اليمين المتطرف ينتشر في أوروبا

سمير عواد – 

قبل نحو عام ناقش جان كلود جونكر رئيس المفوضية الأوروبية مع مستشاريه مستقبل الاتحاد الأوروبي في ما يُسمى «الكتاب الأبيض»، وضعوا فيه أفكارهم ورؤيتهم لمستقبل المنظومة الأوروبية حتى حلول عام 2025، وكان محور كل الأفكار والمقترحات تقوم على التعاون المشترك بين الدول الأعضاء باستثناء سيناريو واحد تعمد جونكر تجاهله رغم أنه حذر منه عندما استلم منصب رئيس المفوضية الأوروبية في عام 2014 وقال حينها في البرلمان الأوروبي: إن أوروبا هي فرصتنا الأخيرة، ومهمتنا هي أن نقرّب المواطنين الأوروبيين أكثر نحو أوروبا، فإذا نجحنا سنكسب معاً وإذا فشلنا سوف نفشل معاً.
قبل أسبوع دخل حزب يميني متطرف جديد حلبة السياسة في دولة أوروبية، هي أسبانيا التي كانت الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي لم يكن فيها حزب يميني متطرف رغم ماضيها الاستبدادي في عهد «فرانكو». وأصبحت الأحزاب التقليدية الأوروبية تنظر بقلق إلى نتائج العمليات الانتخابية في العام القادم والتي سيكون من أبرزها انتخابات البرلمان الأوروبي حيث تسعى الأحزاب اليمينية المتطرفة في دول الاتحاد الأوروبي لتصبح أكبر كتلة برلمانية في البرلمان الأوروبي.
وأصبحت منذ الآن تضيق الخناق على الأحزاب التقليدية الكبيرة. وليس هذا خبر سعيد للمهاجرين وخاصة المسلمين وكذلك اليهود في دول الاتحاد الأوروبي لأن الأحزاب اليمينية المتطرفة، تروج لشعارات معادية للاجئين والمسلمين واليهود وإثارة المخاوف منهم لكسب تأييد الناخبين وتحقيق المكاسب السياسية على حساب الأقليات المهاجرة.
وبينما يتجلى ذلك في سياسات الحكومة الإيطالية الشعبوية الحالية وكادت الشعارات الشعبوية أن توصل مارين لوبان زعيمة حزب «الجبهة الوطنية» اليميني المتطرف في فرنسا إلى منصب رئيسة الجمهورية الفرنسية لولا أن منافسها إيمانويل ماكرون تمكن من الفوز عليها، إلا أن تطلع سائر أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا إلى الوصول إلى السلطة، يعكس مدى انتشار نفوذ هذه الأحزاب في كافة دول الاتحاد الأوروبي. وبعدما كان اليمين المتطرف قبل عشرة أعوام حكراً على بضعة دول مثل فرنسا وهولندا والنمسا، أصبح في السلطة حكومات شعبوية في دول مثل التشيك والمجر وبولندا والنمسا وفنلندا، ولا يزال جيرت فيلدرز زعيم حزب «الحرية» اليميني المتطرف في هولندا، يطمح الى وصول حزبه إلى السلطة.
أما حزب «البديل من أجل ألمانيا» الشعبوي، فإن تضامن الأحزاب التقليدية الممثلة في البرلمان الألماني «بوندستاج» ضده ورفضها التحالف معه، يمنع وصوله إلى السلطة. لكن عندما تجري في العام القادم انتخابات برلمانية في عدد من الولايات في ألمانيا الشرقية حيث نفوذه هناك أكبر من نفوذ الأحزاب الألمانية الكبيرة، فإنه مؤهل ليحكم واحدة أو أكثر من ولايات الشطر الشرقي. ولا يمكن تجاهل الخطر الذي تسببه أحزاب اليمين المتطرف بالنسبة لوحدة ومستقبل أوروبا، وهو ما بدأ يتجلى في السياسات الأوروبية، مثل نجاح اليمين المتطرف البريطاني في دفع بريطانيا إلى الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وفشل الاتحاد في مواجهة أزمة اللاجئين، لأن دول مجموعة «فيزيجارد» وهي التي تضم التشيك وبولندا والمجر وسلوفاكيا، رفضت توزيع 160 ألف لاجئ على دول الاتحاد الأوروبي، علماً أن الدول المجاورة لسوريا فتحت أبوابها أمام أكثر من خمسة ملايين لاجئ منهم ثلاثة ملايين في تركيا ومليون ونصف المليون في لبنان وأكثر من نصف مليون في الأردن.
