الجيش الأوروبي .. والمخاطر الاستراتيجية

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –

جاءت دعوة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون لإنشاء جيش لأوروبا لتعيد للأذهان السجال الذي تواصل منذ عقد التسعينات من القرن الماضي حول مصطلح أوروبا القديمة الذي أطلقه آنذاك وزير الدفاع الأمريكي الأسبق رامسفيلد بسبب اختلاف وجهات النظر قبل شن الولايات المتحدة حربها ضد العراق واجتياحه عام 2003 ومن هنا جاء رد الفعل الأمريكي سريعا حول الدعوة الفرنسية من خلال تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتحدث عن أهمية أن تدفع الدول الغربية مساهماتها المالية لحلف شمال الأطلسي والذي تقوده واشنطن .
كما تصاعدت التصريحات الأمريكية بعد ان تم تحديد مهمة الجيش الأوروبي المقترح من خلال الخصوم، والذي لابد لأوروبا أن تواجههم استراتيجيا وهم روسيا الاتحادية والصين والولايات المتحدة، حيث لم يكن متوقعا ان تكون واشنطن ضمن الدول الخطرة استراتيجيا على أوروبا ومن هنا جاءت التصريحات القوية من الجانب الأمريكي ضد الفكرة الفرنسية.

الحلف الغربي

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 وانتصار الحلفاء بدأت تتشكل ملامح عالم مابعد الحرب فتشكل حلف شمال الأطلسي والذي يضم الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة ومقره بروكسل عاصمة مملكة بلجيكا، والتي أصبحت فيما بعد المقر الدائم للاتحاد الأوروبي، كما تشكل حلف وارسو من دول أوروبا الشرقية بقيادة الاتحاد السوفييتي آنذاك، وكان مقر الحلف العاصمة البولندية وارسو، ومن هنا كان حلف شمال الأطلسي هو خط الدفاع عن أوروبا الغربية خلال فترة الحرب الباردة حتي انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينات من القرن الماضي، وبعد ذلك تلاشي حلف وارسو وانتهاء الشيوعية، وتوحدت ألمانيا وبعد ذلك تم توسيع عضوية الاتحاد الأوروبي بضم عدد من دول أوروبا الشرقية.
ومن خلال ذلك التماسك الدفاعي الذي يهدف إلي حماية أوروبا من روسيا الاتحادية في المقام الأول جاءت دعوة الرئيس الفرنسي لإنشاء الجيش الأوروبي صادمة للولايات المتحدة، ومع ذلك فإن الطرح الفرنسي قد لاقى صدي إيجابيا من عدد من الدول الغربية ، خاصة ألمانيا التي تتواجد على أراضيها قواعد عسكرية أمريكية. ومن هنا فإن الجدل بين واشنطن وأوروبا سوف يتصاعد والسبب الأساسي يعود إلي سياسات الرئيس الأمريكي ترامب وحديثه المتواصل عن الحماية الأمريكية لأوروبا وعن مسألة المساهمة الغربية في نفقات حلف الأطلسي والشعور الغربي بأن واشنطن أصبحت أكثر فوقية و تبدي عدم اكتراث أكبر حيال مصالح أوروبا، خاصة بعد احتدام الخلافات حول الرسوم الجمركية التي لوحت بها واشنطن ضد بعض الصناعات الغربية التي تدخل السوق الأمريكية .
وعلى ضوء ذلك فإن الحلف الغربي الاستراتيجي أصبح محل شك في ظل التصور الفرنسي. صحيح أن مسألة إنشاء الجيش الأوروبي لاتزال تحتاج إلي الكثير من العمل والوقت والمناقشة، ولكن إطلاق الفكرة قد يتطور إلي أبعد من ذلك، في ظل السياسة الأمريكية القومية والتي ترفع شعار أمريكا أولا، علاوة على أن التحدي الروسي لأوروبا لايزال أحد التحديات الحقيقية في ظل التدخلات الروسية في أوكرانيا وفي ظل السياسات غير الودية بين روسيا الاتحادية وبريطانيا في ظل الاتهامات المتبادلة بعمليات التجسس .

الجيش الأوروبي

من الناحيه العملية واللوجستية تستطيع أوروبا إنشاء جيش قوي من خلال وجود دول غربية لها ثقلها العسكري وخبرتها الميدانية، فهناك بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ذات الثقل العسكري علاوة على دول أوروبية أخرى وإن كانت أقل ثقلا من الدول الغربية المشار إليها، ومن هنا فإن قيام الجيش الأوروبي من الناحية الفعلية ممكن، ومع ذلك فإن هناك مخاطر حقيقية تحيط بالفكرة الفرنسية لعل في مقدمتها أن تقوم واشنطن بالانسحاب من حلف الأطلسي وبالتالي يتفكك هذا الحلف المهم على غرار ماحدث لحلف وارسو.
كما أن وضع الحليف الأمريكي ضمن التحديات التي تواجه أوروبا يدخل في إطار الانفصال الاستراتيجي بين ضفتي الأطلسي، وهو أمر بالغ الخطورة من الناحية الاستراتيجية وانقلاب حقيقي في مفهوم الأمن والدفاع في شمال الأطلسي والقارة الأوروبية بشكل عام ومن هنا فإن الفكرة الفرنسية ربما كانت تهدف إلي معرفة رد الفعل الأمريكي أولا ، وأيضا إيصال رسالة بأن أوروبا تستطيع الدفاع عن نفسها بدون الولايات المتحدة وهذا تطور استراتيجي مهم .

