مجلس الأمن .. ومستقبل الصراع الإسرائيلي اللبناني

إميل أمين –

قبل الدخول في عمق التحليل ربما يتوجب علينا الإشارة إلى مسألة واقعية وهي أن الترسانة العسكرية الإسرائيلية، وكما يعلم القاصي والداني لديها من الإمكانيات الكبيرة والخطيرة ما يكفي ويزيد للمواجهة مع حزب الله.
وقت ظهور هذه الكلمات للنور يكون مجلس الأمن الدولي في طريقه لبحث احدث إشكالية تسبب فيها حزب الله للبنان ويمكن ان تقود الى الصراع المسلح من جديد مع إسرائيل ، وذلك بعد الكشف عن وجود أنفاق من الحدود الجنوبية اللبنانية تصل الى داخل اسرائيل وتخطط جماعة حزب الله لاستخدامها في التحضير لهجومات في قلب الأراضي الاسرائيلية حال القارعة.
كيف بدأت الإشكالية مؤخرا والى أين تمضي وهل ستقود الى مواجهة عسكرية جديدة يدفع ثمنها لبنان من هدوئه وراحة باله سيما وان اسرائيل قد بدأت بالفعل آليات عملية درع الشمال ؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في السطور القادمة.
بدأت القصة الجديدة مؤخرا من خلال إعلان اسرائيل اكتشافها لأنفاق جديدة أقامها حزب الله، تصل الى عمق الأراضي الاسرائيلية ، الأمر الذي أكدته قوات اليونفيل كذلك التي أشارت الى وجود نفق ثان قرب الخط الأزرق الذي يفصل لبنان عن اسرائيل، وفي وقت سابق أعلنت القوة الأممية في جنوبي لبنان اكتشاف نفق في الجانب الاسرائيلي من الحدود قرب الخط الأزرق بعد يومين من بدء الجيش الاسرائيلي عملية لتدمير أنفاق بالمنطقة.
هل هي الحرب الجديدة القادمة بين تل ابيب وحزب الله في الجنوب اللبناني؟
السؤال المتقدم شغل عددا من المراكز البحثية الكبرى حول العالم ومنها معهد بروكنجز للأبحاث الشهير في واشنطن، والذي قدم في سبتمبر الماضي وقبل الكشف عن قضية الأنفاق ورقة بحثية عن احتمالات الحرب وفرص السلام بين لبنان واسرائيل للباحث المعروف « دانيال بايمان ».
نقرا في أوراق بروكنجز كيف أن حزب الله واسرائيل يتنازعان بانتظام، وقد كانت آخر مجابهة عسكرية بين الطرفين في عام 2006 والجميع يتذكر كيف ان حسن نصر الله أبدى لاحقا أسفه الشديد من جراء قيادته لبنان الى حجم الخسائر الكبيرة التي جرت بها المقادير في ذلك الصيف القائظ ، ولكن بعد أن كان أوان الندم قد فات. والشاهد ان حزب الله وفي الأعوام الأخيرة التي اندلعت فيها أحداث العنف والشغب في الداخل السوري ما أدى الى حرب أهلية طاحنة ضروس تدور رحاها حتى الساعة، قد وسع من تدخلاته الإقليمية، ومن جانبها فان اسرائيل لم تقف مكتوفة الأيدي بعد، ففي السنوات التي تلت اندلاع الحرب في عام 2011 ، قصفت اسرائيل مستودعات أسلحة لحزب الله وعناصر تابعة له في سوريا، فيما تفاخر حزب الله بإسقاطه مقاتلة اسرائيلية من طراز اف 16 …مرة جديدة هل هذه هي إرهاصات الحرب بين الجانبين ؟
الثابت أن عيون الاستخبارات الدولية لا سيما الأمريكية ترصد وبتقنيات وتحليلات عالية المستوى ما يدور في تلك المنطقة المشتعلة، ولهذا يحذر مؤخرا مسؤول كبير في الاستخبارات الأمريكية من ورود احتمال فعلي بأن تندلع حرب بين اسرائيل وحزب الله ومن أن حربا كهذه قد تجر ايران وغيرها من القوى الإقليمية إليها ، وتقول المحللة الأمريكية « مارا كارلين » إن الحرب « شبه حتمية » وان السؤالين الفعليين هما كيف ستندلع شرارة الحرب واين، وليس ما إذا ستقع الحرب، ومن جانبه فان أمين عام حزب الله حسن نصر الله أيضا يحذر من ان اسرائيل تشكل خطرا دائما على لبنان وحزب الله .
هل ترى اسرائيل انه الوقت القيم الذي لا بد لها فيه من ان تواجه حزب الله ؟
المؤكد ان أحاديث الحرب التي ترتفع مؤخرا تتزامن مع بدء نهايات الحرب في سوريا وعودة الآلاف من مقاتلي حزب الله الى بلداتهم في البقاع والجنوب اللبناني، ولا ينكر احد أن الحرب السورية قد أعطت المقاتلين هناك خبرات جديدة وكبيرة، فقد انتقلوا بالفعل من مرحلة تخطيط العمليات الدفاعية الى إدارة الحروب الجديدة، عبر مختلف الأسلحة البرية والبحرية والجوية لا سيما الصاروخية منها، وربما هذا هو اكثر موضوع يقلق اسرائيل وهي تعلم تمام العلم أن لدى حزب الله ترسانة صاروخية كبرى سواء من إنتاج خبرائه او تلك التي استطاع نقلها من ايران وسوريا الى داخل الأراضي اللبنانية.
