الإبداع النسوي.. بين الحضور والغياب

د.عزة القصابي –

أحدث تعريف (الإبداع النسوي) جدلا واسعا، وتأخر في الظهور كمصطلح يمكن إدراجه ضمن قائمة المصطلحات الأدبية والفكرية. وحدثت مناورات وسجال ولغط كبير حول تفسيره، ووجهت اتهامات للذين يؤيدون فكرة تصنيف الإبداع حسب الجنس (Gender) على اعتبار أنهم أصحاب نظرة « شوفينية» لا غير! ظهر مصطلح النسوية في المجتمعات الغربية لأول مرة عام 1895م، عندما بلغت ثورات «تحرير المرأة» أوجها لتحقيق المساواة بين المرأة والرجل. ونجحت المرأة في الحصول على حقها في التعليم والعمل، والقيام بدورها الريادي في الحياتين الاجتماعية والسياسية وغيرها من المناشط التي تتناسب وطبيعة العصر الذي تعيش فيه.
وأيّا كانت حثيثات ظهور المصطلح التاريخية في الفكرين الغربي والعالمي، فإنه كان لابد من التوقف عند «الإبداع النسوي» لمعرفة إلى أيّ مدى استطاع المصطلح أن ينتصر لمفهوم «النسوية»؟ وتبيان مدى الاختلاف والاتفاق حول اقتران «الإبداع» بجنس الفرد الذي يقوم به؟ في البداية انقسمت الفئات حول نسوية الإبداع بين مؤيد ومعارض، فقد اعتبر البعض أن تأنيث الإبداع غير مستساغ، و يرسخ نزعة العنصرية بين الفريقين. وسعت هذه الفئة إلى التخلص من النسوية في إبداعاتها، وترجيح الأدب الإنساني الذي لا يفرق بين المنتج النسوي والمنجز الإنساني. وعلى اعتبار أن المرأة والرجل يشتركان معا في التعبير عن إنجازاتهما بغض النظر عن نوع الجنس.
ولا بد من الإشارة إلى الفئة المحايدة من المبدعات اللاتي فضلن البقاء في منطقة الظل، والتواري لا شعوريا في ثنايا المصطلح بسبب نظرة المجتمع القاصرة، خاصة في المجتمعات المنغلقة على ذاتها، التي غالبا ما تعطي القيادة والصفات التكاملية للرجل، بينما تعاني المرأة من التهميش والدونية والتقليل من شأنها في معظم مساقات الحياة.
المحصلة العامة أن المرأة المبدعة التفت حول ذاتها بفعل تابوهات المجتمع، وأصبح ظهورها خجولا عبر منجزها الابداعي، فهي حذره في أسلوبها وظهورها خوفا من النقد الاجتماعي الذي قد يحاصرها في إطار «نسوية منتجها الفكري».
وكان ذلك بمثابة «مقص الرقيب» الذي قزم إنجازات الأنثى، وحال دون تطوير قدراتها الابداعية، لذلك فإن الكثير من النساء تقهقرن للخلف، وظلت معارفهن وإمكانياتهن الإبداعية ضعيفة وهشة تميل إلى الغموض. وهذا كرس النزعة « الشوفينية» نحوهن، ومنحهن صفة رسمية جعلهن يقبلن مصطلح «النسوية» على مضض.
ولتأكيد شرعية تقسيمات Gender على الإبداع-الأنثوي، فقد أسندوا إليها أعمال حصرية تتناسب وطبيتها البيولوجية والفكرية، مبررين ذلك أن المرأة أكثر قدرة على معالجة الموضوعات التي تخص الأنثى. فهي قادرة على التعبير عن هواجس النساء إزاء واقع الحياة الذي يصعب للإبداع الذكوري الإفصاح عنه.
صاحب هذا التوجه ردود أفعال متباينة لدى الفئة النسوية المشتغلة في الجانب الإبداعي، إذ اعتبر بعضهن ذلك تقزيم لإبداعهن ضمن الكيان البيولوجي. فذلك يعزل اشتغالهن عن المنجز الإنساني الذي سيظل حكرا على الرجال، ويكرس فكرة الاختلاف عند طرح الموضوعات التي تتباين في أساليبها بين الرجل والمرأة. و في المجمل العام، ساهمت نظرة المجتمع القاصرة نحو المرأة المبدعة في فرض عليها قيودا وشروطا ساهمت في تأخرها عن الركب الثقافي.
وفي المقابل، هناك بيئات احتضنت كيان المرأة المبدعة، ولم تفصلها عن المحيط الإنساني، مثال على ذلك المرأة العمانية التي تحظى باهتمام وحرية مطلقة في التعبير الإنساني قبل أن تكون أنثى. فهي تشترك مع الرجل وتشاطره همومه وقضاياه، لذلك نجد الكثير من الأعمال الإبداعية النسوية، تتعرض لموضوعات إنسانية شأنها في ذلك شأن الإبداع الذكوري -إن صح التعبير-.
إن مصطلح الإبداع يظل مفهوما إنسانيا، يفترض أن لا يدرج ضمن أي تصنيف فئوي يفصل بين الجنسين، فالمرأة المبدعة قادرة على التعاطي مع القضايا التي تخص جنسها كأنثى، وفي الوقت ذاته، فإنها قد تتعرض للقضايا الإنسانية التي تخص المجتمع بشكل عام. وبالمثل، فإن الرجل قد يتناول لموضوعات تخص الحياة تشمل المرأة.
دونما شك، إن العملية الابداعية فطرة إنسانية، يصعب تأطيرها في زاوية واحدة، لذلك فإن الميل إلى تنصيف «الإبداع النسوي» فكرة غير سوية، لصعوبة الفصل بين الإبداعين الذكوري، أو الأنثوي، فالاثنان يشتركان معا في الإنجاز الابداعي البشري دون تحيز فئوي لطرف دون آخر.