أوروبا أمام لحظة الحقيقة الأمنية: معضلة البدايات

د. صلاح أبونار –

خلاصة ما سبق أن هدف السياسة الأمنية الأوروبية المستقلة لم يتحقق منه إلا أقل القليل، بينما كانت عملية الاندماج الاقتصادي والسياسي تواصل تقدمها المطرد على مدار النصف الأول من نوفمبر استقطب المشهد السياسي الفرنسي اهتمام العالم كله. في باريس اجتمع سبعون من قادة العالم، في احتفال رمزي بالذكري المئوية لنهاية الحرب العالمية الأولى. وفي نفس السياق السياسي، أطلق الرئيس ماكرون دعوته لبناء «جيش أوروبي واحد حقيقي»، للدفاع عن أوروبا ضد « تهديدات روسيا والصين وحتى الولايات المتحدة»، وبعدها دخل في اشتباك لفظي حاد مع ترامب، شهد أوجه في الاحتفال الختامي الذي جرى تحت قوس النصر الفرنسي الشهير. كان مشهدا سياسيا متناقضا، وفي تناقضه العميق جسد أزمة التحالف الغربي كان لدعوة ماكرون مقدماتها الواضحة. في 1954 اقترحت فرنسا تكوين ما دعته «جماعة الدفاع الأوروبي»، لكنها لم تلق آذانا أوروبية صاغية. وعندما وقعت معاهدة الاتحاد الأوروبي، أولت اهتماما بالسياسة الدفاعية والأمنية المشتركة، ولكن بدرجة أقل كثيرا من اهتمامها بالأبعاد الاقتصادية والسياسية. فنصت على وضع سياسات أوروبية للدفاع والأمن المشترك، تحدد حركتها في مجالات الدفاع وإدارة الأزمات والأمن. واستكمالا لذلك طرحت ما دعته: « التعاون البنيوي الدائم»، و«قوات دفاع الاتحاد الأوروبي». والأول آلية مؤسسية يوظفها الأعضاء لتحقيق درجات وأشكال من التكامل العسكري والأمني. والثاني قوات برية وبحرية وجوية، محدودة الأعداد تتشكل بموافقة الأعضاء، ومهمتها تطبيق سياسات الاتحاد الأمنية والدفاعية، وينتظم عملها ثلاث مراكز قيادية. وفي إطار آلية التعاون البنيوي الدائم، بادر بعض الأعضاء بإطلاق أكثر من مبادرة. مبادرة تكوين الفيلق الأوروبي، التي أطلقتها فرنسا وألمانيا عام 1992 ، وشارك في تكوينه عشر دول وتتمركز في ستراسبورج . ومجموعات القتال الأوروبية، وهي قوات تدخل سريع أوروبية تأسست 2007. ومبادرة التدخل الأوروبي التي اقترحها ماكرون عام 2017 ، وتشارك فيها عشر دول أوروبية. وهي مبادرة خاصة، استهدفت تكوين قوات أوروبية جاهزة للعمل الجماعي السريع، تعمل تحت قيادة سكرتارية دائمة مستقلة، وتنسق عملها مع الناتو والاتحاد الأوروبي.
