«بشائر السيوح» يتتبع الأطر التاريخية والإنسانية والاجتماعية للجولات السامية السنوية

صدر حديثا عن مؤسسة «عمان للصحافة والنشر والإعلان» 
كتبت – شذى البلوشية –

صدرت مؤخرا عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان الطبعة الأولى لكتاب «بشائر السيوح»، تأليف الكاتب عماد البليك، متتبعا الجولات السامية لحضرة صاحب الجلالة منذ مطلع السبعينات وحتى النصف الأول من العقد الثاني للألفية الجديدة، والتي قام بها جلالته في عدد من المحافظات لاسيما السيوح التي التقى فيها بأبناء شعبه.
يتتبع الكتاب المسار التاريخي الذي تتماشى معه الجولات السامية لجلالته، ويميل بالتحليل والتبصر لمعرفة الزوايا الواسعة للأحداث المرتبطة بالوقائع التاريخية لهذه الجولات.
واستهل الكاتب كتابه في مقدمة تفردت باقتباس عبارات لرد جلالة السلطان على أسئلة الصحفي الكويتي أحمد الجار الله في حواره الذي نشر في صحيفة السياسية الكويتية بتاريخ 11 فبراير 2006، والذي شرح جلالته فيه فكرة الجولات السامية السنوية فقال: «أعترف بأني أتمتع كثيرا بهذه الرحلات الداخلية التي أقوم فيها بطول البلاد وعرضها.. في هذه الرحلات ألتقي بالناس مواجهة، وأسمع إلى مطالبهم، وهم يسمعون وجهات نظري… إني أشعر بالألفة هنا وهم كذلك. إن تفقد أحوال الرعية شأن موجود في تاريخ الإسلام، ويعد من واجبات القائد. هناك مواطنون قد لا تسمح لهم ظروفهم بأن يطرقوا أبوابا معينة فآتي أنا إليهم بشكل مباشر، إني مرتاح وأجد متعة نفسية بهذه الرحلات الداخلية، اجتمع فيها بأهلي وأختلط بأنفس كثيرة، أسمع منها وتسمع مني، ونعطي جميعنا الثمار المطلوبة، إني أتمتع وأنا أرى أهلي يستمعون إلى توجيهات ولي الأمر ويعملون بها، من هنا تخلق ثقافة الضبط والربط والتي هي سر تفاعل الرعية براعيها، هذا التفاعل الذي يخلق بدوره الولاء المتبادل بين الطرفين».
وأوضح الكاتب من خلال استعراضه لفكرة الجولات السامية التي تعد تقليدا أطلق عليه «برلمان عمان المفتوح»، والذي يعقد للتشاور وإبداء الرأي وعرض الأفكار، وقد أطلق جلالة السلطان على هذه الجولات بـ«الرحلات الداخلية»، ومهما تعدد مسمى ومعنى المصطلحات التي تطلق على الجولات السامية إلا أنها تترجم في مجملها نتائج النماء والتطور في الدولة العمانية، وتطرق الكاتب من خلال متابعة ودراسة هذه الجولات إلى التصورات العميقة حول فكر جلالة السلطان قابوس في إدارة الدولة العمانية الحديثة، كما أن التوجيهات التي يصدرها جلالته خلال الجولات تحوّل إلى برامج عمل في كافة المسارات والمجالات.
وركز عماد البليك على أهمية رسوخ هذه التجربة لأكثر من أربعة عقود والتي باتت طابعا يعكس فكر الشورى العمانية من خلال تعزيز الفكر الإنساني والاحتفاء به وبالرأي والرأي الآخر بعيدا عن فكرة الرأي الأحادي الذي أخذ العديد من الشعوب إلى التدهور بدلا من الانطلاق للأمام في مسار التنمية والتحديث.
واستعرض المؤلف في الباب الأول للكتاب «الإطار النظري للجولات السامية» من خلال استعراض البعد التاريخي، حيث تتبع كل جولة والفترة الزمنية المصاحبة لها، والتي كانت تحدث بشكل شبه سنوي منطلقة في بدايتها بعد 6 أشهر من تولي جلالته مقاليد الحكم، وقد استمر هذا التقليد إلى ما يقارب أربعة عقود، كما تطرق الكتاب في مجمله للبحث والتوغل في عمق التجربة التي كان لها أثرها السياسي والاجتماعي، حيث ركز على التفاصيل الدقيقة للجولات من خلال الأفكار والإعداد والبداية إلى النهاية، حيث تكمن الكثير من المعاني الباطنية في التفاصيل، كما يذكر الكاتب من خلال سطور الكتاب أن فكرة جلالته في الجولات اليومية هي «للتأكد من أن كل شيء يسير وفق ما خططنا له».
