تحافظ على صحة التلاميذ.. الحافلات المدرسية الكهربائية لا تلوث الهواء

براد بلُومَر – نيويورك تايمز –
ترجمة: قاسم مكي –

تقول التلميذة جولييسا دايكلو كروز ذات العشرة أعوام وهي تصعد واحدة من بين أولى الحافلات المدرسية الكهربائية في ولاية نيويورك في صباح أكتوبري بارد أن بعض التلاميذ يسمونها «الحافلات المغرِّدَة». من السهل معرفة سبب هذه التسمية. فهدير محرك الديزل في حافلات المدارس التقليدية الصفراء يمكن أن يُسمَع من على بعد صَفٍّ من المنازل. لكن الحافلات الخمس الجديدة المزودة بمحرك كهربائي في مدينة هوايت بلينس والتي دخلت الخدمة هذا الخريف تسير في هدوء شديد بحيث صار يلزمها بَثُّ لحنٍ موسيقي من أربع نغمات أثناء تجوالها في الطرقات لتنبيه الآخرين بوجودها وأيضا كإجراء سلامة مرورية.

365 ألف دولار سعر الحافلة

بلغت تكلفة شراء الحافلة الواحدة من هذه الحافلات «المغردة» 365 ألف دولار أو ما يزيد عن ثلاثة أضعاف حافلة الديزل الجديدة المزودة بضوابط حديثة للحد من التلوث. هذه السيارات الكهربائية فريدة من نوعها ونادرة الاستخدام. فمن بين 480 ألف حافلة مدرسية في الولايات المتحدة توجد عدة مئات منها فقط كهربائية بالكامل. لكن هذا الوضع يتغير ببطء. فمسؤولو الولايات يسعون إلى التقليل من تعرُّض أطفال المدارس للأدخنة الضارة التي تنبعث من عوادم حافلات محركات الديزل القديمة. كما يزداد قلق هؤلاء المسؤولين باطراد من انبعاثات الكربون التي تزيد من احترار الكوكب. وفي الوقت ذاته تواصل أسعار الحافلات الكهربائية هبوطها مع التحسن المطرد في التقنية. ذلك على الرغم من أن معظم المناطق المدرسية (التعليمية) لا تزال حتى الآن غير قادرة على شرائها. يقول جوزيف بيكر نائب رئيس العمليات بشركة ناشونال اكسبريس التي تتولى تشغيل الحافلات المدرسية في المنطقة التعليمية لمدينة هوايت بلينس (بمقاطعة ويستشستر في ولاية نيويورك) أنهم يعتبرون تشغيل هذه الحافلات الكهربائية «بداية» لشيء فائق الحداثة والجِدَّة. ويستطرد قائلا: «كثيرا ما كنا نمزح ونقول أن حافلات هوايت بلينس هذه (حافلات محرك الاحتراق الداخلي) ستستقر يوما ما في المتحف».

خطوات لتعميم التجربة

يجرى تطبيق تجارب مماثلة حول الولايات المتحدة. فكاليفورنيا أنفقت ملايين الدولارات لمساعدة مناطقها التعليمية التي تعاني من شح في إيرادات موازناتها على شراء عشرات الحافلات الكهربائية الجديدة. هذا في حين موَّلت نيويورك وماساشوسيتس مشروعين أقل حجما يخصانهما. كما بدأت أيضا عدة مدن من بينها لوس آنجلوس وسياتل في شراء حافلات كهربائية بغرض تشغيلها في خطوط النقل الجماعي. ومن الممكن أن تجد هذه الجهود عما قريب دعما من مصدر بعيد عن التصور. ففي عام 2016 وافقت شركة فولكسفاجن بعدما اُكْتُشِفَ أنها تغش في اختبارات التلوث على محركات الديزل التي تتولى تصنيعها على دفع مبلغ 2.9 بليون دولار لصناديق ولائية أمريكية للمساعدة في التخلص من التلوث الإضافي الناتج عن أكسيد النايتروجين الذي أطلقته محركات سياراتها (المغشوشة) في الهواء. والآن تتحرك بعض جماعات حماية البيئة لدفع الولايات لاستخدام هذه الأموال في إحلال حافلات الديزل المدرسية القديمة بحافلات كهربائية. وحتى الآن خصصت ولاية ألينوي 10.8 مليون دولار لشراء حافلات مدرسية كهربائية. كما رصدت ولاية انديانا 2.9 مليون دولار لهذا الغرض. ومن جانبها، تخطط ولاية نيويورك لتمويل شراء 400 حافلة مدرسية جديدة من المتوقع أن تكون من بينها حافلات كهربائية.

