حركة السترات الصفراء« لي جِيلي جُون» تحشد العمال الناقمين

احتجاجات الضرائب والمعيشة في فرنسا – 

هارييت أجنيو وبين هول- الفاينانشال تايمز –
ترجمة: قاسم مكي –

بجوار دوار في ضواحي بلدة تروا على بعد 150 كيلومترا جنوب شرق باريس تتأمل صوفي محتويات خيمة رطبة مكثت فيها معظم الأسبوعين الماضيين (تاريخ التقرير 7 أكتوبر- المترجم) ثم تشير إلى طاولة وضع عليها متعاطفون مع الاحتجاجات فواكه وخبزا بل حتى سمك سالمون مدخّنا وتقول: «ما لدينا لنأكله هنا أكثر مما في بيوتنا». كان صوتها بالكاد مسموعا وسط ضوضاء السيارات والشاحنات العابرة وهي تطلق أبواقها تضامنا مع المتظاهرين.

حركة اجتماعية

تهدد صوفي النادلة (25 عاما) وآلاف من الرجال ومن النساء الأخريات في فرنسا بتركيع حكومة ماكرون. وما كان قد بدأ قبل شهرين كحملة على الإنترنت احتجاجا على ارتفاع تكلفة الوقود تحول إلى حركة اجتماعية بطول وعرض فرنسا ضد الضرائب المرتفعة وتدهور مستويات المعيشة ونخبة سياسية مشغولة بخدمة مصالحها الذاتية ورئيس اعتُبِر متعجرفا وفاقدا للصلة بالناس. ما يمكن أن يشكل مصدر قلق لماكرون. إن استطلاعا أجرته مجموعة «إيلابي أند هاريس انترآكتف» يشير إلى تأييد سبعة من بين كل عشرة ناخبين فرنسيين لهذه الاحتجاجات. لقد تحولت التظاهرات التي انطلقت نهاية الأسبوع الماضي في باريس إلى أسوأ أعمال شغب في العاصمة الفرنسية خلال خمسين عاما بعد أن شلَّ نصبُ الحواجز وإغلاق الطرق الحياةَ اليومية في أجزاء من فرنسا على مدى أسبوعين. وأصاب فرنسا الذهول من مشاهد المتظاهرين المقنَّعين وهم يشتبكون مع شرطة مكافحة الشغب حول قوس النصر الذي لُطِّخَت جدرانه بالشعارات. يقول زكي العايدي، الأستاذ بمعهد باريس للدراسات السياسية (جامعة سيانس بو)، أنه «في حالة يرثى لها. فقط لا يوجد بديل له. يطالب أصحاب السترات الصفراء بالمزيد من الدولة ( بزيادة الإنفاق الحكومي) وبضرائب أقل. يستحيل الوفاء بذلك.» ثم في يوم الثلاثاء(4 ديسمبر) علقت الحكومة، مع اشتداد الضغط ،الزيادات الضريبية على البنزين والديزل التي كان من المقرر سريانها في الشهر القادم. لكنها تراجعت أكثر مع المخاوف من اندلاع المزيد من الاحتجاجات العنيفة في العاصمة يوم السبت (8 ديسمبر) وألغت الزيادات الضريبية. قابل العديدون من محتجي السترات الصفراء وأحزاب المعارضة الفرنسية هذه التنازلات البسيطة من جانب الحكومة في السياسة الضريبية بالرفض واعتبروها أقل من المطلوب وأنها جاءت متأخرة عن أوانها. لكنها رغم ذلك تمثل انعطافة كاملة «ذات صرير» من جانب الرئيس ماكرون الذي يعتبر نفسه زعيما «يتمسك بسياساته» مهما كلف الأمر وذلك على خلاف سابقيه الذين فشلوا في تحديث فرنسا حين وجهوا بأصحاب المصالح والمقاومة السياسية. أقر رئيس الوزراء إدوار فيليب بأن هذه الأحداث تشكل «لحظة محورية» للحكومة. وهذا ما يدفع إلى السؤال عمَّا إذا كان لدى ماكرون الذي تدنت نسبة شعبيته إلى 26% حتى قبل اندلاع أعمال العنف في أول هذا الشهر ما يكفي من رأسمال سياسي ومضاء عزيمة لإجراء الإصلاحات الكبيرة الأخرى في مجالات مثل رواتب التقاعد والتأمين ضد البطالة وتبسيط أداء الدولة. ويتساءل جيل مويك الخبير الاقتصادي بمصرف بانك أوف أمريكا ميرل لينش والمسؤول السابق بالبنك المركزي الفرنسي: «هل انتهت طموحات ماكرون الإصلاحية؟» ثم يرد على نفسه بقوله: «لا أعتقد ذلك. لكن ستكون هنالك وقفة. يجب أن تكون هنالك وقفة».

