هدم الأنفاق بين السياسة والأمن والتوقعات

طارق الحريرى –
في أعقاب إعلان إسرائيل اكتشاف نفق يمتد بطول أربعين مترا إلى داخل الأراضي الإسرائيلية طرحت جريدة هاآرتس في عنوان رئيسي لها تساؤلا لافتا «هل هو درع الشمال أم درع نتانياهو»
يسود الالتباس والتأزم إقليم الشرق الأوسط على المستويين السياسي والعسكري ولا ينظر في ظل هذا الوضع إلى أي خطوة يتخذها أحد أطراف الإقليم في إطار عسكري على أنها ذات بعد ثنائي يرتبط بمن بدأت قواته أعمالا على الأرض في مواجهة طرف آخر حتى ولو كانت العملية تصنف بأنها تهدف الى إجراء دفاعي يحمي الحدود من انتهاكات عدو مهما كانت طبيعة هذا العدو سواء كان قوات نظامية أو ميلشيات لكن الأمر لايخلو من أسباب غير معلنة تخفي نوايا وأبعاد تتعلق بالمصالح والتوازنات والأطماع أيضا من هذه الزاوية ينظر لعملية درع الشمال التي تقوم بها إسرائيل على الحدود بينها وبين لبنان لتدمير أنفاق تدعي أن حزب الله قد أنشأها لتهديد أمن الدولة العبرية.
في أعقاب إعلان إسرائيل اكتشاف نفق يمتد بطول أربعين مترا إلى داخل الأراضى الإسرائيلية طرحت جريدة هاآرتس في عنوان رئيسى لها تساؤلا لافتا «هل هو درع الشمال أم درع نتانياهو» وكان تلميح هاآرتس جزءا من حملة صحفية إسرائيلية تعبر عن أحد اتجاهين أساسيين في تبرير عملية درع الشمال يرى الاتجاه الأول أن هذه العملية تتعلق بأسباب داخلية خالصة باعتبار أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يحاول صرف النظر عن وضعه السياسي المأزوم في أعقاب استقالة وزير دفاعه فضلا عن الملاحقات القضائية المتصاعدة له ولزوجته في قضايا فساد. بينما يرى الاتجاه الثاني أن عملية درع الشمال هي بداية لمواجهة التمدد الإيراني في الإقليم الذي يهدد دولة إسرائيل والاستعداد لتحجيم هذا التمدد الذي يتخذ من حزب الله ذراعا له باعتبار أن حزب الله هو التهديد الأخطر بالوكالة عن إيران على الأمن القومى لإسرائيل.
في جولته التفقدية لقواته تعمد رئيس الوزراء الإسرائيلى أن يدلي بتصريح شديد اللهجة قائلا: «إذا ارتكب الحزب اللبناني (يقصد بالطبع حزب الله) خطأ فادحا وقرر أن يؤذينا سوف يتعرض لقصف لن يتخيله أحد» والواقع أن نتانياهو يريد أن يحقق انتصارا دون أن يخوض معركة فعلية في أعقاب العملية العسكرية الأخيرة في قطاع غزة التى انتهت بتوقيع اتفاق تهدئة برعاية مصرية بين إسرائيل والفصائل القلسطينية أسفر عن وقف إطلاق النار بين الطرفين وما تبع ذلك من استقالة افيجدور ليبرمان وزير الدفاع متهما نتانياهو بالتخاذل في امن إسرائيل ووصف الاتفاق بأنه هزيمة لحقت بجيش بلاده وبذلك يسعى نتانياهو إلى كسب الرأى العام الإسرائيلى في صفة حيث يقدم نفسه بصفته يستحق أن يسند لنفسه وزارة الدفاع بعد أن وجهت له انتقادات تصفه بأنه يستحوذ على المناصب الرئيسية. لذلك يمكن القول أنه يصعب استبعاد فرضية أن النظام السياسي يسعى للهروب إلى الأمام من خلال محاولة لفت نظر الاسرائيليين بعيدا عن المشكلات الداخلية بتضخيم اكتشاف أنفاق لحزب الله لاسيما بعد أن تجاهل قادة الجيش تحذيرات سابقة من البلديات المحلية في شمال إسرائيل من أن ثمة أعمال حفر تجرى على الحدود مع لبنان وفي جانب آخر يرى البعض أنه من الممكن حفر نفق أو اثنين على أقصى تقدير فى المنطقة التي تكتشف فيها هذه الأنفاق نظرا للطبيعة الجغرافية الصخرية للمنطقة الحدودية مع لبنان وهذا يعيق عمليا بناء الأنفاق أو الكثير منها.