معارضة وتأييد

يقول المعارضون لهذه الفكرة أن إنفاق ملايين الدولارات على حافلات كهربائية قليلة العدد نسبيا وباهظة التكلفة طريقة غير كفؤة لتنظيف الهواء من التلوث وأن الولايات يمكنها خفض التلوث بتكلفة أقل من خلال التركيز على استخدام تقنيات محركات الديزل الأكثر نظافة في الحافلات والشاحنات والقطارات وقاطرات السفن. لكن مؤيدي استخدام الحافلات الكهربائية يردون على ذلك بقولهم إن الاستثمارات المبكرة في هذه الحافلات ستدفع الشركات المصنِّعة لها إلى زيادة الإنتاج مما سيؤدي إلى خفض الأسعار إلى مستوى يمكِّنها من منافسة حافلات محركات الديزل بدون أن تتلقى أي دعم مالي. وهذا ما سيوفِّر أيضا أداة جديدة لمعالجة التغير المناخي. وحسب شركة البيانات (بلومبيرج نيو أنيرجي فاينانس) تتراجع تكلفة بطاريات الليثيوم آيون بنسبة 19% في كل مرة يتضاعف فيها حجم إنتاجها.

أداء الحافلات الكهربائية

وفي الأثناء يراقب إداريُّو المدارس باهتمام أداء الحافلات الكهربائية في المشروعات المنفذة (مشروعات إحلال الحافلات التقليدية بالكهربائية) للتأكد من أنها تقطع مسافات كافية وتدار بطريقة موثوقة. فحين شرع بايارد جيرسون (50عاما) في قيادة إحدى الحافلات الجديدة عبر مدينة هوايت بليس لنقل تلاميذ مدرسة ابتدائية بدأ أولا بفحص الأزرار الرقمية على لوحة القيادة أمامه ليحدد حجم الشحنة الكهربائية المتبقية في بطارية حافلته. وجد أنها تكفيه لمسافة 58 ميلا، وهي أكثر من كافية لمشاوير الـ 19 ميلا التي كان يلزمه قطعها ذلك الصباح قبل إعادة شحن بطارية الحافلة لجولة (العودة من المدرسة) في فترة ما بعد الظهر. قال جيرسون «يمكنني أن أقضي اليوم كاملا دون شحن البطارية. ولكنك كما تفعل مع هاتفك الخلوي من الأفضل لك أن تشحن البطارية طوال الوقت». لكن مع انتشار محطات شحن السيارات الكهربائية حول الولاية يمكن في نهاية المطاف أن يختفي القلق حول المسافات التي بمقدور هذه السيارات أن تقطعها. أما في الوقت الحاضر فمنطقة هوايت بلينس التعليمية تستخدم حافلاتها الكهربائية أساسا في أقصر الطرق التي تقود إلى المدارس. ويتردد الإداريون في استخدامها في رحلات خارج المدينة مثل الذهاب إلى حديقة الحيوانات في برونكس التي تبعد حوالى 16 ميلا. ويرى هؤلاء المسؤولون أنه يمكن الاعتماد على أداء هذه الحافلات التي تصنعها شركة لايون إليكتريك ومقرها في كويبك. يقول سيرجي ألفونسو، مدير النقل بالمنطقة التعليمية «حتى الآن كل شيء على ما يرام. نحن دائما نتوقع مشاكل مع التقنية الجديدة لكننا لم نشاهد أي شيء غير عادي ( في أداء هذه الحافلات) حتى الآن. بالمقارنة، في عام 2016 اشترت ثلاث مناطق تعليمية في ماساشوستس ثلاث حافلات من شركة لايون اليكترك في إطار مشروع ريادي ممول من الولاية. لكن تلك الحافلات عانت من أعطال متكررة في البطارية والبرمجيات. وغالبا ما كانت الأجزاء المعطوبة تشحن بحرا من الولايات المتحدة إلى كندا لإصلاحها مما يضع الحافلات خارج الخدمة لفترات طويلة. تقول الشركة المصنعة لهذه الحافلات (لايون إليكتريك) أنها تعلمت من تلك العثرات المبكرة. وهي الآن تدرب الميكانيكيين في هوايت بلينس. كما تساعد أيضا في تأسيس مركز خدمة قريب في نيوجيرسي لإصلاح الأعطال الكبيرة.

