منتصف الليل في باريس استذكار للحرب وتشرد في الشوارع بحثا عن قمر مفقود

عاصم الشيدي –
assemcom@hotmail.com –

عندما وصلتُ مدينة باريس ويممت وجهي ناحية قوس النصر كان العالم يحتفي بمناسبة مرور 100 عام على صمت مدافع الحرب العالمية الأولى، وفي الحقيقة نصر الحلفاء على دول المركز، فالبشر لا يحتفلون عادة بنهايات الحروب والمآسي إنما يحتفلون بالنصر، النصر وحده يستطيع أن يصنع الفرح والمجد، ويملي على كَتَبَة التاريخ التفاصيل التي عليهم أن يخلدوها… رغم ذلك لم يخلُ احتفال النصر تحت قوس النصر العملاق من غرائب ومشاهد رمزية لا يمكن أن تمر مرورا عابرا.
جلس 70 رئيس دولة تحت قوس النصر ظهر يوم ماطر وسيئ وفق قراءة الأوروبيين للطقس ويمموا وجوههم ناحية نصب الجندي المجهول في ميدان شارل ديجول. كان هذا الحفل مليئًا بالرموز التي يمكن أن تقرأ لصالح فرنسا ولصالح رصيدها الإبداعي قبل السياسي، فكأن ما حدث حكاية حبكها روائي فرنسي فنان من طراز باتريك موديانو أو ألبير كامو أو حتى سارتر.
فالمنتصرون جلسوا إلى جوار الخاسرين في الحرب العالمية الأولى أو إلى جوار أحفادهم وإن تغيرت الأيديولوجيات ولكن آلام الماضي، وما نقشه في تاريخهم كانت باقية في نفوسهم، ميركل توسطت بين ترامب وماكرون. وبوتين جلس بين ماكرون وأردوغان سليل الدولة العثمانية أحد أكبر الخاسرين في الحرب العالمية الأولى، وجميع هؤلاء جلسوا تحت قوس النصر الذي بدأ بنيانه في عهد نابليون تخليدا لانتصاراته الإمبراطورية في أوروبا والعالم.

وحدث كل هذا في ميدان شارل ديجول الذي قاد الفرنسيين في الحرب العالمية الثانية واستقل بها عن الجيوش النازية وفرح بالنصر مع الحلفاء على دول المحور بقيادة ألمانيا النازية في نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي الحرب التي كانت نتيجة حتمية لصمت مدافع الحرب العالمية الأولى وشروطها المذلة على دول المركز وخاصة ألمانيا والنمسا.
كان يمكن أن يقرأ الروائي باتريك موديانو ماذا تقول عيون أردوغان الحالم دوما بسحر لقب «السلطان» الذي سقط مع سقوط الدولة العثمانية التي لم تكن إلا بقايا «رجل مريض» كما كانت تسمى مع بداية الحرب العالمية الأولى، أو أن يقرأ ماذا تقول عيون بوتين الحالم بروسيا جديدة على ذكرى مجد الاتحاد السوفيتي وأمجاد القرن العشرين. وكان يمكن لسارتر أن يكتب عن الكثير من العدمية في عيون عشرات من المثقفين العرب أو الدبلوماسيين ممن حاموا حول قوس النصر في تلك الليلة مستذكرين خدعة الثورة العربية الكبرى وما خرجوا به من عار في الحربين الأولى والثانية. وكان لآخر أن يكتب كثيرا فيما لو قيظ لهتلر أن يرى ميركل، وهي تضع إكليلا من الزهور على قبر الجندي المجهول أسفل قوس النصر!!

