الأعمال التطوعية حث عليها الدين الإسلامي وأجزل لفاعلها المثوبة والعطاء

تكافل اجتماعي –
هلال بن حسن اللواتيا –

«الضرورة الاجتماعية تدفع الإنسان إلى ضرورة اعتماد مشاريع تطوعية، فهي تحمل عن الآخرين مجموعة من المسؤوليات، وتخفف عن كثير من أبناء المجتمع ثقلها وأعبائها، كما انها تساهم في إعادة الإعمار وفي تنمية الأفراد والمجتمعات، وفي ترسيخ التلاحم والأواصر، إضافة إلى ميزات أخرى كثيرة. ولو تأملنا في النصوص الشريفة وفي السيرة النبوية وفي سيرة أهل بيته وسيرة الصحابة الأجلاء الكرام رضوان الله تعالى عليهم سنجد الكثير من المحطات الرائعة التي تبين جماليات العمل التطوعي»

يمتاز الإنسان عن سائر المخلوقات بمجموعة من السمات والصفات، ومن هذه السمات أنه كائن تفاعلي بإدراك ووعي وإبداع ويمكنه تطوير عمله ويخترع ما لم يكن من سبقه متعرفاً على ذلك التطور، بل لم يكن يتخيله، وعندما يقوم الإنسان بمجموعة من المهام وابتكار الوسائل والطرق والأدوات والمهارات والأفكار فإنه لا يخلو من دافع يدفعه، وهذا الدافع أيضاً من السمات المميزة له عن كثير من المخلوقات، فهناك دافع مادي يدفعه إلى فعل شيء، أو قد يكون دافع المصلحة، أو قد يكون دافع الخوف، أو ربما دافع الجذب، ولا تخلو هذه الدوافع من أحد الأقسام الثلاثة: الرهبة، الطمع، أو للحب، وهذا الحب لا يخلو أيضاً من أحد الثلاثة: إما حب العمل، أو حب الذات، أو حب المقابل، وفي هذا النوع الثالث من الدوافع تتحقق معالم «العمل التطوعي»، والإنسان إما أن يحب نفسه فيريد القيام بأعمال تطوعية لاستكمال لذة الذات، وإما أن يكون محباً للفعل، فيقوم به من دون أجرة ومستلذاً به، وإما أن يكون محباً للمقابل فلا يبحث سوى عن سعادته وراحته ورضاه.
ويعرف العمل التطوعي بأنه عمل لا يبحث عن أجرة أو شهرة أو مكافأة مادية أو معنوية، بل إنه عمل لأجل تحقيق غرض لا يبحث فيه الفاعل أو العامل المتطوع عن شيء لذاته ونفسه، وبالتأمل في هذه النفس البشرية سنجدها متزودة بعامل الاندفاع إلى ممارسة الأعمال التطوعية، وإذا ما نظرنا إلى العمل التطوعي من جهاته العامة (بالمعنى الأعم) فإنه يشمل كل التصرفات التي لا تبحث مجازة من قبيل ما يقوم به الأب والأم تجاه الأبناء من التضحيات، فهذا وإن كان دافعه الأبوة والأمومة إلا أنه يمكن أن يدخل ضمن دائرة العمل التطوعي، إلا أن الذي عرف به هذا المصطلح، وما تُعُرف عليه في الوسط الاجتماعي ما يقصد به هو من جهاته الخاصة (بالمعنى الأخص) والذي يختص بالأعمال الاجتماعية والمجتمعية، بحيث لا يبحث الإنسان لنفسه أي مكافأة أو جزاء أو مدح أو ثناء، بل ولا ينتظر الفاعل (المتطوع) من المجتمع والأفراد أي ردة فعل ولا أي موقف إيجابي، وهذا العمل التطوعي هو الذي يعلو على الذات ويعلو على الرغبات النفسية، فيخلص من كل شائبة تشوبه.
إن العمل التطوعي عامل من أهم العوامل لكشف ما عليه باطن الإنسان وما عليه نفسيته وفكره وأخلاقه، لأن العمل التطوعي يبرز فضيلة التواضع في الإنسان المتطوع، وتكشف فيه ترفعه عن حب ذاته ونفسه أو حب من يهمه أمره، وتكشف عن فضيلة التضحية بالوقت والمال، وتكشف عن إنسانيته وسمو ذاته.