صيغة تمويلية فريدة

لقد تمكنت منطقة هوايت بلينس التعليمية من اقتناء حافلاتها الخمس فقط بفضل مساعدة خارجية. فقد حصلت شركة ناشونال اكسبريس (التي تتولي تشغيل حافلات مدارس المنطقة التعليمية) على منحة ولائية غطت 120 ألف دولار من قيمة كل سيارة. ثم بعد ذلك أسست ناشونال اكسبريس شراكة مع شركة إمداد كهربائي محلية هي كونسوليديتيد إديسون والتي وافقت على دفع مبلغ 100 ألف دولار آخر لكل حافلة. في مقابل ذلك تحصل شركة كونسيليديتد إديسون على حق استخدام الحافلات لإمداد الشبكة المحلية بالطاقة الكهربائية (من بطارياتها) خلال فترة الصيف عندما تكون المدارس في إجازة والسيارات بدون عمل. فبطارياتها ستتولى تخزين الكهرباء الفائضة من الشبكة عندما يكون الطلب منخفضا ثم تعيدها إليها عند الحاجة إليها في ساعات الذروة. إن مشروع شبكة الكهرباء المحلية هذا فريد من نوعه ونظريا يمكن أن يكون وسيلة لشركات الإمداد الكهربائي للمساعدة في تمويل شراء حافلات المدارس الكهربائية في المناطق التعليمية الأخرى بالولاية. فمع إنشاء ولاية نيويورك المزيد من مرافق توليد الكهرباء بواسطة الرياح والشمس ستكون هنالك حاجة إلى تدبير سعة تخزينية كبيرة للطاقة. وتخطط الشركة لاختبار بطاريات الحافلات في الصيف القادم للتحقق من مدى قدرة تحملها للاستخدام الكثيف وأيضا قياس النجاعة (الجدوى) الاقتصادية لهذا الاستخدام. وفي ولاية كاليفورنيا اشترت المنطقة التعليمية (توين ريفرز ينويفايد سكوول ديستركت) شمال سكرامانتو 16 حافلة مدرسية كهربائية خلال العام الماضي بمساعدة ولائية ومحلية. وحتى تاريخه، حسب تيموثي شانون مدير النقل بالمنطقة التعليمية، كانت تكلفة تزويد الحافلات المدرسية بالطاقة الكهربائية أقل بنسبة 75%. وهي تستخدم أجهزة ذكية لتعزيز الشحن أثناء ساعات الذروة عندما تكون معدلات التيار الكهربائي أكثر انخفاضا. كما أن تكلفة صيانتها أقل بنسبة 60% بفضل قلة أجزائها المتحركة. لكن حتى مع هذه الوفورات، يرى شانون وجوب انخفاض التكلفة الأولية للحافلات الكهربائية بدرجة كبيرة كي تفكر المناطق التعليمية في شرائها بدون مساعدة خارجية. يرى مارك بودار، الرئيس التنفيذي لشركة لايون إليكتريك، أن ذلك اليوم قد يأتي في وقت أقرب مما يتوقع العديدون. يقول «نحن نعتقد أن أسعار حافلات المدارس الكهربائية ستكون مماثلة لأسعار حافلات محركات الديزل في غضون سبعة أعوام . لكن كل شيء يتغير بسرعة. فقبل ثلاثة أعوام مضت كانت هنالك شكوك كثيرة حتى حول الجدوى الاقتصادية للحافلات الكهربائية. أما الآن فنحن لا نتحدث عن جدواها أو عدم جدواها. لكن حول كيفية استخدامها بطريقة اقتصادية». في الوقت الحاضر ليست كل الولايات مقتنعة بأن استخدام الحافلات الكهربائية هو السبيل الأمثل لنقل التلاميذ. تخطط ولاية أريزونا لإنفاق 38 مليون دولار من أموال فولكسفاجن لإحلال حافلاتها المدرسية القديمة بأخرى جديدة. لكنها ستركز أساسا على غاز البروبين أو تقنية ديزل أنظف (أقل إطلاقا للكربون في الهواء). وفي تحليلها وجدت الولاية أنها يمكنها شراء 150 حافلة من هذا النوع بتكلفة أقل من تكلفة شراء 50 حافلة كهربائية والتخلص من قدر كبير جدا من التلوث إجمالا. لقد طرحت شركة بلو بيرد لتصنيع الحافلات التي تتخذ مدينة فورت فالي بولاية جورجيا مقرَّا لها أولى موديلاتها من السيارات الكهربائية في العام الماضي استجابة لتزايد الطلب في كاليفورنيا. لكن الشركة تقول أنها تتوقع في المستقبل القريب بيع المزيد من الحافلات التي تستخدم محركاتها غاز البروبين الأقل تلويثا للهواء قياسا بوقود الديزل لأن المناطق التعليمية تستطيع شراءها بدون دعم مالي.

فائدة تربوية أيضا

بخلاف العوامل الاقتصادية يجد إداريو المدارس بمنطقة هوايت بلينس التعليمية في الحافلات المدرسية قيمة أخرى غير محسوسة. فهي تساهم في العملية التعليمية أيضا. لقد سبق لهذه المنطقة التعليمية تضمين دروس بيئية في المنهج المدرسي ضمن مواد اختيارية عن الطهي باستخدام مكوِّنات غذائية طازجة تنمو أو تنتج في مزارع قريبة وتشجع التلاميذ على إعداد السماد الطبيعي. يشكل استخدام هذه الحافلات «الكهربائية» في نقل التلاميذ فرصة تعليمية أخرى لهم في مجال الحفاظ على البيئة. يقول جوزيف ريكا، مدير منطقة هوايت بلينس التعليمية: إنها تجربة تعليمية عظيمة. فتعليم التلاميذ حقيقة أن الحافلات الكهربائية صديقة للبيئة عن طريق القراءة شيء وتعلُّمهم ذلك بالتجربة من خلال الذهاب بها إلى المدرسة شيء آخر، حسبما يقول.