خطبة الجمعة: الإسلام دعا إلى تسهيل الزواج وأوصد الأبواب المنافية للخلق والفضيلة

«الإيدز» وباء مرعب والنكاح الشرعي يحصن الإنسان من الأخطار –

تتناول خطبة الجمعة لهذا اليوم موضوع انتشار مرض نقص المناعة المكتسب «الإيدز»، وهو المرض الذي أصـبح يقلق الأفراد والمجـتمعات في هذا الزمان، مبينة أن أعداء هذا الدين أدركوا أن العفة لدى المسـلمين والمسـلمات هي الحاجز المنيع الذي يحول دون انتشار هذا المرض المدمر فيما بينهم؛ ولذلك يعملون جاهدين على خلو المجـتمعات المسـلمة من مظاهر العفة والعفاف، ويجـتهدون في نشر وسائل الانحلال الخلقي بكل سبيل وغاية، وقد نجحوا في اختراق كثير من مجـتمعات المسـلمين.
وأكدت أن الإسلام أوصد كل سبيل يفضي إلى تلبية داعي الشهوة الجنسية لدى الإنسان من غير طريق النكاح الشرعي الذي يتحصن به من دخله من الأخطار. مؤكدة أنه يجب على من ابـتلي بهذا المرض أن يحرص على عدم نقل ما ابـتلي به إلى غيره، وألا يكون سببا لانتشار هذا المرض، ولا يحل له إيقاع الضرر بغيره، وهنا نص الخطبة كاملا الذي جاء تحت عنوان: «الإيدز الـمرض الـمرعب».

الحمد لله الذي يحب التوابين ويحب المتطهرين، أحمده وأشكره على نعمه المتواصلة كل حين، وأشهد ألّا إله إلا الله وحده لا شريـك له، ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الهداة المهـتدين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا عباد الله: اتقوا الله جل وعلا، واعـلموا أن الله تبارك وتعالى قد انتقى لكم خير دين، يقوم السـلوك، ويهذب المشاعر، ويطهر القلوب، ويجعل حياة من اسـتمسك به حياة مسـتقيمة، نظيفة الظاهر والباطن، ومتى ما صلحت حياة الأفراد صلح حال المجـتمع بأسره، فكان مجـتمعا خاليا مما يخدش الحياء، ويزعزع بناء الأخلاق، ويهـتك ثوب الكرامة، بريئا مما يوجب السخط والعقوبة والملامة، فالحقوق فيه مصونة، ويتحلى أفراده بالانضباط والأمانة، يأمن فيه الناس على أعراضهم، وتحـفظ لهم فيه سمعتهم، فلا يذكرون إلا بخير، ولا يذاع عنهم إلا الثناء الحسن الجميل.
عباد الله:
إن مما أصـبح يقلق الأفراد والمجـتمعات في هذا الزمان ما يدعى بمرض «الإيدز» مرض نقص المناعة المكتسب، ومعـنى «نقص المناعة»: أن يصبح جسـم المصاب بهذا المرض خاليا من خطوط الدفاع الطبيعية التي أوجدها الخالق تبارك وتعالى في جسم الإنسان، بحيث يصبح فريسة سهـلة لكل جرثومة مرض، ولو كان مرضا بسيطا كالزكام مثلا، فينهدم الجسم كله انهداما فظيعا، وتظهر على المصاب به آثار العلل والأسـقام المتنوعة تباعا، حتى ينتهي به الحال إلى الوفاة في بضع سنين. إنه جناية الإنسان على نفسه، يقول تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)، وقد انتشر هذا المرض منذ زمن اكتشافه إلى زماننا هذا انتشارا مروعا في جهات الأرض وأقطارها، مما حدا بمنظمات الصحة العالمية إلى التحذير منه، وإصدار النشرات المختلفة للتوعية من أخطاره. ويصاب به في الأصـل المثليون، أي: أهـل عمل قوم لوط، والمثليات أي: السحاقيات، وكل من زنى بمصابة به أو زنت بمن أصيب به، وكذلك ينتقل من المرأة الحامل إلى جنينها، وهكذا ينتقل عن طريق نقل الدم الملوث بهذا المرض.