وفي هذ السياق العام مارست القوات الأوروبية تدخلات خارجية، أهمها في يوغوسلافيا 2003، والكونجو2003، والبوسنة والهرسك 2004، وافغانستان2004، والكونجو 2006، 2008 ومالي 2011، والنيجر2014. ولاحظ الباحثون على ما سبق أمرين؛ تتسم قوات الدفاع الأوروبي، التي مارست اغلب التدخلات المشار إليها، بمحدودية الأعداد، وتكوينها برغبة الأعضاء وفقا لإجماع مجالسهم التشريعية. وفيما يتعلق بالمبادرات الثلاث المذكورة، يتسم عمل الأولى والثانية بندرة استخدام قواتهما،
وخلاصة ما سبق إن هدف السياسة الأمنية الأوروبية المستقلة لم يتحقق منه إلا أقل القليل، بينما كانت عملية الاندماج الاقتصادي والسياسي تواصل تقدمها المطرد. ويصح تماما أن نستنج أن هذا القصور لعب دورا أساسيا في إطلاق دعوة ماكرون، لكن سيكون من الخطأ اعتباره العامل الأساسي والجوهري. عايش الاتحاد الأوروبي هذا القصور الأمني طويلا، ومعه قصور آخر لا يقل خطرا هو غياب سياسة خارجية فعالة مستقله في المجال العالمي. واستنام الاتحاد الأوروبي لهذا القصور ملقيا بأثقاله الأمنية والدفاعية ومعها دوره العالمي على كاهل واشنطون. وكان ذلك مبررا خلال الحرب الباردة. خرجت أوروبا من الحرب الثانية لتواجه عدة حقائق أليمة. حقيقة خروجها مدمرة اقتصاديا وبشريا، وبالتالي ضرورة تفرغها لإعادة البناء الاقتصادي. وحقيقة تصاعد حركات التحرر الوطني واضطرارها للانسحاب من مستعمراتها وفقدانها لموارد اقتصادية وسياسية هائلة. وحقيقة التحول النوعي العميق في موازين القوى العسكرية مع نجاح الاتحاد السوفييتي في امتلاك القنبلة الذرية، وانطلاق سباق تسلح نووي، عجزت عن اللحاق بخطواته اللاهثة. وحقيقة انقسام أوروبا بين الشرق والغرب ، وتأطير هذا الانقسام العقائدي بانقسام عسكري مطابق بين حلفي الأطلنطي ووارسو. وكل ذلك كان من شأنه تقليص استقلالية دورها العالمي، والحد من قدراتها الدفاعية والأمنية، ودفعها للاستنامة لدرع الحماية الأطلسية الأمريكية.
وكان من المنتظر بعد أن تغيرت نتائج ما بعد الحرب الثانية، وتشييع الحرب الباردة إلى مقبرة التاريخ، أن تشرع أوروبا في مسيرة جديدة لاستعادة دورها الدولي وإطلاق أطر جديدة لسياساتها الأمنية والدفاعية، وأن تعتبر هذا وجها ضروريا مكملا لمسيرتها الاتحادية الصاعدة والناجحة. لكنها ظلت تراوح مكانها القديم ، أسيرة للحماية الأمنية الأطلسية، ومنقادة للقيادة الأمريكية، ومنغمسة تماما في همومها الاتحادية. وعندما نبحث عما خلف ذلك سنجد عدة عوامل. منها أن أوروبا لم تعرف على مدار عقود ما بعد الحرب جيلا من القادة العظام أمثال ديجول وتشرشل، قادر على التحدي وشق طرق جديدة واتخاذ قرارات تاريخية لها ثمنها الباهظ. ومنها أن قرار بناء سياسة دفاعية أوروبية مستقلة باهظ التكلفة. تكلفة اقتصادية عالية ناجمة عن بناء نظم تسلح جديدة، والحرص على بناء تكافؤ نووي، والانتشار الجغرافي عبر القوى البحرية، وتوفير القاعدة الصناعية والعلمية الداعمة. ومنها أن انكفائها الأمني والسياسي الممتد عن الشؤون العالمية، اسفر عن اهتزاز عميق في شبكات تحالفاتها وقواعد نفوذها، وأصبح من الضروري لكي تنشط مجددا أن تعيد إنشاء مجالات نفوذها السياسي عبر العالم، وهو ما يعني انتزاع مساحات من مجالات النفوذ الأمريكي والدخول في صراع معوق ومكلف.
