حسابات القوة والحرب المؤجلة

د.صلاح أبو نار –

وفقا للورقة التي نشرها مركز بيجن فإن قرار مجلس الأمن 1701 لسنة 2006، استهدف وضع أسس تسوية الحرب الإسرائيلية اللبنانية واستعادة الدولة اللبنانية لسيادتها على امتداد البلاد، ونزع سلاح الجماعات اللبنانية المسلحة ومنها حزب الله.
في الرابع من ديسمبر أطلقت إسرائيل ما دعته عملية «الدرع الشمالي»، على حدودها اللبنانية جنوب الخط الأزرق. وللمرة الأولي منذ نهاية حرب 2006 اللبنانية – الإسرائيلية، تركز الانتباه على الشريط الحدودي بين البلدين، وأخذت التساؤلات تتوالى. فما الذي حدث بالضبط في تلك المنطقة؟ وما هي السياقات الأساسية التي ساهمت في تشكيل هذا الحدث ؟ وبماذا تخبرنا الوقائع والسياقات عن أهداف التحرك الإسرائيلي؟ وهل ستقف عند حدود الأهداف المعلنة؟ أم أنها مقدمه لأهداف أخرى أوسع نطاقا؟
فلنبدأ بالسؤال: ما الذي حدث بالضبط؟ لدينا هنا ثلاث ملاحظات. أولها يتعلق بالتوقيت. لا يمثل الرابع من ديسمبر أكثر من تاريخ الإطلاق الإعلامي لعملية «الدرع الشمالي». والأمر المؤكد أن أطلاقها الفعلي بما صاحبها من انتشار عسكري سابق على هذا التاريخ، وأن المعلومات والقرارات بشأن الأنفاق كانت متداولة داخل المؤسسات الإسرائيلية خلال نوفمبر. يذكر المعلق الإسرائيلي بن جاسيت في دورية « المونيتور»، أن قرار التصدي للأنفاق عرض على مجلس الوزراء في 7 نوفمبر، وان نتانياهو أشار للمشكلة ضمنيا في خطابه بتاريخ 18 نوفمبر. وأضاف إن القرار كان احد عومل الأزمة التي دفع بليبرمان خارج وزارة الدفاع، لأنه كان يضع الأولوية لحملة شاملة ضد غزة، بينما كان نتانياهو ومعه رئيس أركان الحرب يضعان الأولوية للتصدي لخطر الأنفاق.
وثانيها يتعلق بمدى معرفة إسرائيل لحقائق الموقف قبل إطلاق العملية. خلال أسبوع فقط من إطلاق عملية هدم النفق الممتد من أسفل احد منازل قرية كفر كيلة اللبنانية إلى شمال مدينة ميتولا الإسرائيلية وبطول 40 مترا داخل إسرائيل، أعلنت إسرائيل عن اكتشاف نفقين آخرين، وعلى هامش الإعلان نفسه صرح مصدر عسكري إسرائيلي بأن إسرائيل تعرف بوجود أنفاق أخرى. فهل حدث هذا فعلا؟ أم أن إسرائيل كانت تعرف كل المعلومات من قبل؟. يصعب الإجابة. ولكن بن جاسيت في المصدر نفسه، يشير إلى أن إسرائيل اكتشفت أمر الأنفاق، بفضل تكنولوجيا حديثة تكشف عنها طورتها تحت تأثير فزعها من تكرار خبرة أنفاق غزة، علاوة على دور النشاط الاستخباري التقليدي داخل لبنان. الأمر الذي يرجح توفر كل المعلومات من فترة طويلة.
وثالثها يتعلق يتعلق بالأسلوب السياسي الذي استخدمته إسرائيل لمعالجة الموقف. نلاحظ أمرين.الأول استخدامه لتحقيق أقصي تعبئة دعائية لصالح إسرائيل علي المستوي العالمي، عبر إظهارها بمظهر دفاعي. وظهر ذلك في إشراك اليونيفيل رسميا في كشف الأنفاق، وإرسال وفد عسكري على أعلى مستوى لشرح الأمر لموسكو، وذهاب نتانياهو إلى بروكسل خصيصا لمقابله وزير خارجية أمريكا للتنسيق معه، والتقدم بشكوى لمجلس الأمن، واصطحاب نتانياهو لمجموعة من سفراء الدول الكبرى في زيارة لموقع الأنفاق. والثاني الانضباط العسكري الشديد في معالجة الموقف. فرغم إرسالها لوحدة كوماندوز ولوائين ووجود دعم طيران وخدمات استخبارية قبل الإطلاق العملية، ومع إطلاق نتانياهو لتهديدات صريحة بأن أي عمل مضاد سيواجه بصرامة، ظلت العملية في حدود الإزالة الهندسية للأنفاق، حريصة على تجنب الاحتكاك بالقوى اللبنانية، مكتفية بهدم الجزء الموجود داخل إسرائيل دونما عبور الحدود لهدمه على الجانب اللبناني، تاركه المهمة لليونيفيل أو مكتفية بزرع الغام دونما هدمه. وحتى في حالات تخطي القوات الإسرائيلية للخط الأزرق، حدث ذلك في الجيوب المعروف أنها كانت ضمن الحدود الإسرائيلية، وجعلها الخط الأزرق على الجانب اللبناني لأسباب هندسية.
