وتر: قاسمني الرغيف

شريفة بنت علي التوبية –

لا أدري لماذا كلما رأيت أحدهم يأكل وحيداً دون شريك أشعر بأنه إنسان بائس وتعيس، لا أدري لماذا أشعر بالشفقة على أولئك الذين يأكلون طعامهم بمفردهم، مهما كان المكان الذي يأكلون فيه راقياً أو بسيطاً، فالطعام بالنسبة لي مشاركة ولا يمكن أن أتخيل إنساناً يستلّذ اللقمة دون شريك يتقاسمها معه، فمنذ وأنا صغيرة كنت أجد أمي وهي تخصّ جيرانها بشيء من طعامنا المطبوخ كنوع من المشاركة، وتصرّ أن تضع لنا الطعام في صحن واحد وتجبرنا أن ننتظر الجميع كي نأكل معاً، ما زلت أتذكّر تحلّقنا جميعاً حول صحن الغداء أو العشاء، فلا يمد أحدنا يده حتى يمد الجميع أيديهم في ذلك الصحن الكبير الذي يتوسط المائدة على حصير مفروش بصالة البيت، ورغم بساطة ما كنا نأكل لكنه كان شهياً وخفيفاً فلا نشعر بالتخمة ولا نعاني من زيادة الوزن، كما يحدث الآن ونحن نحشي بطوننا بهذه الوجبات السريعة المشبّعة بالدهون والزيوت غير الصحية.
وفي زمن أصبح الطعام فيه تجارة مربحة، وأصبحت الأطباق فيه تقدّم وفق وصفات غريبة بطريقة أنيقة ومقنعة، فندفع فيها أضعاف ما ندفعه في وجبة أخرى نعدها بأنفسنا، وفي زمن مواقع طلبات الطعام التي تأتي لك بالوجبة التي تريدها حتى البيت، وفي زمن (الفاست فوود والجنك فوود)، فقَد الطعام بركته وفقدنا إحساسنا بمذاقه، لأنه خال من مذاق ونكهة الوصفة السرية التي تضيفها الأمهات لأطباق الطعام التي تعدها، والتي لا يمكن لأي مطعم مهما كان عدد نجومه أن يعدّ مثلها، ولأن تلك الوصفة لا تملكها سوى الأمهات وهي المحبة. فكم يرعبني المقعد الشاغر في الجهة المقابلة لطاولة الطعام، وكم يفقدني شهيتي منظر الصحن الذي لم يُمس سوى من طرف واحد، وكم أعشق صوت موسيقى الملاعق المتناغمة من جهات عدة في طاولة طعام مشتركة، فتلك (اللمّة) على مائدة واحدة تشعرني بلذة الطعام الذي أتناوله، فالطعام كالفرح وكالحب يحتاج لشريك تتقاسمه معه، نعم قد تشرب فنجان قهوتك في عزلة مع كتاب، وقد تستمع لمقطوعة موسيقية وأنت وحيد في غرفتك، وقد تجلس على شاطئ البحر بمفردك متأملاً أمواجه وزرقته، وقد تغني أغنيتك المفضلة منفرداً وأنت تستحم مراهناً على جمال صوتك ومصفقاً لحسن أداءك، وقد تحزن وتبكي بمفردك، ولكنك لن تستطيع أن تتناول طبقاً شهياً دون شريك يقتسمه معك، ولعل من أسباب السعادة في الحياة أن يكون هناك من يقتسم الرغيف معك.