ولكن مع تلاحق الأزمات تكور الوعي الأوروبي باستحالة استمرار هذا الوضع، وتكاثفت حدته خلال العقد الأخير بفعل عدة عوامل. لعبت تدخلية بوتين الروسية الجديدة في أوكرانيا والقرم الدور الأساسي. وهكذا أعادت إلى ذاكرة أوروبا التاريخية ذكريات القياصرة العتاة المتوسعين شرقا، ثم جاء التدخل الروسي في الانتخابات الأوروبية، والتحالف الصريح مع الحركات الشعبوية، ليشعر غرب أوروبا أن الخطر الروسي ليس محصورا في الشرق، بل أقرب إليه مما يتصور. وجاءت اضطرابات المحيط العربي في 2011، لتضفي على جنوب المتوسط بصلاته الحيوية مع أوروبا ظلالا خطرة. حروب أهلية تدفع إليها بملايين اللاجئين، وتوقف مصادر إمدادها النفطي على ساحل المتوسط الجنوبي عن ضخ نفطها، وبدلا منه أصبحت تضخ مهاجرين أفارقة غير شرعيين وجهاديين يعيثون فسادا في سوريا وليبيا والعراق ثم يشد بعضهم الرحال إلى أوروبا ويستكملون عملهم. ثم جاء ترامب ليغلق الدائرة. مع ترامب تقلصت المعاني التاريخية والحضارية والسياسية للتحالف الأطلسي، ليصبح مجرد شراكة أمنية تدار بحساب المكسب والخسارة. ولم تعد هناك قداسة للمعاهدات أو الالتزامات الدولية، من اليونسكو إلى المحكمة الجنائية الدولية إلى مجلس حقوق الإنسان إلى اتفاقية المناخ إلى معاهدة حظر الصواريخ إلى اتفاقيات التجارة الدولية. وأصبح الاتحاد الأوروبي خصما لأمريكا تحرض على الخروج منه، ويهلل رئيسها لخروج بريطانيا مطالبا فرنسا أن تسير على منوالها. وأصبحت حسابات الشراكة الاستراتيجية والأمنية هي ذاتها حسابات التكلفة الاقتصادية. وأصبح بوتين وجها سياسيا مفضلا عن سياسية من نمط انجيلا ميركل. وهكذا سنجد ماكرون في طرحه لفكرته، لا يتحدث حصرا عن مشروع عسكري، بل عن مواصلة أوروبا لمسارها التاريخي في مواجهه موقف تاريخي حرج. ماذا يقول؟ على أوروبا مواصلة الدفع لمشروعها التاريخي الاتحادي إلى أقصى مداه: »نريد أوروبا أكثر تماسكا، وأكثر سيادة، وأكثر اتحادا، وأكثر ديمقراطية» وعليها فعل ذلك بينما تتعرض لهجوم مزدوج. هجوم خارجي: »هناك قوى عديدة، تريد أن تحبطنا، وأن تتدخل في نقاشاتنا العامة، وتهاجم ديمقراطيتنا الليبرالية، وتحاول دفع كل منا ضد الآخر» وآخر داخلي تشنه نزعاتها القومية الشعبوية: »الوطنية مفيدة في تقوية الهوية، لكن القومية والشعبوية أيديولوجيات خطرة» وتلك المواجهة يجب أن تضع في اعتبارها ما يلي. أنها تواجه عالما ينحدر صوب الفوضى، وعليها أن تسرع في حركتها حتى يمكنها السيطرة على الموقف. وألا تقع في خطأ افتراض دوام حالة السلم الراهنة، داخل قارة كانت طوال تاريخها مسرحا لحروب دامية. ويقود ذلك إلى نتائج منطقية. على أوروبا أن تعتمد على نفسها في الدفاع عن نفسها وليس على أمريكا: »يجب أن نكون قادرين على إرسال رسالة إلى شعوب المجر وفنلندا وبولندا، أنهم في اليوم الذي يتعرضون فيه لهجوم، فإن أوروبا هي القوة التي ستحميهم وليس أي قوة أخرى» ولن تتمكن من ذلك إلا من خلال جيش أوروبي واحد وحقيقي. ولكي يكون لها جيشها الحقيقي: »يجب أن نبني قوة ذاتية، من خلال سلاح نقوم نحن بصنعه. ويجب أن نزيد من ميزانيتنا العسكرية، ولكن ليس لكي نشتري السلاح من أمريكا، ولكن لكي نشتري سلاحا نصنعه بأنفسنا».
والأمر المؤكد أن أوروبا تواجه بالفعل مأزقا أمنيا. ولكن مواجهة المأزق من خلال فكرة الجيش الأوروبي الواحد، هو طرح استراتيجي سليم صالح للمدى الطويل، ولا يمكن أن يكون ردا مباشرا على أزمة راهنة. وماكرون يعي ذلك، لكنة يريد التشديد على الأفق الاستراتيجي، لينتقل النقاش بعد ذلك للسياسات العملية. ماهو راهن ويمكن تبنية الآن، وما هو صالح للمدى المتوسط، وما يجب استهدافه على المدى البعيد. وهو ما يعني أن نقد الفكرة من منظور قابليتها للتطبيق الفوري، يتخطى طبيعتها الدعوية الواضحة، في صياغتها الراهنة وفي سياق طرحها الخاص. يتطلع ماكرون لإطلاق مسيرة اندماج عسكري حقيقي، تنتهي بتكوين جيش أوروبي واحد، على منوال المسيرة الاقتصادية الطويلة التي انتهت بتكوين العملة الموحدة. والسؤال الآن، كيف يمكن مواجهة التهديدات الراهنة؟ وكيف تدمج تلك المواجهة في سياق مسار تحقيق الهدف الاستراتيجي البعيد؟