سياسة حافة الهاوية

د.أحمد سيد أحمد –

التصعيد على الحدود الإسرائيلية اللبنانية يحمل تداعيات خطيرة لأن الحكومة الإسرائيلية تنتهج سياسة حافة الهاوية، أي إطلاق التهديدات السياسية والعسكرية ضد حزب الله وحشد القوات على الحدود والتهديد بحرب شاملة ضد الحزب وتدمير قدراته، قد تتحول لحرب حقيقية.
في تصعيد خطير ينذر بعودة أجواء الحرب السابقة بين إسرائيل وحزب الله عام 2006،تلوح في الأفق نذر حرب جديدة على الحدود اللبنانية مع تزايد الخطاب السياسي الإسرائيلى من جانب رئيس الوزراء بنيامين نيتانياهو والمسؤولين الآخرين بإطلاق تهديدات ضد حزب الله اللبناني بحجة قيام الحزب بحفر أنفاق على الحدود وقيام القوات الإسرائيلية بتدمير بعض هذه الأنفاق وشن حملات على القرى اللبنانية المتاخمة للحدود،وفي المقابل رد حزب الله برفض الاتهامات الإسرائيلية وبقدرته على مواجهة أي عدوان على لبنان، كما نفت الحكومة اللبنانية وجود أية أنفاق على الحدود وفندت الادعاءات الإسرائيلية.
التصعيد على الحدود الإسرائيلية اللبنانية يحمل تداعيات خطيرة لأن الحكومة الإسرائيلية تنتهج سياسة حافة الهاوية، أي إطلاق التهديدات السياسية والعسكرية ضد حزب الله وحشد القوات على الحدود والتهديد بحرب شاملة ضد الحزب وتدمير قدراته، قد تتحول لحرب حقيقية.
التصعيد بين إسرائيل وحزب الله لا يعني اندلاع حرب أو مواجهة مباشرة لعدة أسباب:
أولها: من الصعب على إسرائيل أن تدخل حرب جديدة ضد حزب الله ولبنان في ظل الأزمة الداخلية التي تواجهها الحكومة الإسرائيلية والاتهامات بالفساد لرئيس الوزراء نتانياهو وإصدار عدد من مذكرات التحقيق ضده من قبل الشرطة، إضافة إلى الانقسام في الحكومة الإسرائيلية خاصة بعد استقالة وزير الدفاع أفيجدور ليبرمان وتولي نتانياهو وزارة الدفاع إلى جانب رئاسة الوزراء، ولذلك يسعى نتانياهو إلى زيادة حدة التصعيد مع حزب الله والتضخيم من التهديدات التي يشكلها الحزب ضد أمن إسرائيل،ومنها الأنفاق التي أعلن عنها،في محاولة للخروج من الأزمة الداخلية وتوجيه الرأي العام إلى الخطر الخارجي المتمثل في حزب الله،لحشد الدعم الداخلى له وتجاوز التحديات السياسية التي يواجهها وتقوية موقفه في معركته مع أحزاب المعارضة،وفي ذات الوقت تفادي الانزلاق إلى مواجهة عسكرية فعلية مع حزب الله.
ثانيها: تكلفة الحرب الإسرائيلية على لبنان وحزب الله ستكون باهظة للحكومة الإسرائيلية،فمن الناحية العسكرية فإن حزب الله استطاع تطوير قدراته العسكرية بشكل كبير خلال العشر سنوات الأخيرة،خاصة في مجال الصواريخ التي يمتلك منها أكثر من مائة ألف صاروخ،إضافة إلى تزويد إيران للحزب بقدرات عسكرية وصواريخ متقدمة وهو ما يزيد من صعوبة حسم المعركة عسكريا لصالح إسرائيل،رغم القدرات العسكرية الهائلة التي تمتلكها،وبالتالي تكرار سيناريو 2006،حيث رغم الدمار الذي لحق بلبنان وبقدرات حزب الله،إلا أن إسرائيل لم تنتصر عسكريا وتكبدت خسائر فادحة مادية وعسكرية وبشرية،وترتبت على تلك الحرب تداعيات سياسية داخلية سلبية عديدة. وبالتالي إذا اتخذت إسرائيل قرار الحرب من أجل القضاء على قدرات حزب الله العسكرية فإنها لن تكون خاطفة كما ترغب الحكومة الإسرائيلية،وإنما ستستمر فترة كبيرة مما يعني استنزاف القدرات العسكرية الإسرائيلية ووقوع العديد من الخسائر البشرية سواء في صفوف العسكريين أو المدنيين وهو ما يزيد من الضغوط على حكومة نتانياهو.
