النظافة مسؤولية الجميع.. والإسلام أولاها عناية بالغة

نظافة المرافق العامة – 

خميس بن سليمان المكدمي – 
almakdme@gmail.com – 

«تمام إيمان المسلم وتتمة سجايا العبد وكمال محاسنه أن يكون حريصا على النظافة وأن يبقي هذه صفة النظافة هي السائدة في شكله الخارجي وكذلك مخبره الداخلي، وحينما تجد الإنسان حريصا على مظهره الخارجي من هندام حسن وثوب نظيف؛ فإن ذلك يترك أثرا بالغا على مخبره الداخلي أيضا ليغدو سلوكه متناغما مع ما أمرت به الشريعة الغراء، ودعا إليه الدين الحنيف»

يعتبر وجود المرافق العامة صورة من صور المجتمع المدني المتحضر، وعلامة دالة على مدى الرقي الذي بلغه شعب من الشعوب أو دولة من الدول، وهذا بدوره يعطي انطباعا عن حجم التطور الذي تبلغه هاتيك المجتمعات، وتصل إليه تلك الشعوب، وبقدر ما تكون راقية في خدماتها وذات مظهر رائع وجميل؛ فإن ذلك يعطيك صورة حسنة عن ذلك المجتمع، على عكس حينما تكون في صورة لا تسر الناظرين، فهي ترسم صورة ضبابية وغير حميدة عن أولئك الشعوب، فجمال المرافق العامة تنم عن جمال أهل من يستخدمونها، ولأن الأمر كذلك فإننا نستطيع القول بملء الأفواه أن من منن الله العظيمة والعطايا الجسيمة التي تستوجب الحمد، وتدعو إلى الثناء والمجد، ما من الله به على أرضنا وديارنا من تقدم وتطور في مختلف الميادين وشتى المجالات ومنها ومنها هذا التطور البين في المرافق العامة، وحسنها وروعتها ونظافتها وجمالها، كما أننا نعلم أن الدين الإسلامي الحنيف دين نظافة وطهر ونقاء، لأجل ذلك لم يترك جانبا من جوانب هذا الباب إلا طرقه وأتى عليه، ومنها هذا الأمر الذي نتحدث عنه وهي هذه المرافق التي توجدها وتشيدها الدولة كي تقدم خدمة عامة للجميع، فوجود هذه المرافق للناس كافة بمختلف أطيافهم الاجتماعية مهمة من أجل التيسير عليهم، وإنجاز معاملاتهم، وقضاء أوطارهم مصالحهم، ورعايتهم، والترفيه عنهم، وحتى تكون أيضا متنفسا لهم من ضغوطات هذه الحياة، على أن هذه المرافق تختلف باختلاف الخدمة التي تقدمها للجمهور، فمنها المستشفيات، والمرافق التي تُقدّم الخدمات التّعليميّة، ومنها مرافق عامّة تقدّم التّرفيه للنّاس كالحدائق العامّة وغيرها من الجهات.
إن وجود هذه المرافق في الدولة لها دور بالغ في رعاية الناس ونشر الراحة بينهم، وقضاء مصالحهم وهي سمة بارزة من سمات المجتمع المتحضر، المجتمع الذي تسود أفراده الألفة والحب والوداد والوئام، كما أنه سمة من سمات هذا الدين وهدف جاء به الإسلام لابد أن يحفظ وأن يصان، وهو باب من أبواب التعاون على البر الذي دعا الله إليه في ذكره الحكيم وكتابه المبين يقول الحق جل شأنه : ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ المائدة:2 يقول القرطبي في تفسير هذه الآية ]: هو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البرِّ والتقوى؛ أي: لِيُعِنْ بعضُكم بعضًا، وتحَاثُّوا على أمر الله – تعالى – واعمَلوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه، وامتنعوا منه، وهذا موافق لِما روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ((الدالُّ على الخير كفاعله))، وقد قيل: الدال على الشرِّ كصانعه، والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه؛ فواجبٌ على العالِم أن يعين الناس بعلمه فيعلِّمهم، ويعينهم الغني بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهِرِين كاليد الواحدة؛ ((المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتِهم أدناهم، وهم يد على من سواهم )) ، ويجب الإعراضُ عن المتعدي، وتركُ النصرة له، وردُّه عما هو عليه؛ (الجامع لأحكام القرآن، 6/‏‏46-47) ) وحينما ننظر إلى هذا التأويل ندرك حجم الخدمات البالغة التي تقدمها وأعداد الأفراد الذين يعيشون تحت ظلال هذا النفع والمصالح التي تقضى في مظلة هذه المرافق، وعن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» وهو بينٌ جليٌ في مدى العون الذي يسديه القائمون على هذا المرافق، وهو ما يجعلنا أمام تحد بالغ في آلية رعايتها وكيفية صونها وحفظها وأهمية بقائها والضرب بيد من حديد على أيادي العابثين بها.
