أوروبا القوية …مصلحة أوروبية وأمريكية أيضا !!

د.عبد الحميد الموافي –

ومع أن الجيش الأوروبي الحقيقي سيستغرق سنوات طويلة ليصبح قوة محسوسة، فإن درجة ومدى الخلافات والتوافق الأوروبي الأمريكي ستكون إحدى العوامل المؤثرة في تحديد سرعة العمل في إنجازه أو بلورته من جانب باريس وبرلين والدول الأوروبية الأخرى. وسيكون إنشاء هذا الجيش عنصرا داعما للناتو، وليس بديلا عنه ، ومن ثم فإنه سيكون مصلحة أوروبية وأمريكية أيضا.
تحظى القضايا المتعلقة بالأمن والدفاع بكثير من الاهتمام ، على مستوى الدول والتجمعات الدولية ، بل وعلى مستوى جماعات فرعية داخل الدول أحيانا، وما نعيشه على المستويات العربية والإقليمية والدولية، على مدى السنوات الأخيرة، يقدم في الواقع نماذج بالغة الأهمية والدلالة في هذا المجال. وبالرغم من الاتفاق العام على أهمية وضرورة امتلاك الحد الأدنى من القوة الضرورية للحفاظ على كيان الدولة، وحماية مقدراتها ومصالحها الوطنية ، وسلامة وأمن المجتمع، إلا أن الكثير من الجدل والخلافات تظهر حول تحديد القدرات ، أو المدى الذي يمكن الوصول إليه، والاعتبارات التي تحدد ذلك، بل إن مقومات الأمن، أو التصور الوطني للأمن بالنسبة للدولة، يمكن أن يتعدل أو تدخل عليه تغيرات كبيرة أحيانا، مع تغير القيادات أو تغير اتجاهات العلاقات مع الدول الأخرى ، أو مع اهتزاز عناصر الثقة المتبادلة، أو بعضها أحيانا ، بين أطراف تربطها علاقات اعتماد متبادل بشكل أو بآخر، وهو ما يفرض إعادة النظر في تقييم الكثير من العوامل المؤثرة في أمن ومصالح تلك الدول المختلفة، ورؤيتها للتهديدات المحتملة ، أو التي يمكن أن تتعرض لها في الظروف المختلفة. والمؤكد أن الانتقاد الغاضب من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لما طرحه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، حول حاجة الاتحاد الأوروبي إلى بناء جيش أوروبي حقيقي لمواجهة التهديدات المحتملة من جانب روسيا والصين وحتى الولايات المتحدة، يحمل دلالات واضحة في هذا المجال، سواء على الجانب الفرنسي أو على الجانب الأمريكي، حيث اعتاد ترامب الإساءة إلى الأوروبيين والتقليل من شأنهم ومعايرتهم باعتمادهم على ترسانة الدفاع الأمريكية، بل ومطالبتهم بالثمن مقابل حمايتهم ، ولم يكن ما قاله ترامب خلال قمة الناتو في بروكسل قبل عدة أشهر، وما قاله في القمة التي استضافتها فرنسا للاحتفال بمرور مائة عام على انتهاء الحرب العالمية الأولى الشهر الماضي سوى نماذج بالغة الوضوح . وفي هذا الإطار فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب ، لعلّ من أهمها ما يلي :
*أولا: إنه إذا كانت القوى الأوروبية – فرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا والامبراطورية النمساوية والدولة العثمانية وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا بدرجات مختلفة – قد شكلت النظام الدولي على مدى القرون الثلاثة السابقة للحرب العالمية الأولى، فإن الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي شكلا أكبر قوتين عالميتين بعد الحرب العالمية الثانية ، وما زالت أمريكا وروسيا الاتحادية – وريثة الاتحاد السوفييتي السابق – تقومان بدور كبير التأثير في النظام الدولي الراهن وتطوراته ، بالتعاون بالطبع مع بقايا القوى الأوروبية التي خرجت منهكة من الحرب العالمية الثانية. ولأسباب كثيرة ظلت الفجوة كبيرة جدا في حجم القوة ومقوماتها بين الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الحليفة لها، غير أن الولايات المتحدة استطاعت ، منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي تحديدا، وعبر إنشاء حلف شمال الأطلسي – الناتو- عام 1949، الحفاظ على الفضاء الأوروبي ووقف التمدد السوفييتي في شرق أوروبا ، حتى انهار جدار برلين عام 1989 وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق عام 1990 وتفكك حلف وارسو الذي أنشأته موسكو عام 1955 لمعادلة حلف الأطلسي، وتمدد حلف الناتو في شرق أوروبا ليقترب من الحدود الروسية ووضعت واشنطن بطاريات صواريخها في المجر ومواقع أخرى في شرق أوروبا، من أجل حماية المصالح الأمريكية والأوروبية الغربية بالطبع ، ولممارسة أقصى ضغط ممكن على موسكو التي تضعضعت قوتها نسبيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، وانتقال حلفائها السابقين في شرق أوروبا إلى الحضن الأمريكي طلبا للحماية وأملا في حياة أفضل .
