خطورة الحديث غير المنضبط عن جيش أوروبا

نك ويتني  –
المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية –
ترجمة قاسم مكي –

يبدو أن قادة أوروبا يعانون من متلازمة تُورَيت. (متلازمة توريت اختلال عصبي يتسم بحركات لاإرادية متكررة ونمطية وإطلاق أصوات مستهجنة. أول من وصفها الطبيب الفرنسي جورج تُورَيت عام 1885- المترجم).
فكلما تطرق الجدل إلى موضوع الدفاع الأوروبي يشعر هؤلاء القادة برغبة لا تقاوم في النطق بالكلمتين المحرمتين:- الجيش الأوروبي. فعل ذلك رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر عام 2015 مقدِّما بذلك ذخيرة ثمينة لمعسكر التخلي عن الاتحاد الأوروبي (البريكست أو خروج بريطانيا من الاتحاد) قبل إجراء استفتاء الموقف من الاتحاد بالمملكة المتحدة. فقد صاح وقتها دعاة البريكست والصحف الشعبية المتحالفة معهم في ظفر وابتهاج بأن (الحديث عن جيش أوروبا) دليل جديد على الطموحات التوسعية للاتحاد الأوروبي. ربما استفاد قادة أوروبا من تلك التجربة وتجنبوا إلى حد كبير النطق بهذه العبارة بالغة الضرر (جيش أوروبا) واكتفوا بإطلاق مزاعم حول التقدم الحثيث نحو تشكيل»اتحاد دفاعي». لهذا المصطلح الأخير ميزة التعبير عن فكرة دون أن يكون بمقدور أي أحد تحديد ما تترتب عليه هذه الفكرة بالضبط. لكن هذا الانضباط الذاتي تصدع مرة أخرى حين بدأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ثم أعقبته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل برفع شعار «الجيش الأوروبي»الأمر الذي أدى على الفور إلى انطلاق وابل من العداء من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ربما من شأن رد الفعل هذا أن يكون مبررا إذا كان من يدعون إلى تكوين جيش أوروبي يقصدون فعلا ما قالوه. لكنهم ليسوا كذلك. فإذا كان لعبارة «الجيش الأوروبي» أي معنى حقيقي سيلزم أن تعني «قوة عسكرية» يتم تمويلها جماعيا وتخضع لقيادة مركزية فوق وطنية. لكن من السخف البَيِّن جدا القول أن رئيسا فرنسيا أو مستشارا ألمانيا يريدان حقا أن يريا شابا أو شابة في قواتهما المسلحة وهما يتعرضان للأذى بسبب تعليمات صادرة عن جنرال في بروكسل ودون موافقة محددة وواضحة من سلطات بلدهما. (في الواقع لقد سارع وزير الدفاع الألماني إلى «توضيح» أن سيطرة البرلمان الألماني البوندستاغ على القوات المسلحة الألمانية ليست موضع نقاش) لا أحد في أوروبا مستعد لأن يفكر في مثل هذا القصد سواء الفرنسيون أو الألمان أو البريطانيين أو البولنديين أو البرتغاليين أو أي أحد آخر. قد يرغب بعضهم بألا نفهم هذه العبارة بمعناها الحرفي وأن علينا قبولها كتعبير عن طموح مستقبلي غامض أو كرمز لحاجة الأوروبيين الفورية إلى تحمل المزيد من عبء الدفاع عن أنفسهم بحشد المزيد من جهودهم ومواردهم الدفاعية. يقينا هذا شيء لا اعتراض عليه. والرد الموجز على ذلك هو «لا تثريب على هدف تحقيق المزيد من الاستقلال الذاتي الاستراتيجي لأوروبا». وكما أكد ماكرون أمام البوندستاغ في 18 نوفمبر (دون تكراره لعبارة الجيش الأوروبي وهذا ما يُسعِد) لا ترضى أوروبا بأن تتحول إلى « ألعوبة للقوى العظمى» وأن عليها « تولى مسؤولية أكبر تجاه أمنها ودفاعها» لكن شعار «الجيش الأوروبي» كله أخطاء. فهو مضلل ونتائجه عكسية ومؤذٍ كذلك. كيف؟ لنبدأ برد فعل ترامب (المتوقع). اعتماد أوروبا على حماية الولايات المتحدة غير صحي وغير ضروري. فقط تمعنوا في حقيقة أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أنفقت فيما بينها على الدفاع في العام الماضي ما يساوي أربعة أضعاف ما أنفقه الروس تقريبا. لكن اعتماد أوروبا (على الولايات المتحدة) يمثل حقيقة اليوم. وسيظل كذلك مهما كانت الرغبة بخلاف ذلك لعقدين قادمين على الأقل. فالثغرات التي ينبغي سَدُّها كبيرة قبل أن يكون بإمكان جيوش أوروبا الدفاع عنها بدون الأمريكيين. إذن في مثل هذه الظروف لماذا الدخول في شجار حول هذا الموضوع مع من يصف نفسه بالعبقري الرزين في البيت الأبيض (ترامب) ليس أقله مع وجود عدد كبير من القضايا الملحة الأخرى من التغير المناخي إلى إيران. وهي قضايا لا مفر من نشوب نزاع «عبر أطلنطي» حولها؟ من النادر أن يكون عض اليد التي تطعمك تصرفا ذكيا. وليس الأمريكان فقط هم الذين يمكن أن ينفرهم الحديث عن «الجيش الأوروبي». فوزير الخارجية الهولندي وجد من الضروري أن ينأى بنفسه عن هذا المصطلح الماكروني/‏‏ الميركلي. ثم لا يزال هناك أولئك البريطانيون الذين ينبغي وضعهم في الاعتبار. ففي الشهور القادمة ربما يعيدون استفتاء أنفسهم مرة أخرى حول فكرة خروج بلدهم من الاتحاد الأوروبي. وإذا فعلوا ذلك سيستغل كارهو أوروبا (من بينهم) الحديث غير المنضبط عن «الجيش الأوروبي» لتحريف الطموحات الاستراتيجية الأوروبية. وحتى إذا افترضنا أن إجراءات خروج بريطانيا ستمضي قُدُمَا سيبدو هدف الاستقلال الذاتي الإستراتيجي لأوروبا أكثر وجاهة إذا كانت المملكة المتحدة مستعدة للإسهام بوزنها العسكري في شراكة عسكرية مع أعضاء الاتحاد الأوروبي الـ27. في أثناء الحرب العالمية الثانية (وتلك فترة يتمنى عدد كبير من البريطانيين لو أنهم لا زالوا يعيشونها، كما يبدو) كان يتم نشر تحذير رسمي على نطاق واسع فحواه « الحديث غير المنضبط يكلف أرواحا». على قادة أوروبا وضع ذلك في بالهم حين يتجه الحديث نحو موضوع الدفاع. فطالما ظللنا نحن الأوروبيين معتمدين على حماية الولايات المتحدة علينا أن نتأدب وأن نكون ممتنين وفي الأثناء «نعمل» على التقليل من ذلك الاعتماد. وتعني كلمة «نعمل» ألا يكون هنالك المزيد من الحديث عن جيش أوروبي أو حتى إطلاق أقوال أكثر انضباطا حوله بل فقط مشاريع ملموسة لإغلاق الثغرات في قدرات أوروبا (العسكرية) وتحقيق التكامل بين مختلف الجهود الدفاعية الوطنية من خلال المزيد من المشاريع المشتركة وأشكال التعاون الأخرى. من فضلكم قليل من الكلام والمزيد من الأفعال.