يجب تعزيز ثقافة الطفل بأخبار الأنبياء والمرسلين

بعض القصص المترجمة مليئة بالخرافات وتشوه فكره الصافي –
ميمونة بنت حميد الجامعية –

تحتفل الأمة الإسلامية بميلاد خير البشر، وفي الاحتفاء هذا ما يزيد المسلم يقينا بأن سيرة نبيه – صلى الله عليه وسلم – وهديه المبارك هو خير الهدي وأحسنه، وعليه فقد أوجب الله – عز وجل – علينا لزوم طريقته واتباع سنته، فقال: «واتبعوه لعلكم تهتدون»، وفي دراسة السيرة فوائد عديدة تشحذ الهمم وتقوي العزائم، كما أن في دراسة السيرة متعة روحية وغذاء للقلوب الزكية، علاوة على ما تفيد المسلم عموما من الوقوف على الكثير من الأحكام الفقهية والدروس التربوية والسياسة الشرعية، فمنها يتعلم القائد كيف تكون القيادة، ويتعلم منها الجندي فنون الجندية، ولا يستغني عنها المربون ولا الدعاة عموما، ومن خلالها أيضا يتم معرفة أسباب النصر والهزيمة، وبها يدرك المسلم ثمرة التوكل على الله، وأهمية التضرع إليه سبحانه والأخذ بالأسباب الموصلة إلى النصر، وفي السيرة منهج حياة للفرد والمجتمع المسلم على اختلاف مشاربه، وهي معين لفهم الشريعة الإسلامية بصورة صحيحة لأعظم منهج شهدته الأرض؛ تاريخ سيد البشر أجمعين.
ولأن المقال يهدف إلى كيفية تقريب السيرة إلى ذهن الطفل فإن من المهام الأساسية في تربيته التعرف أولا على مكونات نفسيته استهدافا لتقييم قدراته كل على حدة، والكيفية التي يعمل بها، والمساحة الوظيفية التي يستطيع تنميتها فيه، ويعمل على توجيه قدراته وإمكاناته الذاتية بالنموذج الذي يحقق من خلاله سعادة الإنجاز؛ كل ذلك يؤدي إلى إيجاد النشء القادر على قيادة ذاته لأنه تعلم كيف يوظف هذه الذات، وتعلم كيف يدرك أبعادها، وكيف يجمع طاقاته النفسية ويطلقها على الوجه الصحيح في واقع الإنجاز وعالم الخير، مبتدئا من ذاته إلى ذوات الآخرين فيؤثر ويتأثر ويأخذ من الآخرين أفضل ما عندهم ويعطيهم أفضل ما لديه تحيطه عناية الله وتوفيقه، فسيادة الإنسان هي سيادته على نفسه ومشاعره وأحاسيسه أولا وتوظيفها بشكل صحيح، وبما أن الطفل يتمتع بعقل لم يتلوث بشيء بعد فينبغي تشكيله بالمعرفة الجيدة ورعايته رعاية سليمة كانت السيرة النبوية أفضل منهج ينشأ عليه، وهي خير معين لأن ينهل منها المربون في صقل شخصيات أبنائهم بأسلوب شائق يجدون فيه المتعة التي تجذبهم للمزيد الذي يروي قلوبهم وأروحهم، حيث يتجسد في السيرة المثل الأعلى في قوة الإصرار على المضي مهما كانت الصعاب، وإن قراءة السيرة النبوية وسيرة الصحابة والسلف الصالح يدفع إلى الاقتداء بهم لما في سيرهم من بيئة مساندة في دعم الإرادة وتقويتها، وقد قيل:
قد ينفع الإصلاح والتهـــ ــــذيب في عهد الصغر
والنشء إن أهملته
طفلا تعصر في الكبر

