مبادئ الحوكمة .. المشاركة في تحمل المسؤولية

د. سالم الفليتي –
كلية الزهراء للبنات –
Salim-alfaliti@hotmail.com –

إن خطابات جلالته وأقواله تشكل هديا ونبراسا نسير عليها وهي تغني، خاصة أنها تتناول مختلف المجالات، لذا فإنه وإن كان النظام الأساسي للدولة صدر بعد ستة وعشرين عاما من ميلاد النهضة إلا أنه ما يثلج صدورنا أن تلك الخطابات كانت بمثابة خطوط وملامح أساسية للسير في إطارها، وأنها تناولت معظم إن لم تكن جميع نصوص النظام الأساسي للدولة.

تتنوع مفاهيم الحوكمة بحسب الزاوية التي ينظر إليها، وإذا أردنا أن نعرّف الحوكمة بمعناها الواسع، فإنها تعني الإدارة الحسنة من خلال تحديد الحقوق والواجبات والمسؤوليات في إطار يسوده الشفافية والإفصاح، للحصول على نتيجة عادلة.
والحوكمة اختصارا تعني «الانضباط» الانضباط في كل شيء، في العمل، في السلوك، في الأداء …
وإذا كانت حوكمة الشركات أول ظهور لها بالمعنى الدقيق – على المستوى المحلي عام 1998م فإن الحوكمة بالمفهوم الإداري كان أول ظهور لها في 23 يوليو المجيد 1970م في أول بيان يلقيه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – و يرسم من خلاله، خارطة طريق من خلال مبادئ عديدة .. يصطلح اليوم على تسميتها «الحوكمة».
مقالتنا هذه تحيط بأول مبدأ للحوكمة، مبدأ المشاركة والتعاون في تحمل المسؤولية في فكر جلالة السلطان المعظم – أعزه الله.
والمتتبع لخطابات جلالته يتأكد له تماما أن جميعها حملت مبدأ المشاركة والتعاون.. «سأعمل بأسرع ما يمكن لجعلكم تعيشون سعداء لمستقبل أفضل، وعلى كل واحد منكم المساعدة في هذا الواجب …».
«إننا نعاهدكم بأننا سنقوم بواجبنا تجاه شعبنا ووطننا العزيز، كما أننا نأمل أن يقوم كل فرد منكم بواجبه لمساعدتنا على بناء المستقبل السعيد المنشود لهذا الوطن …».
فالمتأمل إلى مفردات أقوال جلالته يجد فيها الكثير من المعاني العميقة، والدلالات والإشارات الواضحة، في شكلها وموضوعها لتحقيق غاية عظيمة، وهي بناء وطن سعيد.. مع ملاحظة أن جلالته استخدم في بيانه مفردات «سأعمل، نعاهدكم» ثم يكمل حديثه، بأن هذا العمل وهذا الوعد لا يمكن أن يتحقق ويصل إلى الغاية المنشودة إلا بالتعاون في تحمل المسؤولية والمساعدة في البناء.
يوسع جلالته – حفظه الله ورعاه – مبدأ المشاركة في جانب آخر، يوقن جلالته من الأهمية بمكان تحقيقه، وهو التعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص من خلال وضوح رؤية كلا القطاعين، في مشهد تتجلى فيه العديد من الدعوات السامية للقطاع الخاص إلى تحمل مسؤوليته والوقوف جنبا إلى جنب مع الحكومة.. ليس فقط في التنمية الاقتصادية، وإنما فوق ذلك أن يتم التعاون من خلال أن ينهض القطاع الخاص بنفسه، ويطور قدراته، ويعزز خبراته وينوّع مهاراته، ويرتقي بكوادره البشرية من خلال التدريب والتأهيل وبذل أقصى جهده في سبيل توفير اقتصاد متنوع ومتين وفاعل ومتفاعل مع الاقتصاد العالمي، بما يحقق تنمية اقتصادية واجتماعية في آن واحد.
وهنا نظهر أهمية التعاون في هذا المجال بتجسيده في النظام الأساسي للدولة، وتحديدا المادة (11) منه: «الاقتصاد الوطني أساسه العدالة ومبادئ الاقتصاد الحر وقوامه التعاون البناء المثمر بين النشاط العام والنشاط الخاص، وهدفه تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يؤدي إلى زيادة الإنتاج ورفع مستوى المعيشة للمواطنين ….».
وقد يخالج البعض تساؤل عن مدى مفهوم مبدأ المشاركة في تحمل المسؤولية لدى المجتمع العماني – بعد هذه الدعوات السامية وبمختلف أشكالها؟
المتتبع لخطابات جلالته – يجد بجلاء تام – أن مبدأ المشاركة وصل إلى مرحلة متطورة، وأصبحت ثماره ناضجة وتعطي أكلها … وهذا ما تؤكده تلك الخطابات منها : «إن المستقبل المشرق المحقق للتقدم والنماء والسعادة والرفاء لا يبنى إلا بالهمم العالية والعزائم الماضية، والصبر والإخلاص والمثابرة، ونحن واثقون بأن أبناء وبنات عمان يتمتعون بقسط كبير من تلك الصفات السامية يشهد بها ماضيهم وحاضرهم …».
وفي خطاب آخر يؤكد جلالته ذلك «أن العلم والعمل أمران متلازمان لا يستغني أحدهما عن الآخر، فبهما معًا تبني الأمم أمجادها وتعلي بنيان حاضرها ومستقبلها وفيها يحقق الإنسان ذاته… ونحن على يقين تام بأن المجتمع العماني على وعي تام بهذه الحقيقة …».
بعد هذا العرض الوجيز، فإنه يعن لدينا الإشارة إلى بعض الجوانب الأقل من ذات الأهمية وهي:
1- تأصلت فكرة المشاركة في تحمل المسؤولية منذ فجر النهضة المجيدة، وأصبحت مبدأ من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة وعلى هذا فإن الجميع مطالب بإقرارها وتفعيلها وبما يحقق وينسجم مع مفهوم الحوكمة.
2 – تحمل المسؤولية – لا تعني فقط – وبحال من الأحوال أداء الواجبات التي تفرضها القوانين- وإنما تعني فوق ذلك عدم الانجراف والتهور في موضوعات لا تسمن فكرًا ولا تغني عقلا، بل هي أمور لا أهمية لها.

