نوافذ : صناعة الإبداع

سالم بن حمد الجهوري  –
salim680@hotmail.com –

استطعنا أن نبدأ خطوة مهمة جدا في المسار العلمي، الذي كثيرا ما نادى البعض خلال السنوات الماضية بضرورة أن يبدأ، وهي خطوة لا تقل في أهميتها عن احتياجنا للماء والهواء كبشر، وهي أكثر من رائعة كانت الحاجة لها ملحة جدا منذ 20 عامًا، تتمثل البدء في تنفيذ البرنامج الوطني لتنمية المهارات، المرحلة الثانية من مسار الشباب.
اجتمعت يوم السبت الماضي أفكار 600 شاب وشابة من مختلف المحافظات لتصفيتها تحت إشراف 100 خبير عالمي، إلى 100 فكرة تأهلت إلى المرحلة الثانية من هذا المشروع الذي ينتظر أن تتحول كل أفكاره إلى واقع كمنتج يمكن الاستفادة منه، والذي يعد الأضخم لمشاريع التقنية الناشئة.
الأهداف كبيرة من إقامة هذه الخطوة، لعل أبرزها غاية استراتيجية، وهي أن تستفيد السلطنة من الأفكار الإبداعية التي ستضيف قيمة للاقتصاد الوطني، والثاني أن السلطنة بها من العقول المبتكرة ما بها من جميع المحافظات، ومن الأهمية أن تستثمر هذه العقول لخدمة المجتمع والبشرية، ثالثا إيجاد بيئة تنافسية ومزدهرة بين الشباب والشابات في تطوير أحلامهم إلى واقع، ورابعا أن هذه المشاريع سوف تصنع فارقًا في تطور السلطنة خلال الخمسين عاما المقبلة، وخامسا يمثل هذا ترجمة لاستثمار تقنيات الثورة الصناعية الرابعة وتوطينها، وسادسا إطلاق العنان للأفكار التي لدى هذه الفئة من الشباب والفتيات إلى آفاق أكبر.
هذه الأفكار المبدعة ستمثل فارقًا مهمًا في مستقبل عمان ولعلها القاطرة التي كنا ننتظر تحركها منذ فترة والتي بدأت في المسير، لأن الرهان على استثمار الثورة الصناعية أصبح التحدي الأكبر للأمم في كل ميدان، وأصبح أن تكون أو لا تكون على الخارطة الأممية، ولأن الأمم اليوم أصبحت أمام مرحلة جديدة من التحول، ولعل الهند تعد من أكبر الدول التي استطاعت أن تستثمر كوادرها في البرمجيات التقنية، وأصبح العديد من مبدعيها على رأس أهم المؤسسات الدولية، ناهيك عن الصين التي تمكنت خلال 20 عاما من التركيز على صناعة البرمجيات والميكانيكا والتطور التقني في شتى المجالات إلى جانب تايوان وكوريا واليابان والعديد من النمور الآسيوية.
مصير الأمم اليوم يرتهن إلى قدرتها العلمية، ومن ليس له هذه القدرة، ليس له مستقبل فيها وسيجد نفسه خارج التنافسية الدولية لأن التطور لن ينتظر أحدا، ومن لم يستطع تطوير إمكانياته البشرية عبر هذه البرامج الوطنية لن يتمكن من البقاء، ومن لم يستطع استثمار العقول النيرة التي لدية، التي تمثل كنوزا أغلى من آبار النفط وحقول الغاز فإنه سيبقى يعتمد على الآخرين وينتظر منهم الفرج.
أبناؤنا لا تنقصهم الهمة والعزيمة وروح التحدي وتحصيل المعارف والعلم والقدرة على الإبداع والابتكار وعلى استثمار ما لديهم من إمكانيات، ما ينقصهم هو الأخذ بيدهم وقدح شرارة الإبداع لديهم وإسنادهم، وتوفير البيئة الحاضنة لهم، والأخذ بقدراتهم وتطويرها من خلال الشركات الدولية المتخصصة في قطاعات التعليم والصحة والسياحة والثروة السمكية والنفط والاتصالات والتعدين وهي كلها ركائز لعمل الحكومة واحتياج يومي للمواطن.
التطلع إلى وجود مرجعية أكبر لهذا المشروع كوجود وزارة مستقلة تستطيع أن تضع كل تصوراتها وخططها وأهدافها ومرئياتها لتمثل قاطرة تحول عمان نحو المستقبل الذي تتسارع التغيرات فيه كل لحظة، وتحدد ماذا نريد في كل مرحلة زمنية وكيفية تحقيق ذلك، الأمر يتجاوز الآن هذه المرحلة التي يقدر فيها لديوان البلاط السلطاني هذه الخطوة الكبيرة الرائعة التي حظيت بدعم ورعاية مباشرة من المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم إيمانا منه بأهمية أن نكون ضمن هذا المستقبل.
لأننا أمام مرحلة أكبر وتحد أعظم مما يراه البعض ولأن هذه الكوكبة التي ستحدد مسار عمان في العقود المقبلة يفترض أن تكرس كل جهدها نحو تطوير المجتمع واحتياجاته من التقنية واستثمارها وتصديرها، ولعل أول المؤشرات على إبداع أبنائنا أن نجاحهم في التصفيات الأخيرة بلغ 74% ليتجاوز النجاح العالمي الذي هو عند مؤشر 60%.