بائعة مواد تجميل

بدأت حركة «جيلي جون» في شكل (عريضة) على الأنترنت ضد زيادة الضرائب على الوقود في الصيف جرى تنسيقها بواسطة بائعة مواد تجميل اسمها بريسلا لودوسكي من سيني مارن شرق العاصمة باريس. وَحَّدَت بريسلا جهودها مع سائق شاحنة من نفس المنطقة كان يريد تنظيم يوم للتظاهر. وصلت التوقيعات على العريضة إلى رقم المليون وفي 17 نوفمبر أغلق ما يقرب من 300 ألف متظاهر تقاطعات الشوارع وأكشاك سداد رسوم استخدام الطرق ومستودعات الوقود حول فرنسا. لا يوجد قادة رسميون معترف بهم لهذه المظاهرات التي رغم تقلص عددها منذ ذلك التاريخ (وحتى نشر هذا التقرير في 7 ديسمبر) إلا أن مطالب وطموحات الحركة الاحتجاجية تصاعدت. فقد استفاد المحتجون من تظلمات طال بها الأمد من ضعف الأجور وتدهور مستويات المعيشة المتدهورة واختفاء الوظائف في القطاع الصناعي وتراجع خدمات الحكومة والمرافق البلدية في المناطق الريفية.

القشة التي قصمت ظهر البعير

حين لا تكون صوفي التي رفضت الإفصاح عن اسمها بالكامل مرابطة (أثناء نوبة حراستها) عند الدوار في بلدة تروا تذهب إلى العمل كنادلة. وتتقاضى 1200 يورو (524 ريالا عمانيا) في الشهر أو حوالي الحد الأدنى للأجور. وبعد أن تدفع قيمة الإيجار البالغة 500 يورو (218 ريالا عمانيا) وتنفق 180 يورو (78 ريالا عمانيا) للتدفئة و80 يورو(35 ريالا عمانيا) لفاتورة الهاتف والإنترنت وتشتري قليلا من المواد الغذائية لا يفضل لديها سوى القليل. تقول: «عند حلول يوم راحتي عن العمل لا يكون لدي بالضرورة المال الذي يمكنني من أن أفعل أشياء أخرى». لقد عانت الطبقة الوسطى الفرنسية لأعوام من الضغوط الاقتصادية. يقول دانييل بينسيبت (75 عاما) إن دخول أفرادها أعلى من المستوى الذي يتيح لهم الحصول على فوائد الرعاية الاجتماعية لكنه أقل من القدر الذي يفي بحاجاتهم. وهو يقر بأنه يتمتع براتب تقاعدي وافٍ لكنه يخرج متظاهرا تأييدا لمن حالهم أسوأ من حاله. ويضيف بينسيبت الذي انضم لمجموعة السترات الصفراء بالقرب من بلدة تروا أن ذلك الوضع (الصعب) استمر لفترة طويلة: «لكنه الآن ينفجر لأن ماكرون يعتقد أننا أغبياء. إنه يعتبرنا أناسا لا قيمة لهم». أصحاب السترات الصفراء من أعمار وخلفيات ومهن مختلفة. بعضهم نشط سياسيا. لكن معظمهم لا شأن لهم بالسياسة. وهم يبدون أقوى في المناطق الريفية وضواحي البلدات والمدن الإقليمية حيث تضرر سائقو السيارات الأكثر فقرا والذين يعتمدون عليها في معيشتهم بارتفاع أسعار الوقود. وكان العديدون منهم غاضبين أصلا من إجراء اتخذته الحكومة في وقت سابق لتقليص حدود السرعة من 90 كيلومترا في الساعة إلى 80 كيلومترا في الطرق غير الرئيسية. تقول اُوريلِي شاريون عمدة بلدة بروفيسان- مُويَن في شرق فرنسا أن احتجاجات «السترات الصفراء أزمة ريف». إنها في نظرها حركة «إطفائيين وموظفين وحرفيين ومدرسين» لا غنى لهم عن السيارة لأداء أعمالهم. تقول: «هم أولئك الفرنسيون الذين أغفلتهم الحكومات خلال الأعوام العشرين الماضية». لذلك حينما طلب منهم ماكرون دفع ضريبة إضافية على الوقود كان ذلك» القشة التي قصمت ظهر البعير».