إن العمل التطوعي يبرز أهم عنصر من عناصر البناء الاجتماعي الموحد وهو «التكافل الاجتماعي» فإن للتكافل الاجتماعي صور كثيرة، ومصاديق متعددة؛ والتي منها: مشاركة الآخرين أفراحهم وأتراحهم، ومنها إشعار المقابل بحالة من التساوي بين أبناء المجتمع، وإلغاء للطبقية والعنصرية وكل أشكال التمييز المخل بوحدة المجتمع وتماسكه وترابطه وعلاقته وانسجامه، ورفعته.
إن العمل التطوعي أمر وإن كان ليس فيه ما بإزاء عوض أو مكافأة، وبرغم ذلك فإنه أمر لابد منه في التكوين الاجتماعي وفي البناء المجتمعي، وإذا خلا منه عرّض المجتمع وأبناءه أنفسهم للتشتت ولربما قد تؤول العواقب إلى العداء والظلم وسيادة الرذيلة لا سمح الله، لأن لا يقدر كل منا على ممارسة كل شيء في الحياة، كما لا يتمكن الإنسان أن يدفع على كل معاملاته وأعماله مبالغ وأموالاً، وهذا يعني إن الضرورة الاجتماعية تدفع الإنسان إلى ضرورة اعتماد مشاريع تطوعية، فهي تحمل عن الآخرين مجموعة من المسؤوليات، وتخفف عن كثير من أبناء المجتمع ثقلها وأعبائها، كما أنها تساهم في إعادة الإعمار وفي تنمية الأفراد والمجتمعات، وفي ترسيخ التلاحم والأواصر، إضافة إلى ميزات أخرى كثيرة في الأعمال التطوعية لا مجال لذكرها الآن.
ولو تأملنا في النصوص الشريفة وفي السيرة النبوية وفي سيرة أهل بيته وسيرة الصحابة الأجلاء الكرام رضوان الله تعالى عليهم سنجد الكثير من المحطات الرائعة التي تبين جماليات العمل التطوعي إضافة إلى ما ذكرناه قبل قليل، فإليك نماذج منها، فالأنموذج الأول هو أنموذج قرآني، فقد قال الله تعالى: «إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا»، وفي هذه الآية بيان واضح على أن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين كانوا قد أطعموا المسكين واليتيم والأسير لوجهه سبحانه ولم يريدوا بالمقابل أي شيء، وهو نحو من أنحاء التشجيع على العمل التطوعي الذي فيه رضا الله تعالى، وهذا العمل بهذا النية وهي لله تعالى تفتح آفاق الكائنات على هذا الإنسان المخلص، وتدفع الكائنات إلى التفاعل الإيجابي مع هذا الإنسان المطيع لله تعالى، وقد ثبت في محله شعور الكائنات وتفاعلها مع المرتبط بالله تعالى بالإيجابية، ولكن كيف، فهذا الموضوع خارج عن إطار هذه المقالة.
ويمكن أن يتعلق العمل التطوعي بالإنسان من قبيل مساعدته، وبذل ما يمكن بذله لمساعدته وكشف كربته، كما أنه يمكن أن يتعلق بالطبيعة ومتعلقاتها، من قبيل تنظيف الشوارع والشواطئ والأودية والتلال، وتشجير المدن وغيرها من المظاهر الطيبة الجميلة.
وجاء في بعض النصوص الشريفة عن الذي يقوم بعمل تطوعي ليرفع عن أخيه المؤمن كربة الخير العظيم، فقد ورد في الأثر الشريف: «من نَفَسَ عن أخيه كربة من كرب الدنيا نَفَسَ الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله تعالى في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه …»، فالرواية وما هو مثلها تدفع الإنسان المسلم إلى مثل هذا العمل التطوعي، وتشجعه عليه، وتبين له الآثار الجميلة، وورد عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: «إن مكرمة صنعتها إلى أحد من أناس، إنما أكرمت بها نفسك وزينت بها عرضك، فلا تطلب من غيرك شكر ما صنعت إلى نفسك»، وورد أيضاً: إن من موجبات المغفرة، إدخالك السرور على أخيك المسلم، وإشباع جوعته، وتنفيس كربته»، وأيضاً: أفضل الصدقة صدقة اللسان، قيل: يا رسول الله، وما صدقة اللسان؟ قال: الشفاعة تفك بها الأسير، وتحقن بها الدم، وتجر بها المعروف إلى أخيك، وتدفع عنه الكريهة»، وورد أيضاً: كان معاذ يمشي ورجل معه، فرفع حجراً من الطريق فقال: ما هذا؟، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين يقول: من رفع حجراً من الطريق كتبت له حسنة، ومن كانت له حسنة دخل الجنة»، والأخبار الشريفة كثيرة جداً في هذه الأمر.