أيها المسـلمون:
متى ما أدركـنا طرق انتقال هذا المرض وأن أغـلب طرق انتقاله هي الطرق غير الشريفة، الطرق التي اجـتمعت شرائع المرسلين، عليهم الصلاة والسلام، على تحريمها وتغليظ العقوبة على فاعليها، فإن محاصرة هذا المرض الفتاك في أضـيق نطاق حتى انتهائه ممكن في مجـتمعات المسلمين؛ لأنها مجـتمعات بحمد الله تعالى تحرم الزنى وعمل قوم لوط والسحاق، مجـتمعات نظيفة شريفة طاهر أهـلها: (أُنَاسٌ يَتَطَهَرُونَ)، يقيم أفرادها العلاقات الجنسية بينهم على هدي الكتاب والسنة بما أحل رب العالمين من الزواج الذي رغب فيه أيما ترغيب، وحث عليه أيما حث، كما في قوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: ((يا معـشر الشباب من اسـتطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يسـتطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء))، فالزواج الشرعي هو البديل عن جميع تلكم اللقاءات الجنسية التي تفضي إلى الوقوع في براثن ذلكم المرض العضال، وتنتهي بفاعلها إلى العذاب السرمدي الخالد في الدار الآخرة، ويجب أن تذلل جميع العقبات أمام ذلكم البديل المشروع حتى تغدو حصانته مظلة تحمي الجميع من أمـثال هذه الشرور، ويتفيأ في ظلها المجـتمع المسلم الأمن والسلامة من بلاء مرض الإيدز وسائر العلل الجنسية وما يتبع التفلت غير الخلقي من مفاسد.
عباد الله:
إن مما يجب أن يتنبه له كل مسلم ومسلمة أن أعداء أمة الإسلام قد غاظهم ما عليه مجـتمعات المسـلمين من عفة وحشمة، امـتنع أو قل معها انتشار هذا المرض الذي يفتك بأعداد هائلة من البشر أغلبها في غير المجـتمعات المسـلمة العفيفة، وقد أدرك أعداء هذا الدين أن العفة لدى المسـلمين والمسـلمات هي الحاجز المنيع الذي يحول دون انتشار هذا المرض المدمر فيما بينهم، ولذلك يعملون جاهدين على خلو المجـتمعات المسـلمة من مظاهر العفة والعفاف، ويجـتهدون في نشر وسائل الانحلال الخلقي بكل سبيل وغاية، وقد نجحوا في اختراق كثير من مجـتمعات المسـلمين للأسف الشديد، فلذلك نطالع بين فينة وأخرى إحصاءات تشير إلى ارتفاع مسـتمر لأعداد المصابين بهذا المرض في مجـتمعات المسـلمين، ويقابل هذا العامل الخارجي الذي يساعد على انتشار مرض الإيدز بين المسـلمين عامل داخلي لا يقل خطورة عما ذكرناه ألا وهو العراقيل التي يصطنعها بعض المسـلمين أمام التحصين بالزواج الشرعي، كأن يؤجـلوا تزويج الفتى والفتاة بحجة تأمين المسـتقبل، ولو عقل أصحاب هذه الحجة لرأوا أن الزواج من خير ما يؤمن به المسـتقبل، لأن فيه حصانة لكلا الجنسين من الوقوع في حبائل الرذائل، وما سمي المتزوج محصنا ولا من كانت ذات زوج محصنة إلا لتشبيه الزواج الذي ينعمان به بالحصن الذي يتحصن به من دخله من الأخطار.

أيها المسـلمون:
لقد أوصد الإسلام كل سبيل يفضي إلى تلبية داعي الشهوة الجنسية لدى الإنسان من غير طريق النكاح الشرعي أو ملك اليمين، فالله تعالى يقول: (وَالَذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)، وفي سبيل تنقية النفوس وتطهيرها من الرذائل منع ديننا الحنيف تلبية داعي الشهوة الجنسية عن طريق الزنى، وجعل ذلك محرما، بل حذر من مجرد القرب منه، يقول الحق جل في علاه: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِنَا إِنَهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا)، وجعل سبحانه فيما أصاب به قوم لوط من العذاب المهين عبرة بالغة لأولي الألباب، (فَلَمَا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِيلٍ مَنْضُودٍ، مُسَوَمَةً عِنْدَ رَبِكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَالِمِينَ بِبَعِيدٍ)، وما منع الإسلام من شيء إلا وظهرت فوائد المنع منه في الدنيا قبـل ظهورها في الآخرة، فها نحن نشاهد كيف يحصد هذا المرض نفوس المقبلين على هذه الفاحشة حصدا، ويفتك بها فتكا، فضلا عما سوى ذلك من الفواحش الجنسية، وصدق الله تعالى حين قال: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَى يَتَبَيَنَ لَهُمْ أَنَهُ الْحَقُ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِكَ أَنَهُ عَلَى كُلِ شَيْءٍ شَهِيدٌ،) أَلَا إِنَهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِهِمْ أَلَا إِنَهُ بِكُلِ شَيْءٍ مُحِيطٌ).
