«6» أوراق تناولت مفهوم «الخطأ الطبي» في الشريعة ودور اللجنة الطبية في الدعاوى

في المعهد العالي للقضاء بنزوى –
مكتب نزوى– محمد الحضرمي –

نظم المعهد العالي للقضاء صباح أمس ندوة بعنوان «الخطأ الطبي في ميزان العدالة»، وذلك برعاية معالي الدكتور أحمد بن محمد السعيدي وزير الصحة وحضور معالي الشيخ عبدالملك بن عبدالله الخليلي وزير العدل رئيس مجلس المعهد العالي للقضاء وعدد من أصحاب السعادة والفضيلة والمختصين، وذلك بمقر المعهد بولاية نزوى بمحافظة الداخلية.
وقد ألقى الدكتور نبهان بن راشد المعولي عميد المعهد العالي للقضاء كلمة أكد فيها أن الندوة التي يأتي تنظيمها في إطار الدور الذي يضطلع به المعهد في نشر وترسيخ المعرفة القانونية في المجتمع، للإيمان العميق بالدور المحوري الذي يقوم به القانون كقوة فاعلة ومساندة لتحضر المجتمعات الإنسانية، وضبط العلاقات بين مختلف مكوناتها من مؤسسات وأفراد، مما يحتم إدراك الجميع بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، الأمر الذي يجعل من اكتساب المعرفة القانونية العامة أو التخصصية أمرًا ضروريًا وملحًا في الوقت المعاصر.

مراكز متقدمة

وقال المعولي: لقد شهد القطاع الصحي في السلطنة تطورًا نوعيًا خلال سنوات النهضة المباركة التي يقودها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه-، حيث بات الجميع في هذا الوطن العزيز ينعم بالمستوى الرفيع للخدمات الصحية المقدمة للمواطنين والمقيمين على حد سواء، كما تؤكد المؤشرات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية وغيرها من المنظمات ذات العلاقة على إحراز السلطنة لمراكز متقدمة في مجال الرعاية الصحية، ولم يكن لتلك الإنجازات أن تتحقق لولا الدعم الكبير الذي توليه الحكومة لهذا القطاع الحيوي من خلال إنشاء المؤسسات الصحية، وتزويدها بمختلف الأدوات والوسائل التي تمكنها من أداء أدوارها على أكمل وجه.

أرقام عالمية بسبب الأخطاء

وأضاف: مما لا ريب فيه أن الأخطاء الطبية هي ظاهرة عالمية تعاني منها كافة المجتمعات -المتقدمة منها والنامية-، وقد دلت الإحصائيات المعتمدة في هذا الشأن على وجود أرقام مرعبة في عدد الوفيات على المستوى العالمي بسبب الأخطاء الطبية حتى في بعض الدول المتقدمة، وما زالت هذه الظاهرة تلقي بظلالها القاتمة على الواقع الصحي بالرغم من الجهود الجبارة المبذولة دوليا لوأدها، ومهما يكن من أمر، فإن للقانون حضوره في مسألة الأخطاء الطبية بما يقوم به من أدوار وقائية وعلاجية، فكما أن القانون يسعى إلى تمكين الطبيب من أداء أعماله بثقة واطمئنان وفقًا للقواعد الطبية المتعارف عليها، فإنه في الوقت ذاته يسعى إلى تأمين سلامة المرضى ضد أي خطأ أو تقصير قد يضع حياتهم أو صحتهم على المحك، ومن هنا تأتي أهمية إطلاع العاملين في الحقل الطبي على القوانين الطبية، وفهمها، بما يسهل عليهم مراعاتها من أجل صالحهم وصالح المرضى والمجتمع على حد سواء.
وأكد في كلمته أن هذه الندوة تسعى إلى تحقيق جملة من الأهداف، منها على سبيل المثال: بيان الضوابط القانونية لمزاولة مهنة الطب، وتحديد مفهوم الخطأ الطبي، فضلا عن إبراز دور الجهات القضائية وغير القضائية في التعامل مع الأخطاء الطبية، إلى جانب إيضاح صور المسؤولية القانونية الناجمة عن الخطأ الطبي.