وكما نجد النصوص الشريفة قرآناً وسنة التشجيع على العمل التطوعي فإن هناك نصوصاً تبين الآثار السلبية التي تنجم عن الانكفاء عن العمل التطوعي والتراجع عنه، وعن عدم الإقبال عليه، فقد ورد في الأثر الشريف:» يا جابر إن من كثرة نعم الله عليه كثر حوائج الناس إليه، فإن قام بما يحب لله عليه عرضه للدوام والبقاء، وإن لم يقم فيها عرضها للزوال والفناء».
ويجدر أن نذكر هنا فيما يتعلق بالبعد الفقهي والقانوني للعمل التطوعي، فصحيح أن العمل التطوعي ليس بإزاء شيء إلا إن هذا لا يعني أنه يخلو من آداب ومن أحكام فقهية، ومن تبعات قانونية فيما لو تجاوز المرء حدوده لا سمح الله، وهذا يتطلب من الذي يدخل في الأعمال التطوعية أن يراجع فقه العمل التطوعي، ويراجع القوانين المتعلقة به كي يجنب نفسه التبعات والجزاء السلبي.
ويلحظ في العمل التطوعي وجود يد عليا، فهذا لا يعني أن يتجاوز أحد خُلقه على الآخرين بالمن والأذى، أو التكبر والغرور والاستعلاء، فإن التزود بالخلق قبل الدخول إلى هذا العالم أمر في غاية الأهمية، لأنه يتطلب فيه التواضع والأمانة والإخلاص والتغاضي والصبر والحكمة وسعة الأفق وبعد النظر.
كما أن العمل التطوعي يمكن أن يكون بنحو مفرد فيقوم به فرد واحد من الأعمال التطوعية فإنه يمكن أن يكون بنحو فريق عمل وبشراكة مجموعة من المتطوعين، وهذا يعني أن ضرورة مراعاة آداب العمل الجماعي وفريق العمل، وهذا ايضاً لا يخلو من أحكام فقه العمل التطوعي.
وكما أن العمل التطوعي يتعلق بالجانب المادي فإنه أيضاً يتعلق بالجانب المعنوي وبالبناء الفكري والسلوكي بالإرشاد والدورات التعليمية التربوية والتنموية، ولعل هذا الجانب أهم من الجانب الأول، لقلة المتصدين له، ورغبة البعض في العوض، والحال أن التصدي بعمل تطوعي في الإرشاد والتوجيه لأمر في غاية الأهمية حيث فيه تحصين الأجيال وتوعيتهم وتزويدهم بما يحفظهم من الأفكار والسلوكيات السلبية.

 

نفوس سمحة –
حمود بن عامر الصوافي –

«الأعمال التطوعية تعد ركيزة من ركائز هذا الدين فلا نجد الصلاة إلا مقرونة مع الزكاة أو الإنفاق والصدقة وهل يوجد دين اهتم كثيرا بالإنفاق والصدقة ومضاعفاتها غير دين الإسلام؟ فالعمل التطوعي يبرهن على حب الإنسان للإنسان، ومحاولة بذل ما يملك من طاقات وقدرات لإسعاد الآخرين بأي شكل»

جاء الإسلام متكاملة أجزاؤه، مستقيمة مبادئه، لم يأمر بأمر ولم ينه عن شيء إلا لمصلحة البلاد والعباد، قال تعالى: «مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ». فلم يدع صغيرة ولا كبيرة إلا بينّها ووضحها سواء ظهر ذلك جليا ظاهرا أو فهم من خلال نصوص عامة خليق بنا أن نبحث عنها وننزلها في الواقع ونطبقها في واقعنا.
ولا ريب أن العمل التطوعي من الأعمال الرائدة التي ذكرها المولى وحض عليها، وذكرها تحت مسميات كثيرة كالإنفاق والصدقات الخ، قال تعالى: «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ».
وربما لا نكون مبالغين إن قلنا إن موضوع الأعمال التطوعية يعد ركيزة من ركائز هذا الدين فلا نجد الصلاة إلا مقرونة مع الزكاة أو الإنفاق والصدقة وهل يوجد دين اهتم كثيرا بالإنفاق والصدقة ومضاعفاتها غير دين الإسلام؟ وهل توجد ديانة رغّبت في الصدقة مثل ما رغّب بها دين الإسلام؟ إذن لا تعجب إن رأيت الكثير من المدارس والمستشفيات والطرق الخ عملت عن طريق أصحاب الأيادي البيضاء والأعمال التطوعية.