فاتقوا الله -عباد الله-، وابـتعدوا عن جميع ما يسخط الله تبارك وتعالى، وتحروا فعـل جميع ما يرضيه ويرضى به عنكم، وتدبروا قوله سبحانه: (فَأَمَا مَنْ طَغَى، وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُنْيَا، فَإِنَ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى).
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.
*** *** ***
الحمد لله، ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا رسول الله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحـبه ومن والاه.
أما بعد، فيا عباد الله:
إن على ضحايا هذا المرض الفتاك أن يوقنوا بأن رحمة الله تعالى قد شملتهم إن كانوا قد ألموا بشيء من القاذورات فعوجلوا بلفحة من هذا المرض العضال، فعليهم أن يبادروا إلى التوبة ما داموا في زمن الإمهال قبـل الارتحال، فإن الله تعالى يمهل ولا يهمل، وهو القائل: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَهُ النَاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)، فما أحرى بالإنسان مذنبا كان أم غير مذنب أن يسارع إلى طلب المغفرة من ربه، قبـل ذهاب ميقات الأعمال وحضور ميقات الجزاء، (وَرَبُكَ الْغَفُورُ ذُو الرَحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا)، وقد علم من عرض طرق انتقال هذا المرض أنه لا مانع من مخالطة من ابـتلي به، مخالطة يتجنب فيها طرق عدواه، ويجب على من ابـتلي بهذا المرض أن يحرص على عدم نقل ما ابـتلي به إلى غيره، وألا يكون سببا لانتشار هذا المرض، ولا يحل له إيقاع الضرر بغيره، فإن في الإسلام لا ضرر ولا ضرار، وهو مطالب بأن يصبر على المصيبة التي ابـتلاه الله بها، يقول الحق تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَمَرَاتِ وَبَشِرِ الصَابِرِينَ، الَذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَا لِلَهِ وَإِنَا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).
فاتقوا الله -عباد الله-، وأدركوا أن الناس يعانون من بعدهم عن الإسلام، وتخبطهم في ظلمات شهوات أنفسهم، وتتبع ما تمـليه عليهم أهواؤهم، فكونوا لهم إلى هدى ربكم دعاة ومرشدين، (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَ رَبَكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). هذا وصلوا وسلموا على إمام المرسلين، وقائد الغر المحجلين، فقد أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليه في محكم كتابه، حيث قال عز قائلا عليما: (إِنَ اللَهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَبِيِ يَا أَيُهَا الَذِينَ آَمَنُوا صَلُوا عَلَيْهِ وَسَلِمُوا تَسْلِيمًا).
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين والمؤمنات إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ووحد اللهم صفوفهم، واجمع كلمتهم على الحق، واكسر شوكة الظالمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين.
اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت سبحانك بك نستجير، وبرحمتك نستغيث ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، وأصلح لنا شأننا كله يا مصلح شأن الصالحين.
اللهم ربنا احفظ أوطاننا وأعز سلطاننا وأيده بالحق وأيد به الحق يا رب العالمين، اللهم أسبغ عليه نعمتك، وأيده بنور حكمتك، وسدده بتوفيقك، واحفظه بعين رعايتك.
اللهم أنزل علينا من بركات السماء وأخرج لنا من خيرات الأرض، وبارك لنا في ثمارنا وزروعنا وكل أرزاقنا يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.
عباد الله: (إِنَ اللَهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَكُمْ تَذَكَرُونَ).