يتساءل الخبراء العسكريون هل سيناريو العالم 2006 قابل للتكرار مرة اخرى في لبنان ؟
المؤكد ان حزب الله قد امتلك في الفترة الماضية أسلحة متقدمة عديدة، والسبب في ذلك حالة الانفلات والسيولة التي جرت بها المقادير بالنسبة لأسواق السلاح حول العالم وفي الشرق الأوسط بنوع خاص، وعليه فانه من المفترض ان يتواجد لدى مقاتلي الحزب أسلحة غالبا ستكون اكثر تقدما من صواريخ « كورنيت » المضادة للدروع ، تلك التي منعت تقدم دبابات « ميركافا » الإسرائيلية برا ، وبات من المحسوم أن لدى الحزب أيضا صواريخ ارض- بحر، قادرة بشكل او بآخر على تحييد سلاح البحرية الإسرائيلية، وصولا الى فرض حصار بحري على الموانئ الإسرائيلية … هل يترك لنا ذلك مجالا للتنبؤ بما يمكن ان تقوم به اسرائيل في المقابل ؟
الجواب يأخذنا ولاشك في طريق اكثر اثارة وربما يتجاوز مقدرات حزب الله نفسه الى الوصول لإيران ، سيما وان خيار الحرب يكاد من على البعد يبدو جزءا من مداولات التسويات المفروضة في المنطقة ، واستخدم العصا الغليظة ضد حزب الله لدفع ايران على التفاوض.
على انه قبل الدخول في عمق التحليل ربما يتوجب علينا الإشارة الى مسألة واقعية وهي ان الترسانة العسكرية الاسرائيلية وكما يعلم القاصي والداني لديها من الإمكانيات الكبيرة والخطيرة ما يكفي ويزيد للمواجهة مع حزب الله وإنهاء الصراع بشكل ساحق ماحق حال أرادت المؤسسة العسكرية ذلك عبر فتح الاوركسترا الحربية لإنهاء المشهد وهو سيناريو يبقى واضحا على الدوام في عيون القيادة الاسرائيلية .
تقول بعض التحليلات العسكرية انه رغم رفض الولايات المتحدة طلب اسرائيل، فرض عقوبات على لبنان والجيش اللبناني حتى يتحملا مسؤولية أنفاق حزب الله التي أكدت قوات اليونيفيل وجودها، ورغم تأكيد اسرائيل عبر رسائل أمريكية الى الرئيس اللبناني ميشال عون انه ليست لديها نوايا عدائية تجاه لبنان، إلا أن الجميع يتحدث عن التسويات القادمة للمنطقة وكيف أنها لن تستثني خيار التصعيد العسكري في لبنان لدفع ايران إلى العودة الى طريق التفاوض في ما يخص الملف السوري ، حيث حصلت اسرائيل على الضوء الأخضر لاستخدام القوة النارية في معرض البحث عن تسويات كبرى تطال كامل الملف الإيراني في الشرق الأوسط ، وان هذا الضوء وان كانت أمريكا تباركه على الدوام، فان الجديد هذه المرة هو ان روسيا بدورها تدعمه سيما وان نتانياهو قد استطاع إقناع الروس بالخطورة التي يمثلها حزب الله في الوقت الحاضر، وذلك على الرغم من التوتر الذي ساد العلاقات الروسية الإسرائيلية اثر حادث سقوط طائرة عسكرية روسية في مياه اللاذقية في سبتمبر الماضي .
على أن هناك نقطة مثيرة للانتباه وهي انعكاسات أزمة الأنفاق على الداخل الاسرائيلي اذ تتحدث بعض المعلومات عن ان الحملة التي أطلقتها اسرائيل لكشف الأنفاق الخاصة بحزب الله داخل المناطق الشمالية ، لا تخضع فقط لأجندة نتانياهو السياسية الداخلية، وتكشف المعلومات ان المؤسسة العسكرية الاسرائيلية ليست طيعة في الالتحاق بأهواء رئيس الوزراء او تقديم خدمات لحمايته ، بل إن أجهزة المخابرات العسكرية الاسرائيلية تملك من المعلومات ما يجعلها تبادر الى الدفع لاتخاذ التدابير العسكرية الملائمة.
هل لدى اسرائيل نوايا بعينها تجاه لبنان ؟
الشاهد ان رئيس الوزراء نتانياهو قد أثار اكثر من مرة مسألة وجود مصانع لتطوير الصواريخ في لبنان،كوجود مثل هذه المصانع والمستودعات بالقرب من مطار بيروت الدولي، ولئن اصطحب وزير الخارجية اللبناني « جبران باسيل» السفراء الأجانب في لبنان لاطلاعهم على خلو منطقة المطار من أي مواقع عسكرية، إلا ان تل ابيب تراكم الملفات لدى المحافل الدولية، وتحضر البيئة الدولية لاحتمال اضطرارها للقيام بعملية عسكرية لحماية امنها الاستراتيجي .
هل سيضحي اجتماع مجلس الأمن الدولي غدا الأربعاء حاسما في مسار الأزمة ؟
المؤكد انه لو خلص المجتمع الدولي الى قرار يدين لبنان لانتهاكه قرار مجلس الأمن رقم 1701 ، فان ذلك يعني تمهيد الطريق لاحقا الى اكتساب شرعية لشن حرب ضد البنية التحتية العسكرية لحزب الله الأمر الذي يعني تعقد مشهد الشرق الأوسط وما وراءه الى اجل غير مسمى.