هناك عدد من المحللين الاستراتيجيين في الغرب يتحدثون عن مسار جديد يحدث في أوروبا وهو شعور وطني متزايد بأن القارة الأوروبية لايمكنها أن تعتمد على واشنطن وعلى تقلبات السياسة الأمريكية، وعلى مسألة لغة الاستعلاء التي أظهرها الرئيس الأمريكي ترامب عندما يخاطب القيادات الأوروبية، وكأنهم أتباع لواشنطن، وهذا الشعور يتزايد في أوروبا، ومن هنا ربما شعر الأوروبيون بشيء من التقزيم، وبالتالي جاءت رسالة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون لتعيد شيئا من الهيبة لأوروبا وبأنها قادرة على إنشاء جيش موحد يدافع عن متطلبات الأمن والمصالح في أوروبا، وينزع بالتالي التبعية الأوروبية للولايات المتحدة على الصعيد العسكري والأمني، وهذا أمر في غاية الأهمية.

متطلبات الأمن والدفاع

هل يمكن من الناحية الفعلية لأوروبا أن تضمن الأمن والمصالح والدفاع عن أوروبا خارج المنظومة الأمريكية ؟ أم أن رسالة ماكرون إشارة واضحة لواشنطن بالكف عن لغة الاستعلاء الذي يطلقها الرئيس الأمريكي ترامب ؟ لعل المقاربة السياسية هنا واضحة، فأوروبا كما تمت الإشارة تستطيع عمليا إنشاء جيش محترف ولديها القدرات اللوجستية والعملياتية لإنجاز ذلك، فلديها حاملات الطائرات ولديها مصانع السلاح المتطور ولديها الخبرات العسكرية، وهي نفس النمط العسكري الأمريكي من خلال تشابه الأنظمة والتدريبات العسكرية المشتركة والعقيدة العسكرية التي ينطلق منها حلف شمال الأطلسي والذي يتكون من وحدات عسكرية أمريكية وأوروبية.

ولعل الإشكال الأساسي لتنفيذ التصور الفرنسي يكمن في النتائج السياسية في المقام الأول فوجود الجيش الأوروبي يعني انتهاء منظومة حلف شمال الأطلسي وهذا يعني انتهاء الغطاء الدفاعي العسكري الأمريكي، علاوة على أن السياسة الأوروبية تجاه روسيا الاتحادية قد تقترب بشكل إيجابي، خاصة وأن موسكو رحبت بالمقترح الفرنسي، كما أن المنظومة الاستراتيجية في أوروبا سوف تتغير بالنظر إلى وجود منطقة الشرق الأوسط ووجود مصالح أوروبية كبيرة في تلك المنطقة ومن هنا قد يتخطى الجيش الأوروبي مهامه داخل أوروبا إلى أبعد من ذلك جغرافيا خاصة وأن لفرنسا وبريطانيا وإيطاليا مصالح وعلاقات تاريخية مع بلدان الشرق الأوسط .
وعلى ضوء ذلك فإن مزيدا من النقاشات حتى داخل البيت الأوروبي سوف تتواصل من خلال حسابات الربح والخسارة لأوروبا لأن المسألة ليست سهلة وقد لاتنفذ إذا انتهى عصر ترامب المثير للجدل خلال انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2020 وبالتالي التريث حتي يتم استجلاء الأوضاع السياسية في الولايات المتحدة ، نظرا لأن العلاقات الأوروبية – الأمريكية تعد علاقات استراتيجية وهناك تعاون أمني واستخباراتي كبير ومتعدد الأبعاد لمواجهة التحديات وخاصة موضوع الإرهاب والصراعات الإقليمية وقضايا الهجرة ، ومن هنا فإن أوروبا شعرت في لحظة ما أن عليها أن تقوم بإيصال رسالة واضحة وصادمة إلى حد ما للقيادة الأمريكية تتحدث فيها أن أوروبا لديها الإمكانات للدفاع عن نفسها بعيدا عن المنظومة الأمريكية وهذا أمر مهم للأوروبيين في هذه المرحلة، كما أن الحرب التجارية التي أطلقها ترامب ضد أوروبا كانت أحد البواعث على إيصال تلك الرسالة بأن المصالح الأمريكية لايمكن تحقيقها على حساب مصالح أوروبا وبقية العالم .
إن الجدل حول مسالة الجيش الأوروبي سوف يتواصل داخل المنظومة الأوروبية وفي الدوائر السياسية الأمريكية وهو جدل قد يعيد ترتيبات العلاقة بين المنظومتين وقد يؤدي ذلك إلى تدهور المنظومة الأطلسية وتستقل أوروبا بمنظومتها الدفاعية المستقلة من خلال إدماج جزء من جيوشها الوطنية داخل الجيش الأوروبي الجديد. أما على الصعيد الأمريكي فإن وجود الجيش الأوروبي ليس في صالح الاستراتيجية الأمريكية، وقد تكون هناك مراجعة للسياسات الأمريكية تجاه أوروبا في المرحلة القادمة، وهذا يعني أن رسالة الرئيس الفرنسي ماكرون قد وصلت إلى واشنطن بشكل صريح وواضح.