لا إنكار أن حزب الله يشكل تهديدا رئيسيا بالنسبة لإسرائيل ويقف في طليعة المقاومة وهذه حقيقة لا يمكن إغفالها وواقع لايمكن التغاضي عنه في الصراعات التي يموج بها الشرق الأوسط بل إن حزب الله أصبح فيما يخص أسرائيل هو القاسم المشترك الأعظم في معضلات الصراعات الإسرائيلية في المنطقة حتى أنه أثناء بعض حلقات تطور التنازع في الشأن السوري كادت المواجهة بين إسرائيل وإيران أن تنتقل إلى لبنان مثلما حدث – على سبيل المثال – بعد إسقاط طائرة إف16 الإسرائيلية لكن حسابات توازن الردع أدت إلى تغليب التهدئة من جانب تل أبيب ومرارا وتكرارا تلح الدولة العبرية على الترسيخ والتصعيد إعلاميا بأن حزب الله هو اداة طهران التي تشكل التهديد الأخطر لها من هنا لا يغيب عن الواقع مشهد أنفاق حزب الله بصفته مرحلة جديدة من مراحل التصعيد الإسرائيلى في مسار حشد الرأى العام العالمى ضد الحزب لتوقيع مزيد من العقوبات عليه ويشي بهذا المنحى أن الولايات المتحدة منذ إدارات سابقة وحالية مستمرة بنهجها فى التصعيد ضد حزب الله دعما لسياسات إسرائيل ومن هذا المنطلق جاء تعليق مستشار الأمن القومى الأمريكى جون بولتون في تغريدة له مع بداية عملية درع الشمال قائلا «ندعو حزب الله إلى وقف حفر الأنفاق المؤدية إلى داخل إسرائيل وتجنب التصعيد والعنف وبنطاق أوسع نحث إيران وجميع عملائها على وقف تصرفاتهم العدائية والاستفزازات على المستوى الإقليمي والتي تشكل خطرا غير مقبول على إسرائيل وأمن المنطقة» إلى أى مدى يمكن أن تتطور عملية درع الشمال بكل ماتحتويه من غموض . . ربما كان هذا هو ما عبر عنه موقع «الصوت اليهودي» الذى طرح أربعة أسئلة هي؛السؤال الأول: هل كان الجيش الإسرائيلي يعلم منذ فترة طويلة بقصة الأنفاق أم أنه اكتشف ذلك مؤخرا فقط؟ السؤال الثاني: هل هي عملية سياسية أم أمنية؟ السؤال الثالث: ماهو التهديد الحقيقي في الجبهة الشمالية هل هي الأنفاق أم ترسانة حزب الله من الأسلحة القوية المتطورة؟ أما السؤال الرابع والأخير فقد كان هوالسؤال المنطقي في التسلسل بعد الأسئلة الثلاث السابقة وهو: هل إسرائيل مستعدة للحرب مع حزب الله؟
الكثير من الإسرائيليين يخشون من تطور اثار هذه العملية إلى حرب شاملة مع حزب الله وهناك لبنانيون من خارج حزب الله لا يأملون أن يحدث هذا وهنا يتولد التساؤل عن السيناريوهات المتوقعة نتيجة عملية درع الشمال ويمكن قراءة احتمالاتها في الآتي:
السيناريو الأول: تأخذ عملية هدم الأنفاق وقتها وبعد انتهاء مهمة الجيش الإسرائيلي تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه من قبل دون أن يتطور الموقف إلى اشتباكات من أي نوع بين الطرفين.
السيناريو الثاني: يقوم الجيش الإسرائيلى بضربة مفاجئة ماحقة يستخدم فيها كل ترسانته الجوية بما فيها طائرات الشبح إف35 والطائرتان إف15 وإف 16 وكلها قادرة على حمل قذائف وصواريخ ذكية وذات قدرات تدميرية عالية منها أنواع قادرة على اختراق التحصينات إضافة إلى استخدام الصواريخ الباليستية والمجنحة وأن تستمر عملية القصف على مدى زمنى طويل ومتصل.
السيناريو الثالث: أن يستطيع حزب الله امتصاص الضربة ويقوم برد موجع يستخدم فيه ترسانته التي تقدر بعدد 140 ألف صاروخ متنوعة في قدراتها ومدياتها وعدد غير قليل منها يمكن أن يطول أى مكان داخل إسرائيل لكن من غير المؤكد مدى دقتها في إصابة أهدافها وفي أغلب الأحوال لن تنخرط القوات الإسرائيلية في عملية اقتحام برية.
السيناريو الرابع: يقوم حزب الله بضربة استباقية يستخدم فيها جزءا كبيرا من إمكانياته المتاحة لإرباك الجيش الإسرائيلي وإثارة حالة من الفزع بين المدنيين داخل إسرائيل وهي فرضية مستبعدة لأن الحزب مازال متداخلا بقوات في سوريا كما أن جاهزية قواته وقدراته اللوجستية لم تصل إلى حدها الأقصى رغم أنها تطورت كثيرا جدا عما قبل.
إذا انتهت عملية درع الشمال عند حد تدمير الأنفاق فقط فإن هذا لا يعنى أنها سوف تمر دون أن تترك خلفها تداعيات في كلا الجانبين فالسؤال الذي بدأ يطرح نفسه في إسرائيل الآن هو إذا كان حزب الله يعد نفسه بكل بهذه الدرجة من التهديد ويعد العدة للتسلل إلى داخل أراضينا فماذا نحن فاعلون؟على الجانب الآخر فلا شك أن حزب الله يقوم بمراجعة للأوضاع العسكرية بعد اكتشاف الأنفاق ويبحث عن الوسيلة التي نبهت إسرائيل إلى وجودها ويعكف على دراسة الموقف للبحث عما إذا كانت هذه العملية مقدمة لعملية أكبر بعد تأمين الداخل من أي عمليات تسلل عبر الأنفاق.