فالعمل التطوعي يبرهن على حب الإنسان للإنسان، ومحاولة بذل ما يملك من طاقات وقدرات لإسعاد الآخرين بأي شكل، وبأي طريقة كانت لذلك ازدادت الجمعيات التطوعية مع ازدياد التنافس والطمع على المال، والرغبة في كنزه بأي صورة والتفنن في الاستحواذ عليه بأي طريقة سواء عن طريق امتصاص أموال الآخرين واستغلال حاجاتهم والتعامل معهم بالربا، أو على حساب وقت الفرد وسعادته واهتمامه بأولاده وأسرته لذلك يجب على الإنسان المسلم أن يحرص كل الحرص على تخصيص وقت من فراغه لمدارسة واقعه، والتأمل في معاملاته وحياته، وتقويم كل ذلك بما يخدم دينه ويعين الفقراء والمحتاجين على تخطي محنهم وأوجاعهم وأدوائهم.
ولا ريب أن محاولة البحث عن بدائل وطرق متنوعة ومتباينة يخدم بها المجتمع دون أن يأخذ منهم درهما أو دينارا يعد من أفضل الأعمال وأقربها إلى المولى عز وجل لذاك تعد الأعمال التطوعية حياة للعامل لأن العامل يقدم على عمل لا يرجو منه نفعا ماديا محضا بل هو خالص للمولى عز وجل فبسبب ذلك العمل استفاد الكثيرون وجاء في الحديث الشريف «خير الناس أنفعهم للناس» أو كما قال صلى الله عليه وسلم فكم أسر أنقذت من الموت ومن أسارى الدَّين بمثل هؤلاء وكم أناس تزوجوا وكوّنوا أسرهم عن طريق هؤلاء ناهيك عن أعمال عظام يقوم بها المتطوعون كبناء مدارس ومساكن وآبار ومساجد يعبد فيها الله تعالى وتقام شعائره. فلله در هؤلاء الذين سخت أنفسهم وارتفعت إلى معالي الأمور وسمت إلى أعلى العليين فقد اقتطعوا من أموالهم ووقتهم في سبيل الآخرين.
ولا شك أن الإنسان يعد المال جزءا منه مرتبطا به لا ينفك عنه فكأنهم بإنفاقهم وسخائهم أخذوا من دمائهم وتعبهم في سبيل راحة الآخرين واستمرار حياة الاطمئنان للناس ولا ريب أن أمثال هؤلاء قد فازوا ونجحوا وذلك لأن من يقوم بعمل أو ينفق دون مقابل ويسعد الآخرين هو أكثر سعادة من أولئك الذين يكتنزون الأموال ويضعون السياجات والاحتياطات خوفا من ذهاب فلس أو نقص درهم فكم هم في هم وغم لو أصيبوا بنكبة أو نقصت أموالهم برهة أو أفلست تجارتهم فقد يصابون بجلطة أو تغير في الأمزجة
أما أولئك الذين يبذلون ويتطوعون تجد نفوسهم سمحة ونظرتهم إلى المال متوازنة فلا يضيعون أموالهم ولا يحرصون على كنزها بل يعتقدون أن المال هو مال الله وهم مستأمنون فيه لا يجوز لهم تضييعه أو السرف فيه أو إهماله أو منع الفقراء منه فكانوا أوفياء لهذا المال نالوا حظا منه في دنياهم وآخرتهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذهب أهل الأجور بالدثور».
فقد زادت أجورهم عن غيرهم بإنفاقهم وتضاعفت أرصدتهم في الدنيا والآخرة ونالهم من الأجر ومضاعفة الثواب ما تنأى الجبال الراسيات العظام عن حمله فثقلت موازينهم وارتقت أعمالهم، قال تعالى موضحا مثل هؤلاء والكرامة التي تتضاعف في حقهم: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)».
