2018.. أكثر السنوات تحديا وصعوبة منذ انتهاء الأزمة المالية العالمية

عمان: أوضح تقرير السلع الأسبوعي الصادر عن ساكسو بنك أنه حتى منتصف ديسمبر، شهدت الأسواق العالمية شهرا هادئاً ومريحاً من حيث أنشطة التداول، وذلك قبيل بدء احتفالات عيد الميلاد ونهاية العام. وترافق الأسبوع الماضي مع تراجع الأسهم العالمية وعوائد السندات، بينما ارتفع الدولار خلال واحدةٍ من أكثر السنوات تحدياً وصعوبةً منذ انتهاء الأزمة المالية العالمية.

وأشار رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك إلى أن هذا العام بدأ بموجة تفاؤل مدفوعة بتحقيق نموٍ عالمي مُتزامن ومضبوط، لكن العام انتهى بموجات بيعٍ حادة ومتزامنة أيضا. وفي حين شغلت الحرب التجارية المُستعرة بين الولايات المتحدة والصين العناوين الرئيسية للصحف، تسببت بعض التطورات الهامة في تعزيز حالة عدم الارتياح في السوق. وقد تلاشت موجة الصعود في سوق السندات لأجل 30 عاما بالتوازي مع ارتفاع أسعار العملات، وذلك استجابةً للجهود المستمرة التي يبذلها «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» لإعادة أسعار الفائدة إلى طبيعتها. وتوازيا مع ارتفاع سعر الدولار، بدأت الأموال بالانخفاض مع بدء البنوك المركزية في التحرك لتطبيق إجراءات التضييق الكمي بدلا من التيسير الكمّي.

بالإضافة إلى ذلك، وجدنا أن قوة الدولار حملت تأثيرات سلبية بشكل خاص على اقتصادات الأسواق الناشئة التي تواجه ديوناً مُقوّمة بالدولار، وذلك في وقتٍ نشهد فيه ارتفاعاً لأسعار الفائدة.
وخلال هذا الأسبوع، بقيت السوق متأثرةً بالضغوط رغم الدلائل الإيجابية فيما يتعلق بالحرب التجارية، وذلك بعد أن قامت الصين بشراء فول الصويا الأمريكي لأول مرة منذ شهور. من جهة ثانية، تأثرت الأسواق بالبيانات الاقتصادية الضعيفة الواردة من أوروبا والصين، إلى جانب حالة انعدام اليقين السياسي في الولايات المتحدة. وعلى مستوى الولايات المتحدة، تتواصل تحقيقات مولر بينما يستفيق الرئيس ترامب على حقيقة أنه لن يمتلك السلطة الوحيدة والمطلقة بعد العام الجديد، خصوصاً وأن الديمقراطيين سيسيطرون على أغلبية مجلس النواب.
من جهة ثانية، شهدنا تراجعاً نسبة 2% في ’مؤشر بلومبيرج للسلع‘ الذي يرصد سلةً من السلع الرئيسية في مجال الطاقة والمعادن والزراعة، حيث واجه المؤشر موجةً من عمليات بيع حادة وواسعة النطاق. ويعد المتهم الرئيسي بهذا التراجع الغاز الطبيعي الأمريكي المتداول، والذي خسر 10٪ كاستجابةٍ إلى انخفاض المخزون الأسبوعي بأقل من المتوقع، وارتفاع درجات الحرارة نسبياً في الموسم الشتوي، وهو ما يقلل بالتالي من خطر حدوث أزمة إمدادات مع اقتراب نهاية موسم الطلب في فصل الشتاء.
واستقرت أسعار النفط الخام بعد موافقة منظمة ’أوبك‘ والمنتجين المستقلين على خفض الإنتاج بمقدار 1.2 مليون برميل/‏‏ يومياً بهدف إيقاف تراجع الأسعار بنسبة 30٪ والذي شهدناه منذ مطلع أكتوبر. وبالنسبة إلى الطلب، تم تعويض المخاوف بشأن الطلب لعام 2019 من خلال التأثير الإيجابي لانخفاض الأسعار.
وخسر الذهب بعض مكاسبه السابقة، خصوصاً مع تركيز المتداولين على الدولار القوي وقرار لجنة السوق الفدرالية المفتوحة يوم 19 ديسمبر بخصوص أسعار الفائدة. وفي هذه الأثناء، بلغ سعر الفضة أعلى مستوى له في 6 أسابيع مقابل الذهب، ولكنه بقي دون مستوى المقاومة الرئيسية مقابل الدولار.
