النهضة الشاملة تسير بثبات صوب المستقبل

د.أحمد سيد أحمد –

تشكل النهضة العمانية تجربة فريدة وتتسم بخصوصية كبيرة يجعلها نموذجا رائدا يحتذى، فمنذ انطلاق مسيرة النهضة العمانية قبل 48 عاما وهي تسير بثبات وانطلاق نحو الأمام، وفي كل محطة تقطعها تضيف المزيد من الإنجازات كل عام على كافة المستويات. فتجربة النهضة العمانية التي تقترب من نصف قرن تتسم بخصائص فريدة من نوعها.
أولها: تبنى جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم فلسفة واضحة منذ اليوم الأول لتوليه الحكم، وهي أن الإنسان العماني هو الغاية من التنمية، وهو أداتها في الوقت ذاته، أي أن تحسين مستوى معيشة المواطن وتحقيق الازدهار له، هو الهدف الأساسي للدولة العمانية، وأن تحقيق هذه النهضة لن يكون إلا بأيدي الإنسان العماني، ولذلك قامت الدولة العمانية بالاستثمار في أهم مورد تمتلكه وهو الإنسان، من خلال الارتقاء به، عبر تطوير التعليم في كافة مراحله؛ لتسليح المواطن بأسلحة العصر الحديث من العلم والتكنولوجيا التي تؤهله وتمكنه دائمًا من التعامل بإيجابية مع متطلبات سوق العمل المتطورة بشكل مستمر، وأن يواكب متغيرات العصر الحديث، ولذلك وجدنا الاستثمار في تطوير التعليم العماني يشكل نسبة كبيرة من الميزانية العمانية، والتي انعكست في تطوير التعليم ما قبل الجامعي وانتشار الجامعات في كافة أرجاء السلطنة، والتوسع في التخصصات العلمية الجديدة التي تتناسب مع عصر التكنولوجيا والثورة الرقمية، وربطت الدولة الطالب العمانى بمنظومة التعليم العالمية الحديثة والمتطورة من خلال إرسال البعثات الطلابية في أرقى الجامعات العالمية في أمريكا وأوروبا؛ ليعود هؤلاء إلى السلطنة بأفضل وأحدث مهارات العصر وتخصصاته الدقيقة، كما استعانت السلطنة بالخبرات العالمية في مجال التعليم بكل أشكاله عبر تبادل البرامج العلمية واستقدام الأساتذة والخبراء من الخارج للتدريس في الجامعات العمانية، وارتبط كل ذلك بخطة التنمية الشاملة والمستدامة في السلطنة، حيث ارتكزت فلسفة التعليم على ربطه بسوق العمل ومقتضياته ومتطلباته خاصة مع التوسع في المشروعات القومية الكبيرة وكذلك إحلال العمالة الوطنية محل الأيدي العاملة الأجنبية، وتوفير فرص العمل للمواطنين والقضاء على البطالة. وثاني ركائز النهضة العمانية المرتبطة بالإنسان العماني هو الاهتمام بصحته ليكون مواطنا فاعلا يتمتع بالصحة والعافية التي تمكنه من الاستمتاع بالحياة والقيام بأعماله وأدواره في خدمة ذاته وبلده، ولذلك كان الاستثمار في الصحة من أبرز بنود الميزانية العمانية أيضا، حيث استثمرت الدولة مليارات الدولارات في مجال الصحة سواء بالتوسع في إنشاء أحدث المستشفيات العصرية وفقا للمعايير العالمية والاستفادة من خبرات كبار المتخصصين في العالم في كافة المجالات الطبية، أو من خلال شمول الرعاية الصحية المجانية لكافة المواطنين، أو من خلال التوعية الصحية والعمل على تكريس البيئة النظيفة. وثالث ركائز النهضة العمانية المرتبطة بالإنسان العماني هو توفير سبل العيش الكريم والرغد للمواطن عبر توفير كل الخدمات المختلفة من مياه نظيفة وكهرباء وتعليم وصحة وترفيه وغيرها، ليجنى المواطن دائما ثمار التنمية. أما رابع الركائز فهي مشاركة المواطن في صنع القرار والمشاركة في التنمية، ولذا كانت تجربة إنشاء مجلس الشورى، ثم مجلس الدولة، وهما معا يشكلان مجلس عمان، تجسيدا للمشاركة المجتمعية في تحقيق التنمية وتلبية احتياجات ومتطلبات المواطنين، وزيادة مساهمة المرأة والشباب في العمل المجتمعي.
