قمة العشرين والقضايا المؤجلة

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –

يترقب العالم كل عام اجتماعات قمة العشرين التي تضم أهم الدول المؤثرة اقتصاديا وسياسيا علاوة على أهمية القضايا التي تطرح للنقاش وهي قضايا مصيرية للعالم واستقراره.
وقد جاءت القمة الأخيرة التي عقدت في بيونس ايرس عاصمة الأرجنتين مخيبة للآمال في نظر عدد من المراقبين؛ حيث إنها لم تحسم القضايا الخلافية خاصة حول المناخ والإشكالات التجارية بين الولايات المتحدة وشركائها في أوروبا أو الصين، وبدلا من الحسم تم التوصل إلى توافقات محددة، أي بمعنى تأجيل تلك الإشكالات إلى جولة أخرى من النقاشات، كما حدث بين واشنطن وبكين من خلال إعطاء مهلة لثلاثة أشهر؛ لحسم موضوع الرسوم التجارية، كما أن قضايا المناخ لم تحسم مع الإصرار الأمريكي علي رفض اتفاقية باريس للاحتباس الحراري التي انسحبت منها الولايات المتحدة. ماذا حدث ؟
المعروف أن قمة العشرين هي بالأساس قمة اقتصادية، ومناقشة الأوضاع التجارية ومسائل الفقر والتنمية المستدامة. أما فيما يخص القضايا السياسية فهي تناقش من خلال الاجتماعات الثنائية بين قادة الدول علاوة على المؤتمرات والتصريحات الصحفية التي توضح من خلالها المواقف السياسية للدول الأعضاء في المجموعة، أو بعضها، كما حدث بالنسبة لتصريحات أكثر من رئيس دولة من الدول المشاركة في القمة.
قضايا الرسوم الجمركية بين واشنطن والصين تصدرت المشهد في قمة بيونس ايرس؛ حيث إن البلدين يحتلان صدارة التصنيف الاقتصادي؛ فالولايات المتحدة تحتل موقع الصدارة في حين أن الصين تحتل المركز الثاني بعد إزاحة اليابان التي تحتل المركز الثالث، ومن هنا فقد سيطر موضوع الرسوم التجارية علي صدارة الاهتمام في القمة، ولعل اجتماع الرئيس الأمريكي مع الرئيس الصيني كان واحدا من أهم الاجتماعات في قمة العشرين إذا ما تم استثناء اللقاء العابر بين الرئيس الروسي بوتين والرئيس الأمريكي ترامب كما تصدر موضوع أوكرانيا وصدامها مع موسكو أحد القضايا التي تقلق واشنطن وأوروبا، وكان من أهم الأسباب التي أدت الى تأجيل الاجتماع الرسمي بين ترامب وبوتين .