وليس سراً أن أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية تنهج نفس استراتيجية نشر الرعب والخوف في نفوس المواطنين لتحصل على أصوات الناخبين، كما يجمعها العداء المشترك للاتحاد الأوروبي. وأظهرت عملية استقراء للرأي العام تمت في 28 دولة تابعة للاتحاد الأوروبي أن نحو 60% من المواطنين الأوروبيين يرون أن بلادهم استفادت من الانتساب إلى الاتحاد الأوروبي، وهذا أكبر تأييد للاتحاد الأوروبي منذ عام 1983، لولا أن غالبية مواطني الاتحاد الأوروبي يرون سببين رئيسيين لخسارته التأييد الشعبي وهما: سياسة المال نتيجة غرق بعض دوله في الديون، وأزمة اللاجئين التي يحملون مسؤوليتها إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
ولم يشعر القادة الأوروبيون بقلق على مستقبل الاتحاد الأوروبي، مثلما يشعرون هذه الأيام، الأمر الذي دلت عليه عملية استقراء الرأي الأوروبية التي نُشرت في الصيف المنصرم. فبينما رحب 39% من المواطنين الطليان بانتساب بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي، أظهر المواطنون الألمان تأييداً أكبر وكانت نسبتهم 79%. حتى في دولة التشيك التي يستغل رئيسها الشعبوي ميلوش زيمان كل مناسبة للتقليل من أهمية الاتحاد الأوروبي، قال: إن 34% من مواطنيها الذين شاركوا في عملية استقراء الرأي الأوروبية أنهم سعداء لأن بلادهم انضمت للاتحاد الأوروبي في عام 2004.
وبحسب دانييل بروسلر، محرر الشؤون الأوروبية في صحيفة «زود دويتشه» الألمانية، ستكون انتخابات البرلمان الأوروبي خلال الفترة من 23 – 26 مايو 2019 في 27 دولة أوروبية بعدما تكون بريطانيا قد انسحبت من الاتحاد الأوروبي، منافسة حامية بين الأحزاب التقليدية وأحزاب اليمين المتطرف. ولا يستبعد المراقبون حصول هزة سياسية في أوروبا، لكنهم لا يعتقدون أن الحكومات الشعبوية التقليدية في بولندا والمجر ودول أخرى سوف تسعى للانسحاب من الاتحاد الأوروبي، لأنها تستفيد من عضويتها اقتصاديا وسياسيا. ففي بولندا، يؤيد 88% من مواطنيها عضوية بلادهم في الاتحاد الأوروبي و78% من مواطني المجر يرون الشيء نفسه. وكانت بولندا والمجر تنتميان إلى المعسكر الشرقي في زمن الحرب الباردة بين الشرق والغرب وانقسام أوروبا بين حلف الناتو وحلف وارسو وكانتا تتبعان الاتحاد السوفييتي. ويأمل الصحفي الألماني دانييل روسلر أن تُحسم الغلبة في البرلمان الأوروبي لصالح الأحزاب التقليدية، حتى تعمل في تطوير أوروبا وتحقيق مشاريع الوحدة المتكاملة مثل تأسيس جيش أوروبي قوي ووضع سياسة خارجية مشتركة، وحل أزمة اللاجئين، ووضع سياسة مشتركة تجاه الهجرة، لأن أوروبا ستبقى هدفاً للاجئين من إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، وأخيراً وليس آخراً، مواجهة انعكاسات انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والتي ستتم عمليا في مارس القادم.
أما إذا استمرت أحزاب اليمين المتطرف في التوسع في أوروبا والوصول إلى السلطة في بلد بعد الآخر في الاتحاد الأوروبي، فإن الاتحاد الأوروبي سيواجه خطر الانهيار لأن وجود الاتحاد الأوروبي يعتمد على تضامن حكومات دوله والقيام بسياسات مشتركة بعيداً عن التعصب القومي، الذي نطالعه في البرامج السياسية للأحزاب اليمينية المتطرفة.