ثالثها: من الصعب على إسرائيل أن تشن حربا على الجبهة اللبنانية بينما تواجه تحديات عديدة على الجبهات الأخرى،فهناك التصعيد والتوتر مع حركة حماس في قطاع غزة،فرغم التصعيد بينهما أكثر من مرة إلا أن الجهود المصرية نجحت في احتواء هذا التصعيد والتوصل إلى اتفاق هدنة،كما أن حماس تمتلك قدرات كبيرة لمواجهة القوات الإسرائيلية. وهناك الجبهة السورية والوجود الإيراني في سوريا،ورغم الضربات التي وجهتها إسرائيل للمواقع الإيرانية أكثر من مرة إلا أنها أصبحت مقيدة بعد إسقاط الطائرة الروسية منذ شهور ونشر روسيا لأنظمة صواريخ اس 400،وبالتالي تصعيد إسرائيل مع حزب الله وشن الحرب يعني مواجهة مع القوات الإيرانية المنتشرة في سوريا أيضا بسبب التحالف بين إيران وحزب الله،وهو ما يزيد من احتمالات عدم قدرة إسرائيل على حسم المعركة مع حزب الله إذا اندلعت واتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارا بالحرب،وبالتالي فإن إسرائيل تقف في مواجهة مع عدة جبهات متعددة سواء على الحدود اللبنانية أو الحدود السورية أو على الحدود مع قطاع غزة،وهذا يجعل إسرائيل في مواجهات على حدودها الشمالية والشرقية،وبالتالي يقلل من فرص اندلاع حرب جديدة.
رابعها: ينتهج حزب الله أسلوب حرب الاستنزاف خاصة مع امتلاكه للصواريخ الباليستية التي تهدد ليس فقط القرى الإسرائيلية الواقعة على الحدود،ولكن أيضا المدن الإسرائيلية الكبرى مثل تل أبيب ويافا وغيرها،كما حدث في حرب 2006 رغم القبضة الحديدية التى نشرتها إسرائيل على الحدود لصد أية صواريخ قادمة من حزب الله أو أية منطقة أخرى،كما قد ينجح الحزب فى أسر عدد من الجنود الإسرائيليين،وهو ما يشكل ورقة ضغط كبيرة على الحكومة الإسرائيلية وقراراتها العسكرية،إضافة إلى امتداد مدة الحرب وتزايد المعارضة الإسرائيلية الداخلية.
خامسها: ان قرار إسرائيل بالحرب والتصعيد لا بد أن يكون بالتنسيق مع الولايات المتحدة لضمان حشد دعمها فى الحرب إذا ما توسعت وشملت القوات الإيرانية في سوريا أو حركة حماس في قطاع غزة،ورغم تأييد إدارة الرئيس ترامب للإجراءات الإسرائيلية على الحدود اللبنانية وتدمير الأنفاق التي ادعت أن حزب الله طورها،إلا أن الولايات المتحدة لديها حسابات عديدة في هذا التوقيت فيما يتعلق بتكلفة تلك الحرب وتداعياتها على الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة خاصة القوات الأمريكية الموجودة في سوريا،شرق نهر الفرات والتي يمكن أن تكون هدفا لقوات حزب الله في سوريا،كما أن من مصلحة الولايات المتحدة عدم وجود تصعيد عسكري جديد في المنطقة في ظل مساعيها بإحياء عملية السلام وطرح خطة السلام الجديدة المعروفة إعلاميا بصفقة القرن،واندلاع حرب جديدة من شأنها أن تعيق تنفيذ تلك الخطة حيث ستتذرع إسرائيل بانشغالها بالتصعيد مع حزب الله وتجميد أى جهود على صعيد عملية السلام.
لكن الخطورة أن تتحول سياسة حافة الهاوية من جانب إسرائيل وتصعيد الخطاب السياسي والتحركات العسكرية إلى الانجراف إلى حرب حقيقية على الحدود اللبنانية وبالتالي دخول المنطقة إلى مرحلة جديدة من التصعيد لن تكون في مصلحة أي طرف خاصة الجانب الإسرائيلي وقد تتوسع لتشمل الجبهات الأخرى مما يجعل اسرائيل بين مطرقة حزب الله وسندان المواجهة مع القوات الإيرانية في سوريا ومع حركة حماس في غزة،وقد يؤدي إلى اشتعال المنطقة.
ولذلك كما تراجعت حكومة نتانياهو عن التصعيد والمواجهة مع حركة حماس وقبلت باتفاق الهدنة معها لاعتبارات تخص الأمن الإسرائيلي كما أعلن نتانياهو ووجه بمعارضة شديدة من جانب الأحزاب المعارضة ومن جانب المستوطنين،فإنه سيتراجع أيضا عن المضى قدما في التصعيد مع حزب الله نظرا لتغير الظروف والأوضاع التي كانت فى عام 2006،مع تطور قدرات الحزب العسكرية وعدم وجود حماس كبير من جانب الإدارة الأمريكية ومع تزايد حدة الأزمة الداخلية في إسرائيل والتي قد تدفع سياسة نتاناهو فى التعامل مع حزب الله وحركة حماس إلى الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة في إسرائيل تؤدي إلى تشكيل خريطة سياسية جديدة قد يكون نتانياهو خارجها.
وفي كل الأحوال فالتصعيد على الحدود الإسرائيلية اللبنانية يحمل مخاطر جمة وتداعيات خطيرة إذا ما قررت إسرائيل شن هجمات خاطفة لتدمير قدرات الحزب،لأنها ستدفع إلى مواجهة شاملة لا أحد يقدر عواقبها أو يسيطر عليها أو يحدد نهايتها.