ماهي دلاله العناصر الثلاثة ؟ تعني أن مشكلة الأنفاق غالبا قديمة، وأن إسرائيل اكتشفتها من فترة ليست قصيرة، و يرجح أنها كانت تحت سيطرتها الكاملة، ومن المحتمل أن حزب الله الذي تتهمه إسرائيل بحفرها أدرك مبكرا بدوره انكشاف أمرها. والأهم أن إسرائيل قررت كشف أمرها الآن لأسباب سياسية.
ويقودنا سؤال الحدث إلى سؤال سياقاته السياسية. ويمكننا رصد أربعة سياقات تساهم في تشكيل الحدث.
يتمثل الأول في السياق اللبناني، الذي يمنحنا الجنرال جيرشون هاكوهن الباحث الإسرائيلي الذي خدم لسنوات طويلة في الجيش الإسرائيلي، مثالا جيدا للرؤية الإسرائيلية له في ورقة نشرها مركز بيجن – السادات بعد أيام من إطلاق العملية.
وفقا للورقة استهدف قرار مجلس الأمن 1701 لسنة 2006، الذي وضع أسس تسوية الحرب الإسرائيلية اللبنانية استعادة الدولة اللبنانية لسيادتها على امتداد البلاد، ونزع سلاح الجماعات اللبنانية المسلحة ومنها حزب الله. لكن حزب الله استطاع التكيف مع نتائج الحرب، ولم يتمكن فقط من الاستمرار كجماعة مسلحة مستقلة، بل نجح أيضا في تطوير قوته العسكرية، وتوطيد وجودة السياسي داخل مؤسسات الدولة المركزية، وتأسيس تحالفات قوية ومسانده مع القوى المسيطرة عليها. وتستخلص الورقة النتيجة التي تراها المؤسسة العسكرية: يجب إنهاء هذه الازدواجية، عبر استراتيجية جديدة تجاه لبنان، مصحوبه بضغط دولي موجه للحكومة اللبنانية، ولغه حاسمة مفهومة تحذر بوضوح من نتائج كارثية لحرب قادمة مع حزب الله.
وسنجد السياق الثاني في الحرب الأهلية السورية، وما يهمنا في هذا السياق أساسا علاقته بحزب الله. سحبت الحرب السورية الحزب من الساحة اللبنانية لسنوات، ولكن مع انتهاء الحرب والتسويات الحتمية التالية عليها سيعود حتما الجزء الأعظم من قوات الحزب إلى قواعده اللبنانية.
وهذا ما تتحسب له إسرائيل. فلقد ازداد عدد مقاتليه، واكتسبوا خبرات قتالية عالية ومتنوعة. ولكن اهم التطورات من المنظور الإسرائيلي شهدته ترسانته الصاروخية. وفقا للمصادر الإسرائيلية كميا ازداد ما لديه من صواريخ من 15000 في 2006 إلى 150000 الآن، وكيفيا اصبح لدية صواريخ طويلة المدى بعضها قدراته التصويبية دقيقة.وبخلاف ذلك تزعم ذات المصادر نجاح الحزب في تأسيس منشآت لتطوير صواريخ دقيقة التوجيه. وبعض التطورات مثل النمو الكمي والخبرات الجديدة و امتلاك الحزب لصواريخ بعيدة المدي، حقيقية لكنها لا تشكل تهديدا لإسرائيل بأي معنى حقيقي. ولكن بقية أبعاد تطور قدرات الحزب الصاروخية، يصعب قبولها في صيغتها الإسرائيلية. إلا أن هناك دوائر مسيطرة داخل المؤسسات الإسرائيلية اليمينية الحاكمة، تبالغ وتصور صواريخ الحزب خطرا ماحقا، وتصدر الصورة للعالم الخارجي.وهكذا يتحدث جنرال إسرائيلي لمجموعة الأزمات الدولية، مصورا حزب الله قادرا على إطلاق مائة صاروخ يوميا لمدة مائة يوم متواصلة، لن تصمد أمامها قبه إسرائيل الحديدية. وهكذا خاطب نتانياهو الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي ملوحا بخرائط توضيحية، قائلا: إنها لثلاثة مواقع سرية لتطوير الصواريخ أقامها الحزب بالقرب من مطار بيروت. وبعد ثلاثة أيام اصطحب وزير خارجية لبنان، وفودا صحفية إلى نفس المواقع فلم يجدوا شيئا.