❁❁❁

كانت باريس هذه المرة غير باريس التي أعرفها والتي أتوق لزيارتها دوما. كان قوس النصر على موعد في اليوم التالي مع بدء حركة إضرابات واحتجاجات يقودها أصحاب «السترات الصفراء» احتجاجا على ارتفاع أسعار الوقود في فرنسا وتدني مستوى الدخل، تلك الاحتجاجات ستتطور مع الأيام إلى أعمال عنف وتخريب وفوضى عارمة عمت مدينة باريس التي لم تعد في الأيام التالية مدينة النور بعد أن اشتعلت الحرائق في أجمل شوارعها «الشانزليزيه»، وفي أشهر ساحاتها «شارل ديجول» تحت قوس النصر بالتحديد الذي كان قبل أيام قليلة فقط يحتفل وفق سيناريو فرنسي بذكرى انتهاء الحرب العالمية الأولى. لم يشفع للرئيس الفرنسي ماكرون ما حدث.. والفرنسيون رغم أنهم يعتنون بتاريخهم وبذاكرتهم وثقافتهم إلا أنهم لا يقيمون كثير وزن للسياسيين إذا اختلفوا معهم. شعب يستطيع سريعا أن يحدث قطيعة مع قادته ما داموا على قيد الحياة، أما إذا رحلوا فإنهم يتحولون إلى رموز خالدة كما هو الحال مع شارل ديجول الذي ينتصب تمثاله العملاق ميمما وجه ناحية ميدان الكونكورد وميدان الفاندوم. ما يحدث في باريس هذه الأيام يعيدنا إلى الاحتجاجات التي قامت على الجنرال شارل ديجول نفسه عام 1968، فالجنرال رغم كل ما فعله من أجل فرنسا في الحرب العالمية الثانية، ورغم نضاله من مهجره في لندن حيث شكل حكومة منفى هناك إلا أن كل ذلك لم يعد له قيمة عندما قررت الجماهير أنها وصلت إلى أقصى ما تستطيع تحمله من سطوة ديجول وحكومته القمعية ضد المفكرين ورجال الأدب والصحافة، وضد فشلها في تحقيق عدالة اجتماعية فبدأت الإضرابات والاحتجاجات ونزل الطلاب والعمال إلى الشوارع يهتفون ضد ديجول مطالبين برحيله. صحيح أن الفرق كبير بين جوهر احتجاجات مايو 1968 واحتجاجات نوفمبر/‏‏ ديسمبر 2018 لكنّ خطاب العدالة الاجتماعية حاضر في العهدين.. ولا أعرف إذا كنا سنسمع خلال الأيام القادمة صوتا يقول «من يستطيع أن يعتقل فولتير.. اتركوه حرا» كما قالها ديجول يوم اعتقلت قوى الأمن الكاتب الكبير سارتر، لكن قوى الأمن اليوم ليست كما كانت في ذلك العهد، وليس عهد ماكرون أو حتى سلفه عهد اعتقالات أدباء ومفكرين ورموز ثقافية، فثورة مايو استطاعت تغيير الكثير من فرنسا.
بين الحدثين 50 عاما بالتمام والكمال فهل يضطر ماكرون للانحناء أمام العاصفة ويتنحى كما فعل ديجول؟ أم يستطيع فرض سطوته وبسط نفوذه مستفيدا من دروس الماضي، ومن أوروبا خائفة أن تنتقل لها العدوى بفعل الجوار وتقارب الظروف؟!