غير أن السؤال الذي يتسم بالكثير من الأهمية هو لماذا قامت الولايات المتحدة بكل ما قامت به في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ، بدءا من مشروع مارشال الذي مولته واشنطن للنهوض بأوروبا التي دمرتها الحرب العالمية الثانية ، ومرورا بإنشاء حلف الناتو والإنفاق الكثير عليه ، حيث تتحمل واشنطن نحو 40 في المائة من نفقاته ، ووصولا إلى الاحتفاظ بقوات أمريكية في عدة قواعد أوروبية تحت علم الناتو ، هل كان ذلك تطوعا أمريكيا ، أو كان لجمال عيون الأوروبيين ؟ أم أنه كان ، ولا يزال ضرورة استراتيجية ومصلحة أمنية حيوية للولايات المتحدة ؟ وهل تستطيع أمريكا الانسحاب من أوروبا الغربية مثلا ، وترك أوروبا مفتوحة أمام الدب الروسي ؟ الواقع أن الإجابات معروفة ، ولكن المشكلة أن الرئيس الأمريكي ترامب يتعامل مع قضايا الأمن والدفاع ، وهي قضايا استراتيجية ، بمعايير الصفقات العقارية ، التي لا ترى سوى كم دفع وكم ربح بالمعيار الدولاري ، أما اعتبارات الأمن والتوازن الدولي والمصالح الاستراتيجية الحيوية لأمريكا ولدول الناتو ، فإنها تأتي بعد حجم النفقات !! ومن هنا يمكن فهم منطق ترامب وحديثه المتكرر حول ضرورة إسهام دول الناتو بشكل أكبر في نفقات الدفاع للحلف ، وهو ما تفهمه دول الحلف – على الأقل في جانب منه – على انه ضغط من أجل شراء مزيد من السلاح الأمريكي ، ومن ثم خدمة المصالح الأمريكية ، وليس المصالح الاستراتيجية الجماعية للتحالف الغربي . وكان ذلك أحد أهم العوامل التي أدت إلى اهتزاز ثقة الأوروبيين في الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا . من جانب آخر فإن لغة الرئيس الأمريكي ، ومفرداته في التعامل مع حلفائه ، كانت مستفزة للأوروبيين في مختلف المناسبات ، لأنها أشعرتهم باستمرار بانتهازية « الراكب المجاني» ، التي كان الرئيس الأمريكي السابق اوباما قد استخدمها ذات مرة .