وشهدت بعض المعادن الصناعية تداولا منخفضا في استجابة إلى البيانات الاقتصادية الضعيفة الواردة من أوروبا والصين. وبعد صدور بيانات مبيعات التجزئة والإنتاج الصناعي والتي جاءت أضعف من المتوقع، أصدر المكتب الوطني الصيني للإحصاءات بيانا يؤكد فيه أن الاقتصاد يواجه ضغوطا هبوطية متزايدة، لاسيما وأن البيئات الداخلية والخارجية لا تزال مُتباينة ومُعقدة.
وظلت عقود النحاس عالية الجودة ضمن نطاق تداولٍ ضيق منذ شهر يوليو، وذلك في ضوء مواجهة مخاطر رئيسية تتعلق بتداعيات الحرب التجارية الأمريكية الصينية، والتي قابلها توقعات بتشديد ظروف السوق خلال عام 2019. ونحن نركز في هذا السياق على الاتجاه الصعودي على خلفية الخطر المتزايد باتخاذ تدابير تحفيز إضافية في الصين، والتي سترفع الطلب في وقتٍ يتراجع فيه الإنتاج العالمي للمعادن.
وتلقى قطاع الحبوب، بقيادة فول الصويا، ما تبيّن أنه دفعة دعمٍ مؤقتة بعد أن قامت الصين بشراء أول شحنة من فول الصويا الأمريكي منذ شهور. وقد اعتبرت السوق أن هذه الخطوة كانت «متواضعة ومتأخرة جدا»، خصوصا مع التوقعات بأن يصل المعروض من أمريكا الجنوبية إلى السوق في غضون بضعة أشهر. كما أن المبيعات المعلن عنها – والتي بلغت 1.1 مليون طن- كانت أقل بعض الشيء من توقعات السوق، كما لم تسهم إلى حدٍ كبير في خفض المخزونات الأمريكية التي من المرجح أن تصل إلى رقمٍ قياسي يبلغ 26 مليون طن متري (955 مليون بوشل) بحلول أكتوبر المقبل.
ولعبت الخطوة التي اتخذتها ’أوبك‘ والمنتجون المستقلون للحد من الإنتاج بواقع 1.2 مليون برميل يومياً خلال الأشهر المقبلة دورا كبيرا في تعزيز استقرار أسعار النفط، ولكن هذه الخطوة أخفقت حتى الآن في رفع أسعار النفط الخام من مستواها المتدني الحالي. وبينما استقرت التوقعات المتعلقة بالمعروض وساهمت في إيجاد بعض الدعم هذا الأسبوع، لا تزال السوق تواجه بعض المخاوف بشأن الحرب التجارية المستمرة بين الولايات المتحدة والصين، وتأثيرها السلبي المحتمل على مستويات النمو والطلب خلال عام 2019.
بعبارةٍ أخرى، ستبقى المخاطر الرئيسية تشكل عامل تأثيرٍ رئيسي، خصوصا وأننا نتجه نحو انخفاض السيولة خلال هذا العام. وعلى هذا الأساس، فإن التركيز على المدى القصير في سوق النفط يُعتبر أقل من نفط بيرميان الأمريكي، وموسكو والرياض، ولكنه أكثر بالمقارنة مع الوضع الحالي في واشنطن وبكين. ومع استمرار تأثير النفوذ السياسي على أسعار النفط مرتفعا للغاية، نشك بأن نشهد أي مراكز تداول جديدة مهمة قبل تكشّف الصورة بشكلٍ أوضح.
ومع ذلك، فإن التغيير في النظرة الفنية أو الأساسية نحو توقعات أكثر ملاءمة للأسعار يمكن أن يؤدي إلى ردة فعل قوية من جانب صناديق التحوط التي شهدت توقفاً قياسياً في صفقات النفط الخام على مدى الأشهر الأخيرة. وانخفض صافي المراكز المفتوحة طويلة الأجل للإنتاج إلى 265 مليون برميل، وهو ما يُعتبر أدنى مستوى منذ 3 سنوات، وذلك بعد تسجيل انتعاشين قويين منذ أغسطس 2016.