3- إن خطابات جلالته وأقواله تشكل هديا ونبراسا نسير عليها وهي تغني، خاصة أنها تتناول مختلف المجالات، لذا فإنه وإن كان النظام الأساسي للدولة صدر بعد ستة وعشرين عاما من ميلاد النهضة إلا أنه ما يثلج صدورنا أن تلك الخطابات كانت بمثابة خطوط وملامح أساسية للسير في إطارها، وأنها تناولت معظم إن لم تكن جميع نصوص النظام الأساسي للدولة.
4- إنه من المهم إبراز دور المواطن في تطبيق القانون، وبشكل كبير، من خلال بيان مسؤولياته وواجباته تجاهه، بحيث يؤدي المواطن دوره كاملا من خلال تطبيق القانون على نفسه ومن ثم الإبلاغ بالطرق القانونية عن كل ما من شأنه أن يؤدي إلى اختراق القانون.
5- المشاركة في تحمل المسؤولية معناها الواسع أن يقف المواطن مع الحكومة جنبا إلى جنب – وأن يدرك أن جميع التحوطات التي تتخذها حكومته هدفها بقاء المواطن في مركز اجتماعي سعيد.. مع وجود مساحة كافية يعبّر عن رأيه قولا وكتابة وفي حدود القانون، مع إدراكه أن التجريح والتحجيم والتشهير والانتقاص من الآخرين أفعال يجرمها القانون ولا تبث بالمسؤولية لا من قريب ولا من بعيد.