وتطرق الكتاب في الباب الثاني إلى «التقاليد والنظم العامة للجولات السامية»، حيث وضح الكاتب أن الجولات السامية كانت تأتي نتيجة تخطيط وبرنامج معين يتم وضعه والسير على نهجه لتحقيق المبتغيات من الجولات، كما أن الطقوس والنظم المرتبطة بالجولات السنوية لجلالته تعمل بتكامل، والعمل عليها وفق خطط مدروسة حتى لا تصبح مجرد أشكال من البهرجة والدعائية، كما يتم الإعداد الجيد لها وفق إطار زمني معين وتحديد مكان مناسب، حيث أطلق على الأماكن أو المواضع بـ«السيوح» منذ 1990، والتي تتوزع في مختلف المحافظات، ففي محافظة الداخلية 4 سيوح، ومحافظتي الشرقية توجد أربعة سيوح أيضا، في حين تتواجد 7 سيوح في محافظتي الباطنة، وسيح واحد في محافظة الظاهرة، وآخر في محافظة البريمي، وسيح آخر في محافظة الوسطى، واثنان في محافظة ظفار.
وتتبع الكتاب في الباب الثالث الجولات السامية التي قام بها جلالته في النصف الأول من السبعينات، مع استعراض بعض المشاهد والملاحظات التي اتضحت في كل عام من 1971 إلى 1975، ولخص الكتاب العديد من الجولات السامية التي قام بها جلالته من خلال مجموعة من الصور المتنوعة التي استعرضتها صفحات الكتاب.
واستعرضت الجولات السامية من خلال الصفحات التالية للكتاب والتي تناولها الباب الرابع للكتاب، حيث قدم السرد الزمني للجولات السامية من حيث تتبع حركتها منذ السبعينات إلى اليوم، حيث كانت آخر الجولات في الألفية عام 2013، وتم خلال الجولة الأخيرة بعد لقاء جلالته بالمواطنين، والأمر بإنشاء كلية الأجيال، وصندوق الرفد، واعتمد جلالته بعض المشاريع التنموية لمحافظتي الداخلية والوسطى.
وفي الباب الخامس للكتاب تناول الكاتب عماد البليك تفاصيل النتائج والثمار، من خلال التتبع التاريخي لها، منطلقا من جولات البداية في مطلع السبعينات، والتي كانت جولات تفقدية مهدت فيها بعد للرحلات الداخلية الطويلة، ولخص الكتاب ثمار الجولات السامية في تلك الفترة من البدايات في عقد السبعينات، والتي تركزت على الاهتمامات الخدمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية في بسط اللحمة الوطنية، كذلك نظم النسيج الوطني والتعرف المباشر على أفكار المواطنين عبر اللقاءات المباشرة معهم، حيث يحرص جلالته على السماع منهم بلا حواجز، بالإضافة إلى ثمار العقد الثاني وحتى الرابع التي اتضحت جلية مواكبة لعصر معاصر له مستجداته واستحداثاته.
واحتوى الباب السادس والأخير من الكتاب على حصاد التجربة التي تندرج تحت تجليات وآفاق مستقبلية للجولات السامية، وربما تكمن أهمها في الشورى العمانية التي تطورت وصقلت بفعل الجولات السامية، ويمكن تقسيم هذه النتائج والمشروعات والبرامج إلى مستويات سياسية واقتصادية واجتماعية وهو ما تم التعبير عنه في صيغة «الإيلاف العماني» الذي تحقق بفعل الرؤية السامية لجلالة السلطان المعظم لعمان الحديثة.
وأوضح البليك أن الدراسة العميقة لهذه التجربة والتعمق فيها تعد ضرورة راهنة لما تحمله التجربة في أبعادها لفكرة بناء الغد، آملا أن تكون إضافة مميزة إلى المكتبة العمانية للاستفادة من ثراء هذه التجربة، وما عكسته من تعزيز وتطوير للإنسان العماني نحو مدارج الرقي والنماء.
تجدر الإشارة إلى أن الكتاب قد حوى بين صفحاته مجموعة كبيرة من الصورة النادرة والمميزة للجولات السامية والرحلات التي قام بها جلالته في مختلف المناطق، بالإضافة إلى الفعاليات المصاحبة للجولات، كما عرضت مجموعة من صور صفحات لجريدة عمان والتي تضمنت أخبار الجولات المختلفة.