تواصل: لكني أتابع!

تونس المحروقية –
hlaa202020 @ –

مشهد أول :
يخبره صديقه أنه تابع أحد الحسابات في «سناب شات» لفتاة اشتهرت افتراضيا مؤخرا من مدينتهم تبدو متحررة في ملابسها وأفكارها أكثر مما اعتاد ذلك المجتمع المحافظ على التقبل، وأن لديها بث يومي مباشر في حسابها من الساعة الثامنة حتى العاشرة مساء تستعرض أفكارها ووجهة نظرها في كل موضوعات الحياة اليومية وكل ما يشغل تفكيرها في لحظة البث حتى لو كان ذلك قميصها الشتوي الأبيض الذي تغير لونه بعد أن أخطأت العاملة المنزلية بغسله مع ملابسها الأخرى الملونة يرد على صديقه: إذا سنقضي أمسيات سعيدة في حسابها ونحن نستهزئ بأفكارها ونمطر عليها بوابل شتائمنا التي لن تتوقع أن تنهمر عليها، سنتابعها متابعة لصيقة كي نشتمها بعد أن نستهزئ كثيرا بما تقوله، هذه تسلية وجاءتنا على طبق من ذهب!
مشهد ثانٍ
تقول لصديقتها بعصبية: ماذا يريد المثقفون منا؟ يتفلسفون في تصنيف من نتابعهم في وسائل التواصل الاجتماعي، ويواصلون ترديد عبارة كتبت في جدار تداولته وسائل التواصل الاجتماعي «لا تجعلوا من الحمقى مشاهير»، لكن ماذا لو كان هؤلاء الذين يصفونهم بالحمقى يسعدوننا أو يضحكوننا بضحالتهم، هل نحن مطالبون طوال الوقت أن نشاهد الجيد والمتسق مع جدية أهدافنا في الحياة ؟ ماذا لو أن تلك السطحية في الطرح تروق لنا وتجلب بعض الترفيه لأنفسنا؟ فليدعنا أولئك المثقفون في حالنا ولا يفكروا في أن يفرضوا وصاية على خياراتنا وليختاروا هم من يتابعونهم بمستوى ثقافتهم تلك التي يدعونها!
مشهد ثالث:
يتابع حسابات المشاهير في وسائل التواصل الاجتماعي، أصحاب ذلك النوع من الشهرة التي كان قبلها صاحبها أو صاحبتها لا يعرفهم أحد غير عائلاتهم فقط، يبدأ في نصحهم في أن ما يقدمونه لا يتناسب مع قيم الدين والمجتمع وأنهم سيؤثرون بما يطرحونه على الأجيال التي تتابعهم، يواصل عمله بتفانٍ لدرجة أنك لا تجد له في ذلك الحساب غير منشورات النصائح التي يجود بها على من يعتقد أنهم قد يلتفتون في غمرة شهرتهم لنصائحه ويقررون وهم في عز مجدهم الذي يمنحه لهم شعور العدد الكبير من المتابعين أن يلتفتوا له ونصائحه، يقوم بحظره الكثير منهم لكنه يواصل العمل ويقول أنه لا يبتغي من ذلك إلا اتباع قناعاته بأن «الدين النصيحة»!
في وسائل التواصل الاجتماعي تبدو خطوط القيم والمبادئ غير واضحة كما أن من يحدد قيمة المحتوى الجيد من عدمه غير واضح المسؤولية ومدى اعتداد مستخدمي هذه الوسائل برأيه، فهل هو المجتمع بما يتبناه من مبادئ وقيم أما خيارات الأفراد أنفسهم التي قد تميل لمحتوى قد يراه عموم المجتمع بأنه غير هادف لكنهم أي الأفراد يدافعون عن حقهم في الاستمتاع بذلك المحتوى على اعتبار أنهم يتعاملون مع وسائل التواصل الاجتماعي كمنصة للترفيه والتخفف من التزاماتهم الحياتية والتي لا يمانعون وهم يتصفحونها أن يطلعوا على محتوى ضحل إن كان مضحكا مثلا!
قمة رواد وسائل التواصل الاجتماعي العرب في دورتها الثالثة التي نظمت هذا الأسبوع بواسطة نادي دبي للصحافة في دولة الإمارات العربية المتحدة، جاءت بحسب جهة التنظيم لمناقشة سبل التوظيف الإيجابي الأمثل للقدرات الكبيرة التي تتمتع بها تلك الوسائل والتعرف على تأثيرها العميق على المجتمع كون هذه الوسائل ساهمت في تبديل العديد من المفاهيم والقيم المجتمعية على مستوى العالم، القمة لم تعلن عن طريقتها في اختيار من أسمتهم مؤثرين أو رواد كما اختارت أن تطلق عليهم، لكن بدا واضحا أن هنالك من شارك ممن لم تكن نجاحاته قد بنيت في وسائل التواصل الاجتماعي بل كانت قد تحققت قبلها في مجالاتهم الفنية أو الإعلامية ثم استفادوا من شهرتهم في حصد الكثير من المتابعين في منصات التواصل الاجتماعي، هناك أيضا من صنع نجاحاته في منصات التواصل الاجتماعي بمعنى أنه لم يكن أو يصبح معروفا إلا من خلالها وهنالك من شارك ممن لا تعرف سببا حقيقيا لوجوده أي أنه غير معروف على مستوى العرب لا واقعيا ولا افتراضيا لكنه مشارك ويقال عنه مؤثر.
إن مثل هذه الفعاليات التي تنظم للاستفادة من قوة وسائل التواصل الاجتماعي هي مفيدة؛ لأنها تعمل على توجيه بوصلة المحتوى المقدم ليكون إيجابيا غالبا لكنها هي نفسها لا تستطيع أن تضمن أن كل من يشارك فيها يقدم فعليا محتوى إيجابيا كما لا تستطيع الاتفاق على مفهوم موحد لإيجابية الطرح، فما يعتقده البعض محتوى إيجابيا ويطالب بأن يسود في منصات التواصل الاجتماعي ويحارب المشاهير الذين يكرسون فكرة الضحالة، يراه الآخرون جانب من الوصاية على خياراتهم في الترفيه على أنفسهم حتى لو كان ذلك على محتوى ضحل مقدم بطريقة فارغة القيمة إن اتفقوا هم أصلا معهم أن ذلك المحتوى ضحل.
وحتى تحديد ذلك يبقي هناك من يتابع هؤلاء المشاهير ليس إعجابا بل ليستهزئ بهم ويمطرهم بشتائمه أو لينصحهم أو ليشهد حجم الانحدار في المحتوى المقدم في عوالم التواصل الاجتماعي وفي المقابل هناك غيرهم ممن يستمتع بالمادة التي يقدمها مشاهير الضحالة غير مكترث إن كانت تحوي رسالة أم لا، المهم أنها فقط تضحكهم وتغرس فيها عادات جديدة يعتقدون أنها شبابية أكثر وتناسب جيلهم، لذا عزيزي المؤثر في وسائل التواصل الاجتماعي كون أن لديك متابعين كثر قد لا يكون سببه الإعجاب بك وبالمحتوى الذي تقدمه، فقد يكون لسان حال عدد كبير جدا من متابعيك: حسابك لا يعجبني ولا يهمني أن تقدم فيه محتوى جيد لكني أتابع!