على أية حال فإن المصالح الاستراتيجية الأمريكية ، في أوروبا وعلى المستوى العالمي ، تفرض على الولايات المتحدة الحفاظ على تحالفها مع الدول الأوروبية بشكل أفضل ، وأكثر تقديرا للمصالح الأوروبية . صحيح أن واشنطن تشعر بأهميتها الكبيرة للدول الأوروبية لحل أية قضايا صعبة في أوروبا ، وكانت حرب البلقان في النصف الاول من عقد التسعينيات من القرن الماضي درسا قاسيا ، لأنها لم تنته إلا بعد التدخل الأمريكي وتدخل الناتو العسكري بالطبع ، ولكن الصحيح أيضا هو أن تغيرا استراتيجيا ضخما حدث في أوروبا الشرقية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق وتفكك حلف وارسو ، ويتمثل هذا التغير في انخفاض حجم وطبيعة التهديد الروسي لأوروبا إلى درجة كبيرة من ناحية ، وتلاشي إمكانية شن موسكو لحرب ضد دول أوروبية ، سواء في البلطيق أو في بولندا والمجر وأوكرانيا من ناحية ثانية ، نعم شنت موسكو حربا ضد جورجيا ، واشتبكت قواتها مع القوات الأوكرانية ، وضمت شبه جزيرة القرم إليها ، وقامت قبل أيام باحتجاز ثلاث سفن أوكرانية بحجة انتهاك مياهها الإقليمية ، غير أن هذه التفاعلات الحادة هى رواسب في الواقع لانفصال جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق عن روسيا الاتحادية ، والأكثر خطرا إن بعض تلك الجمهوريات يحاول الهرولة إلى الحضن الأمريكي إلى حد دعوة واشنطن لإنشاء قواعد أمريكية فيه – المجر نموذجا – كما دعت أوكرانيا بحرية الناتو إلى التدخل لإنقاذ سفنها المحتجزة ، وهو ما يعني أن تلك الدول لا تتردد – حسب مصالحها الخاصة – في إثارة مشكلات بين موسكو والناتو ، أو الاستقواء بأمريكا والناتو ضد موسكو حليف الأمس ، وبالطبع يريد الرئيس الروسي بوتين وضع حد لتلك التقلصات ، وتحديد خطوط واضحة للتعامل ترفض تمدد الناتو شرقا إلى أعتاب موسكو وبقدر اظهاره لقدرة موسكو على استعادة قوتها – على الأقل بدرجة غير قليلة – إلا أنه يدرك تماما أن طمأنة دول أوروبا الشرقية والغربية بالنسبة لنوايا موسكو هو أمر مفيد له وللأمن في أوروبا وللمصالح الاقتصادية لكل الأطراف . ومن هنا تحديدا لم يكن غريبا ولا مفاجئا ، أن يرحب بوتين برغبة ماكرون في إنشاء جيش أوروبي حقيقي ، خاصة وأنه يدرك تماما أن إنشاء مثل هذا الجيش لن يشكل اي تهديد لروسيا الاتحادية ، بل إنه يمكن أن يكون عنصرا للحد من نفوذ الناتو في أوروبا على الأجل الطويل ، فضلا عن أن ترحيب موسكو بالاقتراح يزيد من الحرج الأمريكي بعد معارضة ترامب له بشدة .
*ثانيا: على المستوى الأوروبي ، فإنه من المعروف على نطاق واسع ، إنه بالرغم من الدور الحيوي الذي يقوم به حلف شمال الأطلسي – الناتو- والذي تشكل الدول الأوروبية كل اعضائه باستثناء أمريكا وكندا ، بالنسبة للحفاظ على الأمن في أوروبا وتحقيق التوازن الاستراتيجي مع الاتحاد السوفييتي السابق ، ثم مع روسيا الاتحادية ، وبالرغم أيضا من الارتكان الأوروبي على المظلة النووية الأمريكية ، إلا أن فرنسا تحديدا ، اعتنقت منذ عقود فكرة الأمن و الدفاع الأوروبي المشترك ، ليس مناوأة للحليف الأمريكي ، ولكن رغبة في الحفاظ على قدر من الاستقلالية لقرارها وللقرار الأوروبي إن أمكن ، وخاصة فيما يتعلق بالشؤون الدفاعية . ومن هنا لم يكن مصادفة مثلا أن تتضمن اتفاقية