ومن بين التحديات التي تواجهنا غير العبث حيال هذه المرافق هي قضية النظافة لاسيما الحدائق العامة فهي قضية تستلزم تكاتفا من كل الأطراف، وهو مسلك ومنهج لا يمكن أن يفرض على الناس بالقوة ما لم نكن على وعي بأهمية ذلك، وبذلنا جهدا حثيثا في هذه التوعية، فالمبدأ الذي عرفناه أن النظافة جزء لا يتجزأ من هذا الدين، ومنهج لا يهمش من مناهج الإسلام التي حث عليها ودعانا إليها ، يقول أصدق القائلين أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا)، إلى آخر الآية، ويقول في آية أخرى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ).
فتمام إيمان المسلم وتتمة سجايا العبد وكمال محاسنه أن يكون حريصا على النظافة وأن يبقي هذه صفة النظافة هي السائدة في شكله الخارجي وكذلك مخبره الداخلي، وحينما تجد الإنسان حريصا على مظهره الخارجي من هندام حسن وثوب نظيف؛ فإن ذلك يترك أثرا بالغا على مخبره الداخلي أيضا ليغدو سلوكه متناغما مع ما أمرت به الشريعة الغراء، ودعا إليه الدين الحنيف فتصدق عليه عبارة «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم التي في صدوركم ولا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء». ولنا في رسول الله أسوة حسنة حين دعانا إلى ما فيه طهارتنا وأرشدنا إلى أن الوضوء – على سبيل المثال – فوق أنه طهارة ونظافة وتكفير للذنوب ومحو للخطايا فهو أرفع للدرجات». فقد ورد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قوله: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات. قالوا بلى يا رسول الله قال: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط.. فذلك الرباط.. فذلكم الرباط) ولقد جعل النبي – صلى الله عليه وسلم – النظافة نصف الإيمان، حيث قال – صلى الله عليه وسلم -: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن « أو تملأ « ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجه لك أو عليك، كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها»
وفي ميدان نظافة الأفنية والتحذير من التشبه باليهود في قذارتهم هذا رسول الهدى – صلوات الله وسلامه عليه – يدعونا إلى ذلك فعن عامر بن سعد، عن أبيه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ طيِّب يُحِبُّ الطيبَ، نظيفٌ يُحبُّ النظافةَ، كريم يحب الكرَم، جواد يحب الجودَ، فنظِّفوا أفنيتَكُم، ولا تشبَّهوا باليهود».
وفي صعيد الحفاظ على البيئة التي يعيش الإنسان عليها فإنه منَ القَوَاعد الكُلِّيَّة الحرص على حماية الأرض ونبتها وتربها والتحذير كل الحذر من المساس بها وتغيير معالمها ، وتَجَاوُز حُدُود الله في هذا المضمار والذي بدوره يفضي إلى الخَرَاب والتَّلَف؛ بل يُهَدِّد وُجُودَ الإنسان أَصْلاً؛ وهو ما بَيَّنَه النَّبِي – صَلَّى الله عليه وسلم – فعَنِ النُّعمان بن بشير – رضيَ الله عنه – عنِ النَّبِي – صَلَّى الله عليه وسلم – قال: «مَثَل القائمِ في حُدُود الله والواقع فيها، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا على سفينةٍ، فصار بعضُهم أعلاها، وبَعْضُهم أسفلها، وكان مَن في أسفلها إذا اسْتَقَوا مَرُّوا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خَرَقْنا في نَصِيبنا خَرْقًا، ولَمْ نُؤْذِ مَن فوقنا، فإن تَرَكوهم وما أرادوا، هَلَكوا وهَلَكوا جميعًا، وَإِنْ أَخَذُوا على أيديهم، نَجَوا ونَجَوا جميعًا».
وهذا الصديق رضوان الله تعالى عليه يسلك مسلك الرسول صلى الله عليه وسلم في رفضه لكل دمار يحيق بالبشر أو أو الأرض أو العمار فقد قال في وَصِيَّته لأميرِ أولِ بعثةٍ حَرْبيَّة في عَهْده، وهو أسامة بن زيد، قال له: «لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا، ولا شَيْخًا كبيرًا، ولا امرأة، ولا تقطعوا نخلاً ولا تَحْرقوه، ولا تقطعوا شجرة مُثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرة ولا بعيرًا إلاَّ لِمَأْكلة، وسوف تَمُرُّون على قوم فرغوا أنفسهم في الصَّوامع، فَدَعُوهم وما فرغوا أنفسهم له»؛ تاريخ الطبري.
وإذن فالحفاظ على المرافق العامة يجب أن يكون طبعا متأصلا في النفوس، وسجية من السجايا التي ينبغي للمرء أن يحرص عليها فيحفظها كما يحفظ ممتلكاته الخاصة، التي يرفض رفضا قاطعا أن يعتدى عليها أو يتجرأ متجرئ على إتلافها، وهو جزء من حب الوطن ورد الجميل له ورعايته وصونه، وحفظ مقدراته التي ننعم بها والتي بدوره سينعم بها أبناؤنا وقادم الأجيال إن كنا حريصين على مصالحهم، وهذا غير موكول إلى جهة بعينها بل كل من أفراد المجتمع رقيب على ذلك، وحارس لهذه الموارد.. والله من وراء القصد.