ضحايا العولمة

بالنسبة لكريستوف جايوي، وهو جغرافي وكاتب فرنسي، يعكس ظهور حركة السترات الصفراء نفس الدينامية التي أدت إلى ظهور دعاة التخلي عن الاتحاد الأوروبي (البريكست) في المملكة المتحدة وانتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة. يقول: «الجغرافيا هي القاسم المشترك بين السترات الصفراء والبريكست وترامب وبين الموجة. فالمحتجون هم أولئك الذين يشعرون أن العولمة خلفتهم وراءها وأنهم عزلوا (صاروا منبوذين) عن النموذج الاقتصادي الجديد ويسعون للحفاظ على «رأسمالهم الاجتماعي والثقافي». ويضيف: من الواضح أن الشيء المهم جدا بالنسبة لأزمة السترات الصفراء هو «السترة الصفراء» نفسها. فلسان حالها يقول: «أنظروا لي. أنا موجودة». جاء ماكرون إلى الحكم في مايو 2017 وهو يَعِدُ بتحرير الاقتصاد وجعل العمل مجزٍ (إيجاد وظائف تتيح للعمال وأسرهم حدا أدنى لائقا من مستوى المعيشة – المترجم). وأجرى إصلاحات في سوق العمل والتدريب المهني والتعليم وخطوط السكك الحديد الحكومية. وتعززت الثقة في قطاع الأعمال وقوى النمو وتمتعت باريس بمشهد تقني مزدهر(في مجال أنشطة وتأسيس شركات التقنية والابتكار- المترجم). لكن كانت التحسينات التي حدثت قليلة لأناس عديدين خارج العاصمة. فنسبة البطالة ظلت ثابتة قريبا من 9% . نعم زاد الدخل العائلي المتاح للإنفاق أو الادخار في عامي 2017 و2018 بحسب الإحصاءات الرسمية لكن مواطنين عديدين لم يشعروا بذلك. إن فرنسا هي البلد الذي يدفع أكبر قدر من الضرائب في العالم المتقدم بحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إذ تبلغ الإيرادات الضريبية 46.2% من الناتج المحلي الإجمالي. لقد ارتكب الرئيس ماكرون أخطاء أيضا. ففي أول موازنة حكومية له استبدل ضريبة الثروة بضريبة اقتصرت على العقارات فقط اعتقادا منه بأن ذلك سيساعد على توجيه الأموال المدخرة نحو إيجاد أنشطة أعمال جديدة أو التوسع في تلك الموجودة منها. أما التخفيضات الضريبية للعائلات العادية فيلزم أن تنتظر. لقد أدى عدم قبولها من الناس إلى رواج فكرة أن ماكرون الصيرفي السابق في بنك روتشيلد رئيس للأثرياء. والآن تشكل إعادة فرض ضريبة الثروة أحد المطالب الرئيسية للمحتجين. وهو مطلب ذكر الوزراء أنهم مستعدون للنظر فيه وذلك قبل أن يُسكِتَهم ماكرون. يقول برونو باسي، وهو مزارع متقاعد من إقليم شامبين الشرقي: « صدقنا ماكرون. لقد باعنا حلما. قال إنه سيغير كل شيء. لكننا خُدِعناَ». الذي أشعل غضب المحتجين ليس فقط ما فعله ماكرون ولكن الكيفية التي فعل بها ما فعل. ويريد منه عديدون أن يستقيل. لقد كان الفرنسيون بالكاد يعرفون رئيسهم عندما انتخب عام 2017 في جولة إعادة ضد زعيمة اليمين المتطرف ماري لو بان. كما لم يسبق له أبدا أن تولى منصبا بالانتخاب وتولى وزارة الاقتصاد لفترة قصيرة فقط . لقد أسس ماكرون حزبا من الصفر هو حزب «الجمهورية إلى الأمام» الذي يتشكل في معظمه من ساسة مبتدئين لاتزال أعدادهم قليلة. يقول فادي دحدوح، المستشار في المجلس البلدي لمدينة تروا عن حزب الجمهوريين الذي يمثل يمين الوسط ، أن ماكرون: « لا يملك