الاتحاد الأوروبي نوعا من التنسيق الأمني والدفاعي بين الدول الأعضاء ، وأن تتحدث اتفاقية هلسنكي لعام1975 عن الأمن المشترك للدول الأوروبية ، صحيح أن ذلك كان مجرد إشارات لم يتم التعويل عليها كثيرا ، باعتبار أن الناتو يقوم بدوره وأن المظلة الأمريكية تحقق الحماية ، ولكن ما له دلالة أن فرنسا انسحبت من القيادة العسكرية للناتو منذ عام 1967 ، وأنها رفضت باستمرار أن تنضوي قوتها النووية ضمن القوة النووية لحلف الناتو ، وفضلت أن تظل قوة فرنسية فقط ، وذلك إدراكا لحاجة فرنسا وأوروبا أن يكون لها قوة دفاعية لا تجعلها معتمدة بالكامل على القوة الأمريكية ، أو رهينة للمزاج الأمريكي . وبالرغم من أن تفكك الاتحاد السوفييتي السابق وحلف وارسو قد أشعرا أوروبا الغربية بقدر أكبر من الأمان ، إلا أن فرنسا وبالتعاون مع ألمانيا قامتا منذ عدة سنوات بتشكيل ما سمي بالفيلق الفرنسي الألماني ، ومع أن هذا الفيلق ظل محدودا ورمزيا ، إلا أنه الآن ، وفي ظل الظروف والتطورات الراهنة ، يشكل أساسا يمكن البناء عليه وتطويره من جانب كلا الدولتين الحليفتين ، و فتح المجال أمام الدول الأوروبية الأخرى التي تريد الانضمام إليه ، ليتحول إلى نواة للجيش الأوروبي الحقيقي الذي يتمناه ماكرون بشكل أو بآخر . خلال السنوات القادمة .
وإذا كانت الخلافات الأوروبية الأمريكية في العامين الأخيرين ، وممارسات إدارة ترامب حيال الدول الأوروبية ، سواء في المجالات التجارية أو الدفاعية ، تحث الأوروبيين على النظر بشكل مختلف لمسألة تعزيز قدرتهم الدفاعية والأمنية الذاتية ، والحد من الاعتماد على الحليف الأمريكي ، إلا أن الدول الأوروبية ستظل في حاجة عملية للقوات الأمريكية وللتحالف مع واشنطن للحفاظ على الأمن والاستقرار في أوروبا. ومن ثم فإنه من المرجح أن تسير فرنسا وألمانيا في العمل والتنسيق المشترك لتطوير فيلق القوات المشتركة بينهما ، وزيادة أعداده وتسليحه وفتح المجال أمام مشاركة دول أوروبية فيه، على أسس متفق عليها، ولكن ذلك لا يعني، ولن يعني الاستغناء عن الحليف الأمريكي، ولا عن حلف الناتو ودوره. صحيح أن هناك تطمينات روسية ولكن قضايا الأمن والحفاظ على المصالح الوطنية لا تعتمد على النوايا الحسنة للآخرين ، ولا على التطمينات السياسية ولكنها تعتمد بالدرجة الأولى على مقومات القوة التي تملكها الدولة وتستطيع حشدها على الأرض في الظروف المختلفة. ومع أن بناء الجيش الأوروبي الحقيقي سيستغرق سنوات طويلة ليكون قوة محسوسة ، فإن درجة ومدى الخلافات والتوافق الأوروبي الأمريكي سيكون أحد العوامل المؤثرة في تحديد سرعة العمل في إنجازه أو بلورته من جانب باريس وبرلين والدول الأوروبية الأخرى. وحتى في ظل إنشاء هذا الجيش الأوروبي فإنه سيكون عنصرا داعما للناتو، وليس بديلا عنه، ومن ثم فإنه سيكون مصلحة أوروبية وأمريكية أيضا ، خاصة وأن العالم الآن يتغير بسرعة كبيرة ، وبرغم كل مظاهر التوتر إلا أن اللجوء للقوة المسلحة هو بمثابة انتحار، أو على الأقل تبديد، لا ضرورة له، للإمكانيات الوطنية ولا يستثنى من ذلك سوى الدفاع عن أمن ومصالح وأرض الدولة في حالة التعرض للعدوان المباشر أو غير المباشر، وأوروبا تعي ذلك جيدا بعد أن اكتوت بنيران حربين عالميتين خلال النصف الأول من القرن الماضي .