عندما انتصف الليل في باريس وبعد أن طردت أشباح 16 مليون قتيل في الحرب العالمية الأولى، ورمزية سيناريوهات الاحتفاء بذكراها المئوية بالطريقة التي حصلت، وبعد تفكير في مصير حراك أصحاب السترات الصفراء جلست أستعيد الفيلم السينمائي الخفيف الذي تابعته في الطائرة بعد أن عجزت عن إتمام كتاب «حتى لا يعود جهيمان». لحظات الهدوء في الطائرات مغر، أحيانا، على القراءة أو متابعة الأفلام، أما النوم فلا يأتي في كل وقت خاصة إذا ما صاحب الرحلة مطبات هوائية مخيفة أو صراخ أطفال. استعيد الآن في هذا الوقت المتأخر من ليل باريس الضاج بالحنين والفقد فيلم «منتصف الليل في باريس» للمخرج وودي ألن وبطولة أوين ويلسوت وراشيل ماك أدامز. صحيح أن الفيلم لم يكن اختياري الأول، ولكني اضطررت له بعد أن اكتشفت أن فيلم «كل رجال الرئيس» غير مترجم للعربية. فكرت أن فيلما عن باريس يمكن أن يفي بالغرض. يحاول الفيلم الترويج السياحي لباريس خاصة في دقائقه الأولى فيقدم بانوراما سينمائية عن معالم المدينة الطبيعية والتاريخية وجماليات مقاهيها ونهرها العظيم، ويقدم صورة باريس تحت ضوء الشمس وباريس تحت زخات المطر.
قصة الفيلم بسيطة جدا وغريبة في آن، فبطل الفيلم «غيل» الذي يجسده الممثل أوين ويلسون، وخطيبته وإنيز «وراشيل ماك ادمز» القادمان من أمريكا يقضيان إجازة في مدينة باريس استعدادا للزواج. غيل كاتب سيناريو هوليودي ناجح ولكنه يتوق لكتابة رواية بعد أن أغرم بمدينة باريس التي يعتبرها الأجمل في الكون ولكن ليس في وضعها الحالي فهو يحلم بالعيش فيها في العشرينات وتحت زخات المطر بالتحديد.
الرواية التي يتوق غيل لكتاباتها تتحدث عن «متجر الذكريات» ما يعرضه لسخرية خطيبته. وفيما تذهب الخطيبة لحضور حفل راقص يتسكع غيل في أزقة باريس، وعند منتصف الليل في سان جرمان بالحي اللاتيني تمر عليه عربة الزمن ويدعوه ركابها للانضمام معهم، فإذا هو ينتقل إلى حقبة زمنية جديدة، وهناك يجد كتّاب رواية كبار وفنانين ومفكرين أمثل فرنسيس سكوت فيتسجيرالد، وهمنجواي، وجريتود ستين، وأدراينا وسلفادور دالي ويقيم معهم حوارات حول الأدب والرواية. ويعيش غيل حياتين: نهارية في عالمه الواقعي في مشاحنات مع خطيبته، وليلي في عالمه الخيالي الذي يعود به إلى عشرينات وثلاثينات القرن الماضي ومع الكثير من الحوارات الفكرية والثقافية والفنية.
ورغم بساطة الفيلم إلا أنه مناسب للطائرة في الطريق لباريس تحديدا.. واستطاعت العدسة السينمائية أن تعرض مشاهد للمدينة وكأنك تراها للمرة الأولى.
فكرة «غيل» عن باريس في بدايات القرن الماضي وتحت زخات المطر بالتحديد مغرية جدا، فمدينة مثل باريس ساحرة تحت زخات المطر الخفيف، آسرة جدا مع بدء تساقط الثلج الذي يشبه قطنا تبعثره الرياح. وهذا ما عشته في الأيام التي قضيتها في المدينة، أيام ماطرة وأيام مشمسه وأيام تساقط عليك الثلج وكأنها تداعب وجهك بالقطن الناعم.. إلا أن عربة الزمن لم تمر رغم تسكعات ليلة في طرقات المدينة وعلى ضفة نهرها، أو تحت ظلال كنائسها المقدسة، رغم أن فنجان قهوة مع همنجواي كان يمكن أن يعني الكثير لعاشق لهذه المدينة وكل تجليات جنونها الذي لا يخلو من سحر حلال.
لم يكن رفاق الرحلة، وأغلبهم يزور المدينة للمرة الأولى، يعلمون المسافة الحقيقية بين قوس النصر وبين مقاهي سان جرمان في الحي اللاتيني، قلت لهم خمس دقائق ونصل. لكن الدقائق الخمس انتهت ونحن لم نعبر شارع الشانزليزيه، الشارع الذي تعتز به فرنسا وتعتبره علامة من علامات تفردها رغم أن عصر العولمة لم يبقِ خصوصية لهذا الشارع.. أنقذني شارل ديجول عندما وقف الزملاء للتصوير مع تمثاله المصنوع من البرونز أمام القصر الصغير الكائن بين نهاية شارع الشانزليزيه وبداية ميدان الكونكورد، لحظات التصوير أنست الجميع الدقائق الخمس وإن كانت ستعود لاحقا عندما يطول المسير على صفة السين.
رغم أن ديجول أوصى ألّا تقام له التماثيل ولا تقرع أجراس الكنائس يوم وفاته إلا أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك أصر على مخالفة وصيته وأقام له تمثالا في عام 2000 يواجه تمثالا لجورج كليمونصو رئيس وزراء فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى، وتمثالا للسير ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا الأسبق.
المشي في شوارع باريس، وفي فصلي الخريف أو الربيع، بشكل خاص، متعة لا تعادلها أي متعة، فشوارعها خلقت للمشي بالأرجل لا لتدوسها السيارات أو تهدر فيها القطارات القادمة من بعيد. وهذه متعة أثيرة في أوروبا بشكل عام، لا نعرفها في مدننا الخليجية إلا نادرا.
تركنا ديجول إلى ساحة الكونكورد التي سنقف فيها طويلا نتذكر أبيات نزار قباني ونحن ننظر إلى النوافير:
هل تذكرين بباريس تسكعنا
تمشين أنت فيمشي خلفك القمر
إلى أن قال:
حتى النوافير في الكونكورد تذكرنا
ما كنت أعرف أن الماء يفتكر
ورغم جمال نوافير الكونكورد إلا أن عربيا مولعا بعروبته يمكن أن يرى فيها بكاء حارا على المسلّة المصرية المنتزعة من أمام معبد في الأقصر والمغروسة في قلب ميدان الكونكورد بعد أن أهداها الوالي المصري محمد علي للملك فيليب الذي اختار لها هذا المكان بالتحديد، وهو المكان الذي أعدم فيه الملك لويس السادس عشر والملكة ماري انطوانيت، وهو المكان نفسه الذي سيعود فيليب ويتنازل فيه عن العرش بعد أن أجبرته الجماهير التي ستمحو اسمه من قاعدة المسلة ولو مؤقتا. إنها فرنسا التي لا ترحم قادتها الأحياء، وإنهم العرب الذين يبيعون تراثهم وأمجادهم ويرضون بالقليل. ففرنسا أهدت مصر ساعة غربية لتعلق في مسجد محمد علي شكرا لها على المسلة!
تركنا الكونكورد والبرلمان الفرنسي وسرنا على ضفة نهر السين نستذكر التاريخ وعبره التي لا نعيها في العالم العربي متجهين إلى سان ميشيل وبقية معالم الحي اللاتيني الذي كان يرتاده فلاسفة فرنسا وأدباؤها وفنانوها في الأزمنة الجميلة. الحياة في الحي اللاتيني تأخذ طابعا مختلفا، فرغم تغير المشاهد التي قرأناها فيما كتبه أدباء إلا أن رائحة بعضا من تلك الأزمنة ما زالت باقية في الحي، وفنجان قهوة يمكن أن يعيد لك الكثير من ذكريات الزمن الجميل يوم كان هذا المكان يعجب بالمثقفين والمفكرين الفرنسيين والأوروبيين والعرب الذين نكلت بهم حكوماتهم العربية فلم يجدوا أفضل من باريس ينمو فيها الإبداع ويترعرع.
نجلس في المقهى المجاور لنافورة ميدان سان ميشيل، أشير للزملاء إلى الفندق المقابل والذي سكنته في أول زيارة لي لباريس وللمقهى الذي شربت فيه فنجان قهوة مع الشاعر أدونيس وآخر من الشاعر سيف الرحبي والروائي خليل النعيمي، وعن المسرح الذي ما زال يعرض مسرحية «المغنية الصلعاء» رغم أنها عرضت لأول مرة في مايو من عام 1950. منذ سبع سنوات وأنا أزور باريس كل عام تقريبا وما زال هذا المسرح يعرض المسرحية ويعلق بوستر العرض أمام مدخله. وحتما ما زالت المغنية الصلعاء تصفف شعرها كما صففته أول مرة قبل أكثر من 68 سنة.