والسياق الثالث إسرائيلي داخلي. يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي الآن داخليا ثلاث مشاكل. تدهور مصداقيته السياسية مع تطور إجراءات إحالته للقضاء بدعاوى انحرافات مالية. وتفكك التحالف الحاكم انتهي به بعد انسحاب حزب إسرائيل بيتنا إلى الحكم بأغلبية صوت واحد في الكنيست.وأزمة إدارة الصراع مع غزة التي تجسدت سافرة في عملية نوفمبر الاستخبارية الفاشلة. وهكذا يبدو افتعال أزمة خارجية مناسبا لتفكيك الضغوط الداخلية. وهو رأي منتشر داخل إسرائيل. يفيد قياس للرأي العام الإسرائيلي أن 58% يرون مبالغة نتانياهو في تقدير المخاطر الأمنية، لينجو من الانتخابات المبكرة ويحافظ على تحالفه الهش. وقال يؤيل حسون عضو الكنيست: «هل هي عملية الدرع الشمالي؟ أم عملية درع نتانياهو؟». وقال شلومو افينري عالم السياسة الإسرائيلي المرموق للنيويورك تايمز: «تقدمت مسألة الانفاق بشكل مبالغ فيه، كجزء من توظيفها لصالح نتانياهو سياسيًا، وتحويل الأنظار عن عمليته السرية الفاشلة في غزة».
وهناك سياق رابع وأخير يتعلق بالحركة في اتجاه التسوية السياسية. وهنا لدينا ملاحظتين. وفقا لتصريحات صدرت أواخر نوفمبر عن سفير أمريكا في الأمم المتحدة، أضحت خطة «صفقة القرن» جاهزة للطرح، والمتوقع طرحها سريعا أوائل العام الجديد استباقا لمناخ انتخابات نوفمبر النيابية الإسرائيلية. وأخذت كرة الثلج التي ألقاها ترامب في التضخم، مع قرار الرئيس البرازيلي الجديد نقل سفارة البرازيل للقدس، ومناقشة مجلس الوزراء الأسترالي لقرار مماثل، وقرارات مماثلة تختمر في بلدان أخرى. وبلا شك يمثل هذا السياق سياقا حيويا يفرض مقتضياته على صانع القرار الإسرائيلي.
كيف يمكننا فهم أهداف عملية الدرع على ضوء التحليل السابق؟ يخبرنا السياقان الأول والثاني أن لدى اليمين الإسرائيلي الحاكم، رغبة مسيطرة لإصلاح ما يتصوره تحولا في موازين القوي مع حزب الله وتحديدا الصواريخ. إلا أنه يعي أن تحويل الرغبة إلى قرار، يتطلب ظروفا عامة غير متوفرة، وخاصة لا تتيحها طبيعة حادث الأنفاق. ثم يأتي السياق الثالث لكي يدفع بالأمر صوب الواجهة، ولكن بحساب وبأسلوب مسرحي يستهدف التوظيف السياسي الداخلي والدولي. ثم يدخل السياق الرابع ليمارس كبحا إضافيا علي تلك الرغبة، ويفرض التهدئة واللجوء إلى قنوات الضغط الدولي. ويفسر لنا ما سبق الخصائص الثلاث التي رصدناها للحدث، أي الإعلان المتأخر والمسرحي عنه، وتوظيفه للتعبئة الدولية، والانضباط العسكري.
إلا أن ذلك لا يعني الإحجام عن متابعة الهدف الاستراتيجي. فهو قيد المتابعة ولكن ليس من خلال حرب شاملة، بل من خلال ضربات محدودة ضد مواقع معينه علي غرار الضربات التي وجهت لمواقع الحزب في سوريا، ويبشر حديث نتانياهو أمام الجمعية العامة بخطوات من هذا النمط.