ومن المحتمل أن يسهم التراجع بنسبة 30٪ منذ أكتوبر في دعم الطلب، بينما قد يؤدي أيضاً إلى انخفاض نمو الإنتاج الأمريكي خلال الأشهر القادمة. ونعتقد أن هذه التطوّرات، إلى جانب الانخفاض المستمر في الإمدادات من إيران ينبغي في نهاية المطاف أن توفّر بعض الدعم.
ومع ذلك، ورغم أننا لا نزال نتوقع ارتفاع النفط الخام وربما إعادة تحديد نطاقٍ يتراوح بين 60 و70 دولارا أمريكيا للبرميل، فمن المرجح أن يتم تحديد الاتجاه قصير الأجل من خلال البيانات الاقتصادية الكلية وأسواق الأسهم، بالإضافة إلى الأسواق الأمريكية التي تتعرض فيها الأسهم لخطر التراجع دون قاعها الثلاثي الذي تم تسجيله مؤخرا، وهو أمر يمكن اعتباره علامة فنية ضعيفة جدا.
وبالنسبة إلى سوق الذهب، يترقب المتداولون زخما أكبر من اتجاه الأسهم والسندات وكذلك الدولار. وكان هذا السرد ساريا بشكلٍ قوي يوم الجمعة، وذلك عندما ساهمت البيانات الضعيفة من أوروبا والصين في دفع الذهب مرّة أخرى إلى ما دون 1240 دولارا للأونصة؛ لاسيما وأن الدولار ارتفع إلى أعلى مستوى له خلال العام مقابل سلةٍ من العملات الرئيسية.
ومن منظورٍ قصير الأجل، من المحتمل أن يشكّل اجتماع لجنة السوق الفدرالية المفتوحة خلال الأسبوع المقبل المحرك الأكثر أهمية للتأثير في السوق. ويشمل ذلك التكهنات الناشئة في أن الاحتياطي الفيدرالي قد يعتمد استراتيجية موحّدة، وهذا يشير إلى وقفةٍ مؤقتة في رفع أسعار الفائدة مرة أخرى، وذلك بالتوازي مع ترقب صدور المزيد من البيانات الاقتصادية.
وتحسبا لضعف الدولار واستمرار المخاوف على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، نركز على نظرةٍ إيجابية حيال الذهب خلال عام 2019. كما استطاع الفضة اجتذاب بعض الاهتمام، ولكنه فعل ذلك دون كسر أي مستويات رئيسية في الاتجاه الصعودي. أما فيما يتعلق بنسبة الذهب إلى الفضة، والتي تعكس تكلفة الذهب المقاسة بأوقية من الفضة، فقد واجهت أطول فترة حتى الآن فوق مستوى 82 دولارا منذ عام 1993؛ تتم مقارنة ذلك مع متوسط السعر لأجل 5 سنوات والبالغ 73.5 دولار. ومن شأن تسجيل أي انتعاش في الطلب على المعادن الصناعية- وخاصةً من خلال اتخاذ إجراءات التحفيز الصينية الإضافية- أن يوفر للفضة مستوى إضافيا من الدعم.
ووفقا لتقرير ’التزامات المتداولين‘ الأسبوعي، قامت صناديق التحوط بخفض صافي حيازتها من مراكز التداول قصيرة الأجل في الذهب بنسبة 97٪ إلى مستوى محايد خلال الأسبوع المنتهي في يوم 4 ديسمبر. كما حافظت الصناديق على مراكز تداول قصيرة في الفضة بواقع 22177 حصة؛ ولكن هذه الصناديق تقترب إلى نصف المستوى القياسي من مراكز التداول القصيرة والمسجّل خلال شهر سبتمبر.
وتحتاج الفضة إلى دعمٍ مستمر من الذهب وعلى هذا الأساس، يتزايد التركيز بشكلٍ كبير على النطاق السعري 1230-1240 دولارا‏ للأونصة. وضمن هذا النطاق، قامت صناديق التحوط مؤخرا بشراء كمية كبيرة بلغت 50 ألف حصة، والتي تم تقسيمها بين 30 ألف حصة من تغطية المراكز المكشوفة، و20 ألف حصة من عمليات شراء مراكز التداول الطويلة الجديدة. ونعتقد أن تسجيل أي ضعفٍ جديد سيتحدى هذه القرارات ويقدّم لنا فكرةً حول مدى القوة الحالية في السوق.