الخطأ في الشريعة والقانون

تضمنت الندوة تقديم ثلاثة محاور حول مفهوم الخطأ الطبي، ومنظور علماء الطب في مفهوم الخطأ الطبي، والمسؤولية القانونية عن هذا الخطأ. ترأس الجلسة الأولى الدكتور صالح بن سعيد المعمري القائم بأعمال عميد كلية القانون بجامعة الشرقية، وبمشاركة كل من الدكتور عبدالله بن مبارك العبري أستاذ مساعد بكلية الحقوق بجامعة السلطان قابوس الذي ألقى ورقة حول مفهوم الخطأ الطبي في الفقه الإسلامي أكد فيها أن مناط النزاع في مسائل الخطأ الطبي يتعلق بالأنفس والأعضاء وأن الله تعالى قد حكم في هذه الخصومات من فوق سبع سماوات، فإن تحقيق العدالة محصور في التزام مرجعية الشريعة في التشريع والقضاء والتنفيذ، وتحدث في ورقته حول تأصيل المسألة من مظانها الفقهية بما يتوافق مع متطلبات البحث الفقهي المعاصر مع الأخذ بعين الاعتبار اختيارات التطبيق القضائي، وذكر بعض المسائل المعاصرة التي تمس جوانب مهمة في مهنة الطب مع التعرض لأصول المهنة.
وفي الورقة الثانية قدم فضيلة الدكتور يوسف بن سالم الفليتي قاض ابتدائي أول بالمحكمة الابتدائية بمسقط ورقة حول «المفهوم القانوني للخطأ الطبي»، تحدث فيها عن أنواع الخطأ الطبي، وهو خطأ مقصود ومتعمد وخطأ غير مقصود، فالخطأ الأول ينشأ عن تعمد وقصد أذى المريض نتيجة الجهل أو عدم المعرفة أو ضعف الوازع الديني وغير ذلك، والخطأ الثاني الذي يبذل الطبيب فيه جهده وإخلاصه وكل ما لديه إلا أن الطبيب لا يقوم بسؤال من لديه تجربة أكثر منه خاصة في الأمراض النادرة والمستعصية، أو لا يقوم بتشخيص المريض بالطريقة الصحيحة، أو عدم التزامه أخذ الحيطة والحذر أو عدم التزامه بالمعايير.

الخطأ وعلماء الطب

وتناولت الجلسة الثانية محور الخطأ الطبي من منظور علماء الطب، ترأسها الدكتور حمودة فتحي حمودة، وشارك فيها الدكتور وليد بن خالد الزدجالي رئيس الجمعية الطبية العمانية، حيث قدم ورقة بعنوان «المشكلات العملية وانعكاساتها على تحديد مفهوم الخطأ الطبي»، أكد فيها أن الأخطاء الطبية قد تكون فردية أو بسبب النظام المتبع داخل المؤسسة الصحية أو بسبب النظام الصحي بشكل عام، إن لم يتم اتباع المعايير الطبية المعارف عليها. وقال في ورقته: إنه عند الحكم على الإجراء الطبي يجب الاستعانة بأصحاب الخبرة.
وفي الورقة الثانية تحدث الدكتور عبدالله بن راشد العاصمي رئيس اللجنة الطبية العليا حول «دور اللجنة الطبية العليا في دعاوى المسؤولية الطبية»، حيث أكد في ورقته أن آلية معالجة الشكاوى الطبية في السلطنة أظهرت تحسنًا كبيرًا على مر السنين، كما أن عدد الشكاوى المسجلة في اللجنة الطبية العليا قد انخفض مقارنة بزيادة عدد المراجعات وزيارات المرضى إلى المرافق الصحية المختلفة، ويعزى ذلك إلى حد ما إلى الجودة العالية للخدمات الصحية المقدمة في الدولة، التي يدعمها نظام المعلومات الصحية المتقدم جدًا.

المسؤولية للخطأ الطبي

وبحث المحور الثالث والأخير للندوة «المسؤولية القانونية عن الخطأ الطبي»، قدمت الجلسة برئاسة الدكتور مزهر بن جعفر عبيد، وبمشاركة الدكتور أيمن مصطفى عضو هيئة التدريس والتدريب بالمعهد العالي للقضاء، حيث قدم ورقة حول «المسؤولية المدنية عن الخطأ الطبي»، أكد فيها أن مسؤولية الطبيب المدنية يمكن أن تنعقد سواء وقع الإخلال بأحد الالتزامات الفنية أو غير الفنية كما أنه لا أثر لدرجة الخطأ الطبي على الإعفاء الطبي من المسؤولية عنه.
وتناولت الورقة الثانية بعنوان «المسؤولية الجزائية عن الخطأ الطبي» التي قدمها عيسى بن سالم الشبيبي رئيس ادعاء عام الخطأ الطبي وأنواعه، ووسائل إثباته، وشروط مزاولة الأعمال الطبية، وكيف يتعامل الادعاء العام مع الشكاوى الواردة إليه بشأن الأخطاء الطبية، واستعرض مجموعة من حالات الأخطاء الطبية التي تعامل معها الادعاء العام، وتوضيح كيفية التصرف فيها، سواء بالحفظ أم بالإحالة إلى القضاء الجزائي.

