واشنطن وبكين وما بعد الهدنة

عبدالعزيز محمود –

فيما يبدو أنه محاولة لوقف التصعيد، وبعد أشهر من حرب التعريفات الجمركية، اتفق الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والصيني شي جين بينج في لقائهما على هامش قمة العشرين بالأرجنتين قبل أيام، علي هدنة لإجراء جولة جديدة من المحادثات بين الاقتصادين الأكبر في العالم، وذلك بهدف التوصل إلى اتفاق تجاري دائم.
ورغم أن الهدنة التي تمتد ٩٠ يوما لن توقف الحرب التجارية بين البلدين، لكنها ستجمد تعريفات جمركية كان مقررًا أن تفرضها واشنطن على واردات صينية قيمتها ٢٠٠ مليار دولار، وتعريفات جمركية كانت بكين قد فرضتها على وارداتها من السيارات الأمريكية، كما تعهدت بكين بموجب الهدنة بتعزيز مشترياتها من السلع الزراعية والصناعية الأمريكية لتقليص عجز تجاري قيمته ٣٧٥ مليار دولار.
ومن الواضح أن الرئيسين الأمريكي والصيني يحاولان بهذا الاتفاق وقف تصعيد النزاع التجاري حتى لا يتحول إلى حرب باردة شبيهة بالتي حدثت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق بين عامي ١٩٤٧ و١٩٩١، كما يحاولان تجنب السيناريو الأسوأ، وهو اندلاع صراع مسلح بين الولايات المتحدة باعتبارها القوة المهيمنة والصين باعتبارها القوة الصاعدة، وهو صراع يشبه ١٦ صراعا شهدها العالم خلال القرون الخمسة الماضية، وانتهى ١٢ منها بالحرب.
والمؤكد أن أي مواجهة نووية بين البلدين لن تخلف إلا دمارا متبادلا، كما أنها لن تترك لطرف فرصة تحييد أسلحة الطرف الآخر من أول ضربة، وهذا ما يدفع البلدين إلى محاولة حل نزاعهما التجاري، قبل أن يتطور إلى حرب باردة، قد تؤدي إلى صراع مسلح، حتى وإن كانت احتمالات ذلك تظل ضعيفة لإدراك الجانبين للخطر الكبير للوقوع في هذه الهاوية.
لكن حل القضايا التجارية العالقة يبدو صعبا، أو على الأقل غير سهل وذلك بالنظر إلى أن توازن القوي الاقتصادية يميل لصالح الصين، وهو ما يدعم موقفها في أي محادثات جارية، صحيح أن الاقتصاد الأمريكي يحتل المركز الأول عالميا بناتج محلي إجمالي يتجاوز ستة وستين تريليون دولار ومعدل نمو يتجاوز ٣.٥٪ خلال النصف الأول من عام ٢٠١٨، لكن الاقتصاد الصيني الذي يحتل المركز الثاني، يمكنه أن يصبح الأول عالميا خلال سنوات، بعد أن بلغ الناتج المحلي الإجمالي ١٣.٤٥ تريليون دولار ومعدل النمو ٦.٩٪ خلال النصف الأول من عام ٢٠١٨.
وهذا ما يثير قلق واشنطن، فالصين عندما تصبح القوة الاقتصادية الأولى عالميا، سوف يكون بمقدورها توسيع دائرة نفوذها الإقليمي والدولي، وتهديد المصالح الحيوية والأمن القومي الأمريكي، وهذا ما تعتبره الولايات المتحدة خطا أحمر.
وهذا أيضا ما دفع إدارة الرئيس ترامب إلى تبني استراتيجية تتجنب الصراع المسلح مع الصين، علي الأقل في الوقت الراهن، اكتفاء بحرب تعريفات جمركية تستهدف وقف أو إبطاء تقدمها الاقتصادي والتكنولوجي، والحفاظ علي الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في العالم لأطول مدى زمني ممكن.
وفي المقابل تبنت الصين استراتيجية تعتمد علي تجنب أي أخطاء قد تؤدي إلى صراع مسلح مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ على وتيرة التقدم الاقتصادي والتكنولوجيا، الذي يؤهلها لأن تصبح قوة عظمى قادرة علي التأثير في مجريات التفاعلات الدولية خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين.
وحتى يتحقق هذا الهدف تقدم بكين تنازلات محسوبة لواشنطن، تتضمن تنفيذ إصلاحات اقتصادية في مقدمتها مواصلة فتح الأسواق أمام الاستثمارات المشتركة، واستيراد سلع بمليارات الدولارات، والمتوقع أن تسمح لبنوك أجنبية بشراء حصص أكبر في المشروعات الصينية المشتركة بمناسبة الاحتفال بالذكرى الأربعين لانفتاح الاقتصاد الصيني في 18 ديسمبر الجاري.
لكن الرد الصيني علي التعريفات الجمركية الأمريكي كان قاسيا، ففي كل مرة كانت واشنطن تفرض تعريفات جمركية، كانت بكين ترد بتعريفات انتقامية، ولعل هذا ما دفع الرئيس ترامب للموافقة على تجميد مؤقت لتعريفات جمركية على واردات صينية قيمتها ٢٠٠ مليار دولار من أجل التوصل إلى هدنة تسمح باستئناف الحوار بين البلدين.
ولا يخفى الرئيس الأمريكي رغبته في التوصل إلى اتفاق تجاري دائم مع الصين، حتى يقدم ذلك باعتباره إنجازا، في مواجهة ضغوط داخلية تتمثل في مجلس نواب جديد ذي أغلبية ديمقراطية، وتحقيقات متواصلة حول تدخل روسي محتمل في الانتخابات الأمريكية.
وبهذه الهدنة يؤكد الجانبان الأمريكي والصيني رغبتهما المشتركة في التهدئة وتوفير الأجواء لاستئناف الحوار حول القضايا العالقة، وفي مقدمتها ما تعتبره واشنطن ممارسات تجارية غير عادلة تتعلق بالملكية الفكرية والهجمات السيبرانية وإغلاق الأسواق، وسط ترحيب صيني بخفض العجز في الميزان التجاري وتحفظ على إجراء تغييرات هيكلية في الاقتصاد.
وحتي يكون هناك إطار زمني للمحادثات، اتفق الجانبان على أنه ما لم يتم التوصل إلى اتفاق خلال ٩٠ يوما، فإنهما سوف يستأنفان حرب التعريفات الجمركية، والتي يتوقع أن تبدأ بفرض واشنطن تعريفات جمركية نسبتها ٢٥٪ على واردات صينية بقيمة ٢٠٠ مليار دولار، وإعادة بكين فرض تعريفات نسبتها ٤٠٪ على السيارات الأمريكية.
وبغض النظر عن نتيجة الجولة الجديدة من المحادثات، التي تتم في ظل ما يشبه وقف إطلاق النار، في المعارك العسكرية، قد يكون من الصعب على العملاقين الاقتصاديين الأكبر في العالم معالجة خلافاتهما الرئيسية خلال ٩٠ يوما، ما لم يتم تقديم تنازلات متبادلة للحيلولة دون استئناف حرب التعريفات الجمركية أو نشوب حرب تجارية شاملة بينهما.
وسواء تم التوصل إلى اتفاق تجاري دائم أم لا، فالصين تبدو مصممة على المضي في طريقها لأن تصبح القوة الاقتصادية الأولى في العالم، خلال الربع الأول من القرن الحالي، رغم كل المحاولات الأمريكية لاحتوائها أو إبطاء حركتها.