ثانيها: إن النهضة العمانية ارتكزت على أسس علمية واستراتيجيات واضحة ومحددة تعكسها خطط التنمية الخمسية المختلفة وآخرها خطة التنمية الخمسية التاسعة في إطار رؤية أشمل وهي عمان 2020، ولذلك اتسمت عملية التنمية الشاملة والمستدامة بالتراكم والسير في متوالية هندسية تعكسها الإنجازات والأرقام التي تتحقق كل عام والتي وضعت عمان في مراتب متقدمة من حيث معدلات النمو السنوية، ومن حيث مكانتها في تحقيق المعدلات القياسية سواء في مجال جذب الاستثمارات أو التنمية البشرية أو معدلات الشفافية وغيرها من المؤشرات التي حققتها طوال مسيرة التنمية العمانية، كما تتميز عملية التنمية بوجود آليات للمتابعة والمراجعة للتغلب على التحديات والعقبات أولا بأول، والاستفادة من الدروس والتطوير الدائم للآليات والاستراتيجيات، ولذلك فإن قطار التنمية والنهضة يسير بشكل منتظم وبثبات على طريق التقدم والتطور من عام لأخر ومن محطة لأخرى، لتشكل التجربة العمانية مثالا بارزا للتلاحم بين القيادة والشعب وتوظيف المنهج العلمي والتخطيط السليم في تحقيق النهضة الشاملة.
ثالثها: إن النهضة العمانية خلال ما يقارب الخمسين عاما اتسمت بالشمولية والسير على كافة المسارات بشكل متواز ومتكامل لتجعل منها منظومة متناغمة، فالمسار التنموي يسير إلى جانب مسار النهضة الاجتماعية والثقافية، إلى جانب المسار السياسي ومشاركة المواطن في صنع القرار، كما تشمل كل جوانب الحياة وكذلك تشمل كل محافظات السلطنة وكافة أرجائها، ولذلك وجدنا المشروعات العملاقة في صلالة وصحار والدقم وغيرها تنتشر في محافظات مختلفة من السلطنة، وتضم العديد من المشروعات الكبيرة والاستثمارات المحلية والأجنبية وتفتح أفاقا واعدة نحو المستقبل ونحو النهضة الشاملة.
رابعها: تتسم التجربة النهضوية العمانية بالخصوصية والتفرد، والمزج بين الأصالة والمعاصرة، والحفاظ على التقاليد العمانية الأصيلة والتراث الخالد التي تعكس رسوخ وأصالة الثقافة العمانية، مع مواكبة تطورات العصر الحديث في كافة المجالات، والتفاعل مع العالم وتبادل الخبرات التي تتضمن الإفادة والاستفادة منه وفقا لتفاعل يقوم على الإسهام العماني في الحضارة العالمية وفي ذات الوقت الاستفادة مع مزايا وإيجابيات الحضارات الأخرى.
خامسها: إن من أهم عوامل نجاح النهضة العمانية وانطلاق قطار النهضة وسيره بثبات هو مناخ الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني الذي تتمتع به عمان، رغم البيئة الإقليمية المضطربة والعواصف الشديدة التي تهب على المنطقة وموجات الصراع والعنف والحروب والأزمات التي تشهدها بعض الدول في المنطقة، وقد ساهم هذا المناخ في جعل عمان وجهة للسياحة المتزايدة النشاط، ومنطقة جذب للاستثمارات الأجنبية من العديد من الدول والقارات، وبالطبع فإن مناخ الاستقرار الذي تنعم به عمان يعود بشكل أساسي لحكمة القيادة العمانية الممثلة في جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم –حفظه الله ورعاه-، والسياسة الخارجية التي تنهجها السلطنة منذ عقود والتي تقوم على مبادئ وثوابت راسخة ترتكز على احترام القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، والعمل على إحلال السلام وثقافة التسامح بدلا من الحروب وثقافة التعصب والكراهية، ودور عمان كرمز للسلام والوساطة التي مكنتها من تسوية الكثير من الأزمات والصراعات، وأكسبها مصداقية واحترام المجتمع الدولي كله، لموضوعيتها وحياديتها وانحيازها لقيم الحق ومصالح الشعوب، وانطلاقا من فلسفتها في أن تكلفة السلام أقل كثيرا جدا من تكلفة الصراعات والحروب التي تؤدى دائما إلى الدمار والهلاك للبشر والحجر، بينما السلام يقود للتنمية والازدهار والحياة.
وفى ظل عالم مضطرب مع تزايد الحروب والصراعات والأزمات، واشتعال الحروب التجارية والاقتصادية وتنامى التيارات المتطرفة في الغرب والشرق والتي عكستها التنظيمات الإرهابية الدينية واليمين المتطرف والشعبوي في الغرب، ومع تراجع معدلات النمو العالمية، وسط كل هذا تقف السلطنة كنقطة مضيئة ونموذج يحتذى بتجربتها في تحقيق النهضة الشاملة وفى سياستها الحكيمة التي تجسد صوت العقل والحكمة، وبدورها في إشاعة السلام والاستقرار في المنطقة والعالم، وفى تحقيق التوصل والتفاعل بين الثقافات والحضارات، وهو ما تحتاجه المنطقة والعالم من حولها اليوم، وليحق للمواطن العماني أن يفخر بوطنه وقيادته.