تشرق الشمس في باريس، فتنزل المضلات من فوق الرؤوس ويتخفف الرجال والنساء بشكل خاص من ملابسهم الثقيلة، وترى الفرحة والبهجة في وجوههم كما تراها في بلادنا الخليجية في اليوم الماطر.. لكن هذه الشمس نفسها، وإنْ بقسوة عالية، كانت سبب شقاء الفرنسيين في هذا الصيف حين بلغت درجة الحرارة 40 درجة مئوية، فصار الناس يموتون «يموتون حقيقة» من شدة الحر. كنت هنا في الصيف بعد يوم أخير من موجة الحر القاتلة التي نزعت البسمة من وجوه الجميع وقذفت بهم رجالا ونساء وأطفالا في النوافير متخففين من كل ملابسهم.
تشرق الشمس في باريس وأشرب فنجان قهوة في مقهى «لوي فوكيت» العريق في مدخل شارع الشانزليزيه وأقرأ صحف الصباح العربية القادمة للتو من لندن مدينة الإعلام، فباريس لا تصدر فيها ولا صحيفة باللغة العربية، رغم المجلات المهمة التي كانت تصدر هنا في ثمانينات ومطلع تسعينات القرن الماضي.. كل الصحف المهاجرة تصدر في لندن، وأخيرا صدرت هنا مجلة جديدة باللغة العربية تحمل اسم «كل العرب» لناشرها ورئيس تحريرها علي المرعبي ولكنها محدودة التوزيع بعد صدور العدد الرابع منها فلم أجدها في كل أكشاك الشارع ولا حتى في الحي اللاتيني.
يأخذني المسير بعد فنجان القهوة وقطع من بسكويت اللادوريه إلى ساحة الفاندوم وما زالت قصيدة نزار تطن في رأسي «خطاك في ساحة الفاندوم أغنية/‏‏ وكحل عينك في المادلين ينتثر»، وحكاية ساحة الفاندوم لا تبتعد عن حكايات الحرب أبدا، فعمود الفاندوم الذي ينتصب في الساحة والذي يحمل فوقه تمثال نابليون بونابرت صنع من حديد المدافع التي غنمها نابليون من حروبه مع الأوروبيين. أبتعد عن الساحة مقتربا من قصر جارنيي أو دار الأوبرا الفرنسية، الذي لا تستطيع الكلمات أن تصف كمية الجمال الباذخ فيه. أقضي النهار بالكامل هناك محدقا في كل تفاصيل الجمال ومتأملا الوجوه الآتية والغادية فكل زوار هذه المدينة لا بد أن يمروا هنا ولو للاستظلال بظلال العراقة والتاريخ والفنون العريقة.