الاحتباس الحراري

من القضايا التي تصدرت اهتمامات قادة قمة العشرين هو موضوع الاحتباس الحراري الذي يعد أحد الموضوعات الثابتة على جدول أعمال قمة العشرين خلال السنوات الأخيرة، وهو الذي توج بمعاهدة باريس التي وقعتها معظم دول العالم بما فيها الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ومع ذلك انسحبت واشنطن من هذه المعاهدة التي تشكل حماية أساسية لكوكب الأرض في سلسلة انسحابات أقرها الرئيس الأمريكي ترامب، ومنها الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني.
ورغم التحفظ الأمريكي على معاهدة الاحتباس الحراري والاختلاف الواسع بين باريس وواشنطن إلا أن الانسحاب الأمريكي لم يؤثر على مسار معاهدة المناخ، وهناك نقاشات واسعة حدثت في قمة العشرين في الأرجنتين، ورغم ذلك لم يتم التوافق على أي مسائل تخص هذه المعاهدة المهمة، وتم التأجيل إلى لقاءات قادمة، ولعل مؤتمر المناخ الأخير في العاصمة البولندية وارسو قد أضفى أهمية وشرعية كبيرة على اتفاق المناخ والتمسك به إلى حد بعيد مع عدد من الملاحظات التي يمكن الحوار بشانها.
إن اتفاق المناخ يعد إنجازا إنسانيا مهما في ظل التقلبات المناخية الطبيعية وازدياد واتساع ثقب طبقة الأوزون والانهيارات الجليدية المتوقعة في شمال أوروبا ومناطق أخرى من العالم والأرقام التي تشير إلى تزايد حرارة الأرض بشكل سنوي، ومن هنا فإن موضوع الاحتباس الحراري يظل من أهم الموضوعات التي تم الحديث عنها سواء في قمة العشرين أو في مؤتمر المناخ العالمي في بولندا، وبالتالي يظل هذا الموضوع محل جدل كبير بين واشنطن ودول العالم المختلفة خاصة دول الاتحاد الأوروبي.
الاقتصاد يتصدر
وكما تمت الإشارة إلى أن قمة العشرين هي بالأساس قمة اقتصادية، ولعل ما عمق من تلك الأهمية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو رجل أعمال يدرك أهمية المصالح الاقتصادية من خلال دخوله في اشتباكات اقتصادية متعددة، مع دول الاتحاد الأوروبي وكندا والصين، وحتى المكسيك، واستطاع أن يغير اتفاق التجارة بين أمريكا وكندا والمكسيك – النافتا – باتفاق جديد، وهو الآن بصدد المناقشات مع العملاق الآسيوي الصين بعد مهلة لوقف رفع الرسوم على الواردات الصينية الهائلة للولايات المتحدة لمدة ثلاثة أشهر، ومن هنا تصدرت القضايا الاقتصادية المشهد من خلال الحوارات مع الشركاء.
إن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والصين والهند والبرازيل وكوريا واليابان وكندا تمثل دول ذات ثقل اقتصادي كبير مع بقية الشركاء خارج منظومة دول قمة العشرين وفي مقدمتها دول جنوب شرق آسيا والدول الإسكندنافية كالنرويج والسويد والدنمارك، وهي دول متقدمة اقتصاديا، ومن هنا فإن الاقتصاد ومساراته المختلفة كان حاضرا في قمة الأرجنتين.
لقد حدثت توافقات بين القادة في بيونس ايرس بين الصين والولايات المتحدة وخرج إعلان بيونس ايرس يتحدث عن أهمية التنمية والنمو الاقتصادي العالمي ومحاربة الفقر ومتابعة قضايا المناخ في العالم علاوة على موضوع الإرهاب الذي يشكل موضوعا دائما سواء في قمة العشرين أو أي قمم أو اجتماعات أخرى بما في ذلك الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة.

لقد خرجت قمة العشرين في الأرجنتين دون تحقيق نتائج حاسمة، وهذا كان متوقعا في ظل احتدام الخلافات الاقتصادية والسياسية وحتى في مسألة المناخ والبيئة وقضايا التوتر بين دول الشمال الغنية ودول الجنوب الفقيرة خاصة دول القارة الإفريقية التي تعاني من عدد من المشكلات الاقتصادية والإنسانية. على صعيد القضية الفلسطينية والصراع في المنطقة فإن هذا الموضوع لا يبحث في قمة العشرين باعتباره موضوعا يبحث من خلال عملية السلام المتعثرة منذ أربع سنوات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ومن هنا فإن القضايا العربية لم تكن حاضرة في قمة العشرين، وهذا الأمر كان متوقعا في ظل الانسداد السياسي وجملة من التوترات والخلافات التي تسود الدول العربية.

تأجيل القضايا

وهكذا انتهت قمة العشرين من خلال بعض التوافقات وتأجيل حسم بعض الخلافات التجارية خاصة بين الصين والولايات المتحدة علاوة علي أن اللقاءات الثنائية ساهمت إلى تخفيف حدة التوتر.

ولعل من أهم الأمور في قمة العشرين حضور رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إلى قمة الأرجنتين، وذلك للمرة الأولى التي تحدث فيها مثل هذه الزيارة، منذ انتهاء حرب فوكلاند في عقد الثمانينات من القرن الماضي، وهي خطوة تفتح المجال نحو علاقات إيجابية بين لندن وبيونس ايرس وتفتح حوارا جديا حول القضايا العالقة بين البلدين.
وهناك مخاوف من أن تتحول قمة العشرين إلى منتدى اقتصادي من خلال عدم حسم المسائل الخلافية ومحاولة تأجيل القضايا من خلال الحوارات والزيارات المتبادلة، وهذا أمر قد يحدث إذا لم تستطع قمم مجموعة العشرين القادمة إيجاد حلول حقيقية للمشكلات الاقتصادية والإنسانية في العالم، وبالتالي تتآكل تلك الاجتماعات لتصبح علي غرار اجتماعات الجمعية العامه للأمم المتحدة التي يصفها الكثيرون بأنها ساحة للخطابات والتنفيس عن الإحباط الذي تشعر به الدول النامية والدول التي لها قضايا عادلة لم يستطع العالم حلها كالقضية الفلسطينية التي مضى عليها أكثر من سبعة عقود دون حل عادل وشامل يعيد الحقوق لأصحابها.