قاعدة انتخابية». وكان من المفترض أن تفجر حركته طاقات المجتمع المدني من أجل إصلاح فرنسا. ولكنه حالما تولى الحكم بدا أنه يدير البلاد من قصر الأليزيه مع حفنة من المستشارين. وحين تغير اتجاه الرياح السياسية تعرَّض ماكرون للخطر. إن بعض حلفائه في مسيس الحاجة إلى استعادة زعيمهم لروح الانفتاح التي سبق له أن تحلى بها. يقول أورَيلْيا تاش ، ضو البرلمان عن حزب الجمهورية إلى الأمام: «نحن بحاجة إلى إحداث تغيير كامل في ثقافتنا». ويعتقد بعض المتفائلين أن الاحتجاجات قد تكون فرصة للحزب الحاكم. يقول أحد حلفاء رئيس الوزراء: «إذا كان الفرنسيون يريدون إجراء تخفيضات ضريبية سيكون لزاما عليهم قبول واقع أن أموالا أقل ستنفق على القطاع الحكومي». لكن محتجين عديدين يريدون المزيد من الإنفاق على الفوائد الاجتماعية والخدمات الريفية. ومن جهة أخرى يجد البعض في الحزب الحاكم عزاءً وسلوى في حقيقة أن أحزاب المعارضة لم تتمكن حتى الآن من الاستفادة من حركة السترات الصفراء التي لا تنطبق مطالبها المتنوعة مع القوالب الأيديولوجية لهذه الأحزاب. لقد نأى المحتجون بأنفسهم عن أحزاب المعارضة. لكن السياسة الفرنسية متقلبة جدا والفضل في ذلك يعود إلى ظهور ماكرون خصوصا. يقول الكاتب كريستوف جايوي: « في اللحظة الراهنة لا تقدم السترات الصفراء أي عرض سياسي. لكن غدا ستتحرك الأشياء بسرعة شديدة». ويخشي جايوي ومراقبون آخرون من أن تُمَهد حركة السترات الصفراء لإعادة اصطفاف أيديولوجي آخر. إذا كان ذلك كذلك فستجمع بين قضيتي اليسار المتطرف واليمين المتشدد وتوحدهما في حركة شعبوية كبرى تنتظر ببساطة زعيما شبيها ببيبي جريلو، مؤسس حركة النجوم الخمس التي هي الآن جزء من التحالف الحاكم في إيطاليا. حقا توجد في فرنسا كتلة كبيرة من الناخبين المعادين للمؤسسة السياسية الرسمية. فقد فاز ماكرون بحوالي 24% من الأصوات في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية. لكن مرشحيه من اليسار المتشدد واليمين المتطرف بنسبة 40.9% موزعة فيما بينهم. يقول لورون بيكوغين، مدير معهد مونتين في باريس، أن ماكرون « رجل صنع حركة. لكن ماذا إذا كانت السترات الصفراء حركة تصنع رجلا؟».

نوايا ثورية

ما يشكل قلقا أشد إلحاحا للرئيس ماكرون هو كيفية التعامل مع متظاهرين بلا قيادة ولديهم مطالب تفتقر إلى الوضوح والدقة وفي ذات الوقت الحيلولة دون وقوع المزيد من المواجهات. لقد تم نشر ما يقرب من 90 ألفا من أفراد الشرطة والدرك (أو الجندرمة وهي فرع من القوات المسلحة مسؤول عن الأمن الداخلي) في أرجاء فرنسا يوم السبت 8 ديسمبر للحيلولة دون تكرار أعمال العنف التي وقعت يوم السبت 1 ديسمبر. وإذا تفاقمت أحداث العنف فقد يجد ماكرون نفسه مجبرا على تقديم المزيد من التنازلات عن سياسته بل حتى تغيير رئيس الوزراء. يقول بنجامين كوشي وهو إحدى الشخصيات البارزة في حركات السترات الصفراء «هنالك ناشطون محددون في الحركة لا يريدون الدخول في محادثات وبدء حوار». ويضيف: أنه تلقى تهديدات بالقتل لدعوته إلى إجراء محادثات مع الحكومة. ويقول عن هؤلاء الناشطين أن بعضهم «لديه نوايا ثورية».