تضخيم الأخطاء

وفي تصريح لوسائل الإعلام تحدث معالي الدكتور أحمد بن محمد السعيدي وزير الصحة قائلا: إن الأخطاء الطبية على المستوى العالمي لا ننكر أنها لا توجد، ولا يمكن لأية مؤسسة تقدم خدمات صحية دون أن تقع أو يقع كادرها في أخطاء، ولكن ما نريد أن نبينه هو عدم تضخيم الأخطاء الطبية، وتهويلها؛ لأن الأمر غير ذلك.
وقال معاليه أيضا: في عام 2017م رفع إلى اللجنة الفنية العلياء للأخطاء الطبية، وهي لجنة مستقلة وحيادية تنظر في الأخطاء الطبية، رفع لها 76 حالة، والحالات التي نظر فيها بمجمل 61% من هذه الحالات لم يثبت أنها وقعت في خطأ أو تقصير طبي، وأقل من 40% يمكن أن يثبت أنه خطأ طبي، ومع الأسف الشديد هناك فرق بين الخطأ الطبي غير المقصود وما هو معروف كمضاعفات لمداخلات طبية، سواء أكانت مضاعفات عند استخدام الأدوية أو العملية أو حالات المرضى الذين عادة لا يأتون إلى المؤسسة لعلاج مرض واحد، ولربما يسبب بعض الأضرار في أعضاء أخرى في الجسم.
وقال معاليه أيضا: إن ما أحب أن أؤكد عليه هو أن اللجنة الفنية العليا هي لجنة ذات استقلالية ومصداقية، وتبذل قصارى جهدها للوصول إلى الحقائق، وهدفنا دائما تقديم خدمات صحية ذات جودة عالية، وحماية المرضى من كافة ما يدور حولهم، من أجهزة ومعدات وممارسين صحيين لتفادي الأخطاء الطبية، ولكن لا ينكر أن هناك أخطاء طبية، وأن إجراءات تصحيح ما يمكن تصحيحه على ضوء التوصيات التي تأتينا من قبل اللجنة الفنية.
وقال معاليه : «حول تعامل وزارة الصحة مع الأطباء إذا ثبتت الأخطاء، إن هناك ضوابط ومعايير، وعدة خطوات، تبدأ بالتنبيه والإنذار ثم الفصل، ويعتمد على حجم الخطأ الطبي والضرر الذي وقع على المريض، وأؤكد أن وزارة الصحة لم ولن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية، مع التأكيد على حماية أبنائنا وبناتنا العاملين في القطاع الصحي، والتأكيد على منحهم المساحة للتصرف لإنقاذ حياة الناس».

توصيات

وفي بيانها الختامي أكدت ندوة «الخطأ الطبي في ميزان العدالة»، ضرورة ترسيخ الوعي لدى أفراد المجتمع، وكذلك العاملين في المجال الطبي بحرص الدولة الكامل على نجاح النظام الصحي، وحماية المرضى من الأخطاء الطبية قدر الإمكان، وذلك من خلال المؤتمرات والندوات والدورات التدريبية المتعلقة بهذا الشأن.
ودعت إلى قيام الجهات الصحية بوضع معايير ممارسة معتمدة لكل إجراء طبي، مما يتيح التوازن المطلوب بين توفير البيئة الآمنة للأطباء والمعاونين لهم وحماية المرضى من الأخطاء الطبية.
كما أكدت على نشر ميثاق مهنة الطب أو ما يعرف بدليل أخلاقيات مزاولة مهنة الطب البشري والسلوك المهني للأطباء، ليكون متاحا للجميع التعرف إليه
وحثت المشرع العُماني على تعديل قانون مزاولة مهنة الطب البشري وطب الأسنان، إذ يتضمن النص على التزامات الطبيب كافة في العمل الطبي، ومتى يوصف مسلك الطبيب بالخطأ في تنفيذ هذه الالتزامات، وكذلك إلزامُ الطبيب بإعلام المريض بالمعلومات اللازمة عن طبيعة مرضه والآثار الجانبية للعلاج

تسوية المنازعات

وأكدت الندوة في بيانها على تشجيع نظام تسوية المنازعات بشأن الأخطاء الطبية خارج دوائر المحاكم، سواء عن طريق التأمين الصحي للطبيب أو عن طريق التحكيم، على غرار ما هو متبع في بعض الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية، وتطوير إجراءات التقاضي في منازعات الأخطاء الطبية، والعمل على إنشاء دائرة قضائية متخصصة. كما دعت إلى إصدار دليل قضائي يضم المبادئ القضائية الجزائية والمدنية والإدارية المتعلقة بالأخطاء الطبية للاسترشاد به من الجهات والأشخاص المعنيين. واختتم بيان الندوة بالتأكيد على متابعة التعديلات التشريعية المتعلقة بالمجال الطبي، وتعميمها على المؤسسات الصحية، وخاصة ما ورد في قانون الجزاء الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 7/‏‏ 2018، في المادة (44) منه، وهي التي تبين كيفية ممارسة الأعمال الطبية والتدخل العلاجي.