالمي يوفر العديد من المزايا الإيجابية، شريطة أن يتم ذلك وفقًا لمنهج علمي مدروس.
إن التعرف على التغيرات والأحداث الاقتصادية التي مر بها الاقتصاد العماني تظهر بوضوح مدى تطور الفكر التنموي العماني في كافة المجالات الاقتصادية، سواء كانت في شكل آراء وأفكار ونماذج صيغت لتحديد سياسة معينة لتحقيق التنمية الاقتصادية، كما تظهر كذلك مدى تطور الأداء في كافة المجالات الاقتصادية.
إن استعراض مسارات التطور التي اعتمدتها الدول المتقدمة تؤكد على حقيقة أن ذلك التطور لم يكن وليد الصدفة، وإنما جاء عبر مراحل تخللتها إخفاقات إلى أن وجدت مسارها الصحيح.
ويؤكد الكتاب على أن إدارة عملية التحول تحتاج إلى مؤسسات رائدة تضع سياسات واضحة لتسهيل النمو والتنمية، حيث إن إدخال بعض التحسينات على أداء بعض القطاعات يُعد أمرًا حسنًا، ولكنه غير كاف، إذ أن ثمة حاجة إلى عملية تحول جذري في أسلوب العمل التقليدي الحالي، وذلك لتعظيم الاستفادة من الإنجازات المتحققة على مختلف الأصعدة، والتي تحتاج إلى الكثير من الابتكار والجسارة في استخدام أدوات وأساليب جديدة كانت غير معهودة أو كانت تستخدم في إطار محدود.