نوافذ : الإطراء الثقافي.. الذهاب إلى النخبوية

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

على ما أسمع –والعهدة على الراوي– أن كثيرا من المؤسسات الأكاديمية، ومثلها من المؤسسات المعنية بالثقافة والتعليم، وتنوير الجماهير، ويقع في دائرتها المؤسسات الإعلامية والصحفية، ينقاد أبناؤها نحو هذه الصورة بما يسمى بـ«الإطراء الثقافي» انقيادا يبدأ خجولا، ولكن مع تكراره يؤصل في النفس البشرية شيئًا من الافتتان بما تم إنجازه من معرفة، وكأن هذه المعرفة رصيد مادي، أكثر منه معنويا يحمل صاحبه الكثير من المسؤوليات تجاه مجموع المتلقين للمعرفة التي يحملها، والتي يتخذ من المسمى أو اللقب وشاحا يتباها به أمام الجمهور العريض، ولعل من نتائج هذه الصورة «الإطرائية» في ثوبها المادي المحتفل به من قبل العامة في المواقف المختلفة؛ هو الذي يغري المتلقي بأن يكسب هذا المستوى الذي توصل به المعرفة صاحبها؛ لأن يجازفوا بالحصول على المسمى أو اللقب بأي ثمن، ولعلنا نقرأ في ظاهرة «الشهادات المزورة» والسرقات الأدبية، وكيف أن أصحابها يتعرضون لأسوأ المواقف في حياتهم، بعد أن أوهموا المتلقي بأنهم كسبوا رهان الاستحقاق بحصولهم على ما يريده الجمهور منهم، وما تسعى الأنظمة الإدارية –في الحصول على المناصب– إلى ضرورة تحققه، ولذلك لا يبدو أن المجتمع هو الذي يدفع الأفراد لئن يتجهوا هذا الاتجاه، فحتى القوانين الموضوعة لتنظيم العلاقة بين الموظف والوظيفة التي يطمح إليها، تدفع هي الأخرى بالذين لا يرون حقيقتهم إلا من خلال هذا المستوى الرفيع في الإدارة، بغض النظر عن الإمكانيات المعرفية والفنية التي يكون عليها حامل هذا المستوى الذي يشار إليه بالبنان، فهل هؤلاء كلهم ظلموا هذه النوعية من أفراد المجتمع؟
فلقب؛ دكتور وأستاذ، ومحاضر، وباحث، ومطوع، ومدير، ومُنظٌر، وشيخ؛ وغيرها من الألقاب التي يحلو لأبناء المجتمع إهابها لآخرين من حولهم، نظرًا لما يتمثلون به من مظاهر تشير إلى شيء من هذه الألقاب كلها، أصبحت محفزًا لامتطاء «ظهر المجن» حتى ولو كانت الكلفة ثقيلة وكبيرة فيما بعد، فأفراد المجتمع؛ جلهم؛ ليست عندهم مشكلة في إضفاء هذه الألقاب للآخرين، إما افتتانا باللقب نفسه، وإما لاستدرار مصلحة فيما بعد، وإما لمباهاة لأن من يحمل هذا اللقب أو ذاك هو قريب، أو صديق، أو تجمعني به مصلحة ما، وانعكاسات ذلك خطيرة على الملقب نفسه –إلا من رحم الله– حيث يشعره بالزهو، وبأنه يتمثل النخبوية في المجتمع. من وجهة نظر شخصية، هذه إشكالية مجتمعية بالأساس، وخاصة في مجتمعات العالم الثالث، فالعوالم المتحضرة؛ كما ينقله عنهم منا؛ أن مثل هذه «الإطراءات» الثقافية تكاد تكون معدومة إلى حد كبير، ولا يوجد لها أي تمظهر يشير إلى أن فلانا من الناس يحمل لقبا ما: سواء علميا، أو اجتماعيا، ولا يظهر ذلك إلا في موقع التعريف لأمر ما، ويذكر لي أحد الإخوة الذين درسوا في إحدى الجامعات في تلك المجتمعات، أن كثيرا من الأساتذة الكبار في الجامعة يركبون دراجات هوائية للتنقل بين منازلهم والجامعة، وبين الكليات الجامعية في الحرم الجامعي، طبعا عندنا لا مقارنة.
أختم هنا؛ بمقولة لـ«فرانك فوريدي» أستاذ علم الاجتماعي في جامعة كينت، أوردها في كتابه (أين ذهب كل المثقفين؟) يقول: «لقد قام بعضنا بتمثل سياسات الإطراء الثقافي بفاعلية في حين بحث آخرون عن حياة مريحة عن طريق الرضوخ للمطالب المؤسسية، ينبغي على المثقفين أن يعيدوا بناء أنفسهم عبر استعادة الاستقلال الذي ناضل أسلافهم من أجله في أزمنة سابقة. وأفضل طريقة لبناء هذا الاستقلال تتمثل في الانخراط في طموحات الجمهور، كي يؤخذوا على محمل الجد، والمساعدة في تثقيف هذه الطموحات في عصر تسوده «طفلنة» الثقافة. بات التعامل مع الناس على أنهم أشخاص بالغون أحد الواجبات الرئيسة للمثقف الإنسانوي».