والعمل التطوعي لا يعود أثره على الفرد في الحصول على الأجر والسعادة بل هو يزرع في الناس الورد والياسمين بتقديمهم ما يحتاجون إليه لذلك يجب على أهل التطوع أن يوطنوا أنفسهم لمواجهة أو مجابهة المجتمع فيما يخص مؤسساتهم لا سيما إن تعرضوا لانتقاد من الحساد أو غيرهم من الأشخاص الذين يريدون أن يعطلوا عملهم أو يقللوا من شأنهم أو يقدحوا في نزاهتهم؛ لأنهم منذ تأسيسها لم يريدوا منها إلا رضا الله تعالى فعليهم أن يكونوا أكثر انتباها وحذرا ممن يتعاملون معهم فلا ينبغي أن يتزلفوا ويتملقوا لآخرين بل المبادئ يجب أن تكون حاضرة فلا يمكن لمثل هؤلاء أن يركنوا إلى الظلمة لرفعهم أو التملق إليهم للحصول على إعاناتهم لأن العمل التطوعي فيه نزاهة وصفاء وتبرع يجب أن يكون نقيا خالصا من الشبه غير مرتبط بأهل الأهواء المنتهزين للفرص. ومنذ الزمان الساحق والناس يقفون صفوفا ووحدانا أمام دور المساجد؟ وكل ما له تعلق بالدين والإسلام والأخلاق؟ يا ترى لماذا كل هذا لأنهم أدركوا أن الملاذ هناك وأن الخير يبدأ من هناك، وما زال أصحاب المدارس الدينية وغيرها من الأماكن كوكلاء المساجد يجوبون البلدان بحثا عمن يتبنى مشروعهم وقلما نجد التباطؤ أو الثقل في مثل هذه الأعمال بيد أن هذه الأعمال ما زالت تحتاج إلى اهتمام وتشارك وهمة ونشاط لأن غالبها فردية وإن بدت ذات مؤسسات إلا أن فكرة الاتكالية تجدها حاضرة ماثلة أمامك بشدة فعلى كل منا أن يكون مهتما بهذا العمل يقطع ذلك من جهده ليسهم في مساعدة الآخرين والارتقاء بهذه الأعمال الرائدة التطوعية.
ويا للأسف أن نجد الكثير من الناس اليوم ينفرون من العمل التطوعي ويعدونه غير مجد يزيد في ارتباطهم واحتجازهم والأخذ من وقتهم لكن هؤلاء الشباب ما دروا فوائد هؤلاء الأشخاص وسعادتهم وهم يقتطعون ذلك من وقتهم وجهدهم ودمهم لذلك حري بنا ونحن نتدارس هذه المواضيع ألا ننسى إخواننا في مشارق الأرض ومغاربها وأن نتحالف مع بعضنا البعض لئلا يضيع جهدنا أو يختفي جهدنا في جهود الآخرين.
والعمل التطوعي إن فقد التنظيم صار عبثا لا فائدة منه بل العمل الجماعي المؤسسي يضمن استمرار هذا الرفد للفقراء والمحتاجين بينما لو اقتصر على أشخاص معينين لانقطع بانقطاعهم أو وفاتهم فعلينا أن نوطن أنفسنا وأن نكون جاهزين لمثل هذه الظروف والاحتمالات وأن نولي الأعمال التطوعية العناية الفائقة لأنه من سمات الدين السمح. وقد وجب وجود لائحة تعنى بالعمل التطوعي وطريقة سيره في المؤسسة بعيدا عن العمل الارتجالي الناقص القاصر الذي لا يفيد المجتمع إلا بقدر عشوائيته بل الأموال تتبارك وتزداد وفق العمل المؤسسي ويمكن إيجاد اقتراحات أخرى مثل شراء منازل وعقارات للاستفادة من الأعمال التطوعية وتنميتها للبركة وتكون حصة الفقراء بعد ذلك كثيرة وكبيرة.
والأعمال التطوعية تحتاج دوما إلى دعم مالي ومعنوي فيجب أن تتكاتف همم المجتمع عن بكرة أبيها لإبقاء دعم هذه الجمعيات متوقدة، ويجب على من يملك خبرة أو طاقة أن يقدمها طواعية إلى هذه المؤسسات فمثلا من يملك القدرة على التصميم يكون من عمله لهذه الجمعيات بالمجاني أو بمبلغ رمزي فيكون قد ساهم في رفع العبء ولو قليلا عن هذه المؤسسات. وهناك كل يدلو بدلوه للارتقاء بالجمعيات التطوعية فمنهم من يقدم لهم برمجة ومنهم نقودا ومنهم أموالا الخ.
وينبغي كذلك أن توضع آلية لسير هذه الجمعيات بحيث تعرف المدخلات من المخرجات ويتم رصد كل ما في جعبة هذه الجمعيات ومعرفة خروج الأموال ودخولها وحصرها ووضع جدولة جديدة لكل أسرة تحتاج إلى مساعدة وتخصيص العمل التطوعي لحاجات وأشياء متعددة، كما ينبغي أن توضع قوائم تجدد سنويا فيما يخص أسر الضمان الاجتماعي وذوي الدخل المحدود وفي كل ما يخدم المجتمع ويحسن من أدائه وتقدمه.