وقد غرس الله – عز وجل – في الطفل فطرة حب التعلم، وقابلية التربية والمرونة التي تصاحبه في سنيّه، وإذ تتفتح فيه كوامن المواهب، ليصير من ذلك الطفل الضعيف إنسان الخير – ذكرا كان أم أنثى – إن بُذرت بذوره، ثم رعي غاية الرعاية، وهناك تؤتي ثماره أكلها، فيعطي، ويُعطى، ويستمر في العطاء حتى يلقى الله.
لقد وضع الله سبحانه وتعالى في شخص نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – الصورة الكاملة للمنهج الإسلامي ليكون للأجيال المتعاقبة القدوة والسيرة الخالدة في كمال خلقه وعمله وسيرته وشموله وعظمته، ولذلك كان من الضرورة بمكان الحديث عن طفولة الأنبياء عموما وطفولة سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – خصوصا، في أسلوب قصصي موجز لطيف رقيق مختوم برحيق العظة والعبرة والقدوة، ليجد الآباء زادا وفيرا لأطفالهم، فيغذونهم على محبة أنبياء الله بما يلقونه عليهم من القصص المفيدة عن طفولتهم، تنمي في دواخلهم حب الخير لهم ولوطنهم ولأفراد مجتمعهم.
إن القصة للأطفال ذات أثر فعال، إن أحسن المربي استعمالها استطاع أن يحقق كثيرا من الصلاح والإصلاح، فنفوس الأطفال تستمتع بالقصة، وتتأثر بالمغزى الذي يحتويه، وفي سيرة نبينا – صلى الله عليه وسلم – من وسائل الخير وتهذيب النفوس الكثير، وقد قيل عن هذا النوع من القصص هي «جند من جنود الله». ولقد احتفى القرآن الكريم بقصص طفولة الأنبياء، وبالقصة عامة، وجعلها باعثا على التفكر والتدبر؛ لأنها واقعة حية، صادقة التعبير، قوية التأثير، عظيمة المقصد، فهي مأخوذة من الحياة المتحركة المتفاعلة؛ لذا فإنها تشد الانتباه، وتحرك المشاعر لدى الأطفال وغيرهم، ذلك أن القصة القرآنية تتميز عما سواها بثبوت الوقائع المسرودة، وعظمة الأداء المعجز، والأسلوب الذي لا يبارى، فالمتلقي يفهم الهدف وحده، وربما يستنتج الطفل ما يتوافق مع طبعه، وبالتالي يشعر بالمتعة والفائدة.
وإن ما يجعل المربي عموما يتمسك بقصص القرآن وقصص السيرة، ويجعلها هدفا يقصده في تربية أطفاله، حين اكتظت بعض القصص المترجمة بألوان من الخرافات والعادات السلبية التي تؤذي سلوك الطفل، علاوة على ما أسهمت به تلك الخرافات من المخاطر على حياة الطفل، وتشويه فكره الصافي، حيث أدخل القصاصون في حكاياتهم قوى خارقة غير مرئية، وجعلوها عمود القصة، أضف إلى ما في ذلك من دفع الطفل إلى تجسيد تلك الشخصيات وما يخلفه ذلك من آثار سلبية على شخصيته، فتعزيز ثقافة الطفل ومعارفه بأخبار أنبياء الله ورسله لهو أمر مهم في ربط تلك القلوب بخالقها، بحيث يروي لهم تلك السير بأسلوب يتناسب مع أعمارهم، ويستخلص لهم بعض الدروس والعبر المستفادة من طفولتهم، كالطاعة وحب الخير والامتثال المطلق للأوامر الربانية، لذا فإن معرفة أسرار الطفولة أمر تربوي ضروري، حيث تقع مسؤولية هذه التربية على عاتق الأبوين في المقام الأول حين يمتلكان القدرة على توجيه، حتى يكون أبناؤهم من أولي الفضل والعلم.
وما من شك أن للطفل غرائز وحواس تصاحبه منذ ولادته، كغريزة الحب والكراهية، والإيجابية والسلبية، وغيرها من الثنائيات المجتمعة في النفس، المختلفة في الاتجاه، تحتاج إلى تدريب وتربية تجعلها متوازنة، تهب الطفل سلوكا قويما، وفكرا سليما، وطبعا أليفا يدخل به إلى الحياة الاجتماعية الواسعة، وإن تفهم الأبوين لهذا الأمر يعين على أن يرشدوا ويهذبوا ليحفظوا الأطفال من متاهات الغرائز والأخلاق المذمومة.
وهناك أنواع عديدة ووسائل كثيرة لتربية الطفل في ضوء القرآن والكريم والسنة النبوية، ما يعين على التنشئة الصالحة والأخذ بيده نحو الأفضل والأقوم، ولعل التربية الروحية هي أولى ما يبدأ بها المربي مع الطفل حيث يشكل قلبه الطاهر النقي مساحة واسعة لاستقبال الفضيلة بأسلوب ميسر مؤثر، وقد تكون الموعظة المؤثرة من أنجع الوسائل التي تنفذ إلى أعماق الطفل إذ قد تفتح طريقها إلى نفس الطفل وتثير كوامنه، وتترك أثرها الطيب في أعماقه، لا سيما إن كانت القدوة الصحيحة موجودة في المؤثرين المحيطين به.
ومن الممكن تقريب السيرة كذلك في القصص الشعري، وتحمل كتب السيرة النبوية صورا عديدة، ومن الصور، ما حفظ عن السيدة حليمة مرضع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عندما كان في باديتها، فكانت تداعبه وتناغيه كما تفعل الأمهات بأطفالهن، وتقول:

يا رب إذ أعطيته فأبقه وأعله إلى العلا ورقه
وادحض أباطيل العدا بحقه

وكانت الشيماء ابنة السيدة حليمة من أشد الناس سعادة بالطفل محمد – صلى الله عليه وسلم -، فكانت تكن له في قلبها كل الحب والعطف والحنان، وكانت تسيل على لسانها همسات أدبية رائقة، تدخل السرور إلى قلبه الشريف – صلى الله عليه وسلم -، ومن همساتها الندية العذبة قولها:
هذا أخ لي لم تلده أمي وليس من نسل أبي وعمي
فديته من مخول مُعمّي فأنْمه اللهم فيما تنمي

إن مهمة المربي في ترسيخ معاني القرآن الكريم وسيرة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – في الطفل مهمة ودقيقة، لأن ربطه بالقرآن ربطا صحيحا يجعل العقيدة الإسلامية راسخة في نفسه، كما أن تعليم الطفل التحاكم في الأمور إلى القرآن والسنة الشريفة يبني عنده الفكر السليم الذي يساعده على معرفة الحق من الباطل، والخير من الشر، مع ضرورة التنبه إلى أن كل ذلك يصدقه واقع المربي، فما لم يكن متمثلا لما يقول فلن تجد كلماته صدى وإن استمدها من القرآن والسنة، لأن أسلوب تعامل الأسرة عموما مع أبنائها، ذو أثر بالغ في مشاعرهم وتكوينهم العقلي، وتأثرهم بالقيم التي تحملها أسرهم، وهي ذات أثر بالغ في نجاحهم في الحياة أيضا، فالأسرة هي المدرسة التدريبية الأولى في اكتساب القيم ومكارم الأخلاق.
إن المربي عموما عندما يدرك أبعاد المهمة التربوية التي يمارسها في تهذيب الطفل، عليه أن يستعد ويصبر لمشقة التربية والتوجيه، وأن يصبر على غرس الأخلاق النبوية في قلب الطفل، ويجتهد ويجاهد في تحسين الخلق، وفي استبدال القبيح منه بالحسن، وذلك في التدريب والمجاهدة والمصابرة والمتابعة، وعلى المربي الواعي الحصيف، أن يستثمر الأوقات المناسبة، والخلوات الطيبة مع الطفل، فيعلم الطفل ما ينفعه، وما يربطه بربه، كما فعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في تعليم ابن عباس عندما كان رديفه على الدابة، فقال له: «يا غلام، ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن»؟ فقلت بلى: فقال: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك…» بهذا الأسلوب التربوي الأخلاقي يتعلق الطفل بالله – عز وجل -، ويقطع جميع العلائق دون الله، فلا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا الله، ولا يسأل إلا الله، فيحفظ الله في خلواته، وعند قوته بتمام الاستقامة على منهجه، يكون دائم المراقبة لله في الشدة والرخاء.
لقد أزاح نبي الأمة الغشاوة عن أعين أصحابه فأبصرت الحق، ومسح الران عن القلوب فعرفت اليقين الذي فطرت عليه، إنه وصلهم بربهم، ووازن بين الخلود والفناء، فآثروا الدار الآخرة على الدار الزائلة، فكان لهم التمكين، وفي يومنا لا سبيل لذلك إلا بالعودة إلى المنهج الحق والسيرة العطرة، على صاحبها أفضل صلاة وأزكي تسليم.