تواصل: مزمار الحي مكسور!

تونس المحروقية –
hlaa202020 @ –

مشهد أول :
لاعب في إحدى الرياضات الفردية، خاطب العديد من المؤسسات لرعايته ماليا في الرياضة التي برع فيها وبدأ في تحقيق بعض النتائج المتقدمة من خلالها على المستوى المحلي، أغلقت الأبواب في وجهه بحجة أن تلك المؤسسات تصرف بند المسؤولية المجتمعية فيما هو أهم وأكثر نفعا للمجتمع بينما هي تستضيف مرارا أبطالا في رياضات مماثلة من دول أخرى وتغدق عليهم بالهدايا التي لا حصر واضح لها! يكتب عن معاناته في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يجد استجابة ولا تفاعلا، ثم عندما يبدأ في تحقيق البطولات الإقليمية التي تتناولها وسائل الإعلام في بلده والعالم العربي تصطف المؤسسات لكي تعلن عبر دوائر العلاقات والإعلام فيها أنها ستتبناه، فتدعوه للمؤسسة وتصوره عدة صور تنشرها في حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي ويعلن مدير المؤسسة أنه من أشد الداعمين له منذ بداياته!
مشهد ثانٍ:
تدعو المؤسسة شعراء محليين معروفين في البلد للمشاركة في إحدى فعالياتها السنوية، تخبرهم أن هذه الفعالية مهمة وأنها ستسهم في التعريف بهم على مستوى أكبر، وتكتفي بذلك فلا تدفع لهم أجرا مقابل حضورهم أو القصائد التي يقدمونها، تدعو في الحفل نفسه شاعرا أقل إبداعا من خارج الدولة، يملك حسابات في وسائل التواصل الاجتماعي بمتابعين كثر جدا، تدفع له ثمن تذكرته وإقامته وتجواله ووجباته بالإضافة إلى مبلغ كبير لقاء قصائده التي سيقدمها والتي لا تعرف إن كانت له أم قد سرقت من أحد الشعراء المتحققين، ثم تنشر في حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي منشورا يتضمن عبارات تعبر عن ما معناه أنها من باب دعمها للشعراء المحليين استضافت 4 شعراء في فعاليتها المحلية التنظيم، الدولية الطابع، وتنسى أنها لم تمنحهم شيئا غير حسرتهم على سوء تقديرها لهم مقارنة بأولئك القادمين من خارج الدولة.
مشهد ثالث:
مؤسسة تنظم إحدى الفعاليات المعنية بالشباب متبنية فكرة تحفيزهم على العطاء من أجل الوطن وتعزيز فكرة أن يكونوا نماذج مشرفة في المجالات التي يتخصصون فيها أو يعملون فيها، تعلن ذلك في حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي، ثم لا تنسى أن تعلن أنها ستستضيف أحد مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي كضيف شرف في تلك الفعالية والذي اشتهر بمقاطعه المبتذلة الفكرة والخاوية من المحتوى والرسالة والتي تجمع مئات ألوف المراهقين حولها، لتقدمه المؤسسة للشباب الحاضر للفعالية على أنه شخصية ناجحة، تفكر كثيرًا في ماهية أوجه نجاحه، تنتهي الفعالية، يصفق الجميع ويخرج الأغلب وفكرة النجاح تتمحور حول نجاحات شبيهة لتلك التي تمتع بها ضيف شرف الفعالية.
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في إيصال أصحاب المواهب والمهارات في مختلف المجالات لعالم الشهرة والنجومية من أوسع المساحات وفي وقت قصير جدا، كما جعلت من طرقهم لأبواب الفرص أسهل من الفترات التي كانوا يعتمدون فيها على وسائل الإعلام التقليدية، لكنها في الوقت نفسه دفعت الكثير من المؤسسات إلى تقييم المهارات والمواهب ودعمها بمقدار قدرة صاحبها على أن يشغل العالم بموهبته أو أشباهها في تلك المنصات سواءً كان ذلك بأن يكون من أصحاب الحسابات التي لديها متابعون بأعداد هائلة مهما كان مستوى ما يقدمه أو بقدرته على جعل نفسه حديث تلك الوسائل مهما كان السبب حتى لو كان لا يرقى للفخر، ففلان شاعر فقط لأن عدد من يتابعون كلماته مائة ألف متابع حتى لو كان ما يقدمه لا يرقى للشعر وأغلب من يتابعونه يفعلون ذلك من قبيل الاستهزاء بما يقدمه، والآخر ليس شاعرا لأن عدد متابعي حسابه لا يزيد عن 200 متابع حتى لو كان أولئك متيمين بكل حرف يكتبه! وكأن مقاييس النجاح هي عدد المتابعين وحده دون انشغال حقيقي بالموهبة، ولأن من يجيدون التسويق لأنفسهم في وسائل التواصل الاجتماعي في بلد ما قد يتفوق على غيرهم في دولة أخرى، لأنهم يدركون جدوى الاستفادة من هذه القنوات فهذا قد يدفع المؤسسات في دولة معينة أن تحضر نماذجها ومن تعتقد أنهم ناجحون من دول أخرى مع كل عيوبهم وضحالتهم متناسية متعمدة أو بدون قصد النماذج المحلية التي تستحق أن يتم إبرازها وتركيز الضوء عليها وكأن تلك النماذج لا ترقى إلى أن تقدم كرموز للنجاح وأن النجاح وحده ذلك القادم من خارج الدولة وذلك الذي يقضي حياته في وسائل التواصل الاجتماعي، فنجد المؤسسات تتفنن في إحضار من تراهم نماذج من الدول الأخرى، فهذا متميز في الكوميديا القائمة على الاستهزاء بالمحيطين ووضعهم في مقالب تحرجهم ولديه مليون متابع في يوتيوب وتلك رائعة في التغنج أمام كاميرا حسابها في سناب شات لذا يتابعها ملايين المتابعين وذلك لفت الجمهور بمحاربته كل ما له علاقة بقيم المجتمع وعاداته، فاستفز أبناء المجتمع فأصبح له متابعين كثر كي يشتمونه وليس كي يعبرون عن إعجابهم به.
تسأل عن الرسالة التي يقدمونها والتي بموجبها أحضرتهم المؤسسات المحلية المستضيفة وهل تقدمهم كقدوات ونماذج؟ فلا تستطيع أن تجيب، تسأل أيضا عن ما وجدته المؤسسات فيهم من نجاح حتى تهتم بتقديمهم بذلك الشكل المبهر مع إغفالها للمواهب المحلية ذات القيمة الحقيقية، ولا تجد أيضا جوابا! تشاهد ما يحدث وكأنك غير معني بكل ذلك، وتعلق أحياناً لكنك تكتفي بالوصول إلى قناعة أن مزمار الحي الذي يفترض أن يطرب الناس مركون ويعلوه الغبار أو في روايات أخرى مكسور!!